إسرائيل: بعد النشوة الأولية وصلت فاتورة الحرب

حلمي موسىالخميس 2026/04/02
نتنياهو الكنيست.jpg
إقرار الميزانية الإسرائيلية بأغلبية 62 صوتاً مقابل 55 (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أفلحت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تمرير قانون الميزانية العامة في اليوم الأخير من الموعد القانوني النهائي، ومنعت بذلك سقوط الحكومة والاضطرار بالتالي لإعلان انتخابات عامة مبكرة خلال تسعين يوماً. ولم يأتِ هذا النجاح في تمرير الميزانية إلا بعد رص صفوف الائتلاف عبر سلسلة من الرشاوى المالية والسياسية والتشريعية والمعنوية. فقد خصصت الحكومة مليارات الشواقل لإرضاء الحريديم والمستوطنين، وسمحت بعربدة الاستيطان والمستوطنين في الضفة، وأقرت قانوناً لتوسيع صلاحيات المحاكم الدينية وقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين والعرب. وكانت الانجازات العسكرية الأولية في الحرب قد خلقت نشوة كبيرة في أغلب الأوساط الإسرائيلية، غير أن تكلفة الحرب، وكما تبينت في الميزانية العامة وفي تقارير بنك إسرائيل المركزي، تبدد هذه النشوة.

وقد لعبت الحرب دوراً هاماً في تسهيل إقرار الميزانية حيث تراجعت الأحزاب الحريدية عن قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية لطلاب المدارس الدينية. ويرى معلقون أن الخوف من الانتخابات المبكرة كان دافعاً مركزياً وراء احتشاد قوى اليمين الديني والقومي خلف حكومة نتنياهو لمنع سقوط الحكومة، خصوصاً أن استطلاعات الرأي غير مبشرة. 

وقد أقرت الميزانية العامة في الكنيست في ظل اتهامات وانتقادات واسعة من جانب المعارضة التي اتهمت الحكومة "بسرقة الشعب وهو نائم"، وبخداع المعارضة وتوفير الأغلبية عبر رشاوى وطرق احتيالية. واعتبرت المعارضة إقرار الميزانية بهذا الشكل نوعاً من الممارسة السياسية في جنح الظلام والخداع في خضم الحرب. وأُقرت الميزانية بأغلبية 62 صوتاً مقابل 55، بعد دراما كبيرة في الكنيست، وقعت فيها المعارضة في فخ الائتلاف، ما حدا بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش لإعلان: "سنُكمل الولاية حتى النهاية، وستُذكر هذه الولاية بأنها غيّرت مفهوم الأمن وواقعه، والاقتصاد، والاستيطان، وعدّلت موازين القوى فيما يتعلق بالنظام القانوني، وعزّزت الديمقراطية والهوية اليهودية".

 

ما الذي تضمنته الميزانية العامة
وافق الكنيست على ميزانية الدولة للعام 2026 البالغة 699 مليار شيكل (حوالي 220 مليار دولار)، وهي الميزانية الأعلى في تاريخ الدولة العبرية. ووفقاً للبيانات، سيبلغ إجمالي الميزانية التراكمية من عام 2024 وحتى نهاية عام 2026 نحو 2.47 تريليون شيكل. وفي عام 2026 وحده، تبلغ الميزانية المخططة، بما في ذلك تغطية خدمة الدين، نحو 850 مليار شيكل. مع ذلك، يُظهر توزيع الميزانية أن 55% فقط منها مُخصصة للعمليات الحكومية المدنية، بينما يُخصص 21% للأمن و24% لخدمة الدين العام.

ووفقاً للميزانية المُعتمدة، سيبلغ إجمالي الإنفاق حوالي 850 مليار شيكل، منها حوالي 621 مليار شيكل ميزانية عادية، وحوالي 228 مليار شيكل ميزانية تنمية وحساب رأسمالي. سيبلغ إجمالي ميزانية حساب سقف الإنفاق حوالي 699 مليار شيكل، بينما ستبلغ مدفوعات الديون (باستثناء التأمين الوطني) حوالي 151 مليار شيكل. وتبلغ ميزانية الإنفاق المشروط بالإيرادات حوالي 77 مليار شيكل، وميزانية الاعتمادات حوالي 196 مليار شيكل. 

ولتفسير ما سبق يمكن القول أنه لسنوات طويلة في الماضي، كان الدفاع يحصل على الحصة الأكبر من ميزانية الدولة. وقبل الحرب، كان يحصل على 13% من الميزانية. وهذه نسبة ضخمة، لا مثيل له في الدول الغربية. أما الآن، فقد وصلت إلى 21%. وهذا يعني استلاب 8% من الميزانية من جميع مجالات الحياة الأخرى وتحويلها إلى ميزانية الدفاع. وكانت ميزانية الدفاع قد تراجعت في العقد الفائت من مكانتها الأولى إلى المكانة الثانية بعد التعليم. لكن هذا في ظل الحرب انتهى، حيث عاد الأمن والدفاع ليحتل المرتبة الأولى وبفارق كبير عن الثانية. فميزانية الدفاع والأمن (بما في ذلك ميزانية جهاز الأمن العام والموساد، اللتين تُحسبان على نحوٍ منفصل)، بلغت هذا العام 151 مليار شيكل مقارنة بـِ 97 مليار شيكل للتعليم، والتأمين الوطني حوالي 64 مليار شيكل، ووزارة الصحة حوالي 63 مليار شيكل.

 

ومن الجلي أن الأمر لا يتعلق بعام وعامين، خصوصاً بعدما تبنت حكومة نتنياهو نظرية "الحرب الدائمة" وإنما بات يتعلق بنمط حياة قد يمتد لعقود. ووفق خبراء، فإنه إذا كانت الحرب تُشنّ فقط لكي نخوض حرباً أخرى بعد بضعة أشهر، فإن ثمناً باهظاً يُدفع بالفعل للأجيال القادمة، حتى وإن لم يُلمس أثره فوراً. ويتفاقم إحساس الخيبة من المستقبل في ظل تضاؤل ثقة الجمهور الإسرائيلي ليس فقط بالمؤسسة السياسية وإنما أيضاً بالمؤسسة العسكرية التي تعده بالنصر والأمن وتعجز في نظره عن ذلك. ويتزايد الإحساس بالخيبة في ظل "إخفاء الجيش الإسرائيلي حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت الحيوية في تقاريره، لكن حجم الضرر يتراكم أمام أعين الجميع. لقد حلت حقيقة قاسية محل الاحتفال بإنجازات بداية الحرب، حيث أدى صمت المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، وسياسة الاعتراض، والأضرار إلى إضعاف ثقة الجمهور في المؤسسة"، وفق صحيفة "كلكليست".

 

حرب تبتلع الاقتصاد

وفق أرييل فيجلين في صحيفة "معاريف" فإن تقرير بنك إسرائيل المركزي الذي كشف أن تكلفة الحرب إلى ما قبل الحرب الأخيرة على إيران بلغت 352 مليار شيكل ليست التكلفة النهائية. إذ يضاف لها ما يتراوح بين 50-100 مليار شيكل آخر تكلفة شهر من الحرب على إيران حتى الآن وهو ما يجعل التكلفة خيالية بكل المعايير. وفي تفاصيل التكلفة فإنه منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى نهاية شهر شباط/فبراير 2026 كلّفت الحرب، بجميع مراحلها وساحاتها وجولاتها وعملياتها، الدولة العبرية ما يقارب 352 مليار شيكل كنفقات مباشرة، منها حوالي 243 مليار شيكل نفقات على أنظمة الدفاع من ذخيرة ووقود وأنظمة وقوى بشرية وقوات عمليات خاصة. أضف إلى ذلك ما يقارب 33 مليار شيكل من ضرائب العقارات والتعويضات، ونحو 57 مليار شيكل من النفقات المدنية المختلفة، بدءاً من الإجلاء وصولاً إلى المنح وخطط التعويض للشركات المختلفة، ونحو 19 مليار شيكل من مدفوعات الفوائد فقط، لتصل إلى المبلغ الافتراضي الذي ذكرناه سابقاً – 352 مليار شيكل.

وفي نظره، لا تنتهي القصة هنا، فإلى جانب التكلفة المباشرة على الدولة، هناك أيضاً التكلفة على المواطنين. سواء أكانت أياماً لم نعمل فيها، أو منتجات لم ننتجها، أو شركة أغلقناها، فإن كل ذلك يُسهم في نهاية المطاف في انخفاض الناتج المحلي الإجمالي. انخفاض استمر عامين ونصف من الحرب قدّر بنك إسرائيل تكلفته بنحو 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ولفهم ذلك ينبغي معرفة أن الناتج المحلي الإجمالي السنوي لإسرائيل يبلغ حوالي 2 تريليون شيكل، لذا فإن كل نسبة مئوية منه تساوي حوالي 20 مليار شيكل تقريباً، وهذا يعني أن نسبة 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي تعادل حوالي 170 مليار شيكل. ولا يضيف فيغلين هذا المبلغ بالكامل إلى 352 مليار شيكل، لوجود تداخل كبير بين البنود لكنه يحتسب فقط جزءاً منه. ويخلص إلى أن الضرر الاقتصادي التراكمي للحرب يقترب بالفعل من 400 إلى 450 مليار شيكل يراه مبلغاً ضخماً.

 

تراجع نسبة النمو

وواضح أن تكلفة الحرب لا تتعلق فقط بما مضى وإنما أيضاً بما سيأتي. وإذا كانت الميزانية أقرت بعجز متوقع يبلغ 4.9%، فإن هناك توقعات متدنية لنسبة النمو الاقتصادي. إذ خفضت شعبة الميزانية توقعاتها لنمو الاقتصاد الإسرائيلي للعام 2026 بأكمله وفق سيناريوهات مختلفة. فإذا انتهت الحرب مع إيران خلال شهر، واستمرت الحرب على لبنان حتى نهاية حزيران/ يونيو، سينكمش النمو في العام 2026 إلى 3.3%. ولكن ليس هذا تقدير كبار الاقتصاديين حتى في وزارة المالية الذين يتوقعون انكماش الاقتصاد في العام 2026 بنسبة تصل إلى 9.5% سنوياً. هناك من يقول إن هذه لا تزال توقعات متفائلة. على سبيل المثال، قدّر بنك هبوعليم أمس أن "استمرار الحرب حتى نهاية عيد الفصح كافٍ لكي ينخفض النمو السنوي إلى أقل من 3%، وربما يكون أقل من ذلك بكثير". كما قدّر جوناثان كاتز من شركة ليدر إنفستمنتس أنه في حال انتهاء الحرب سريعاً سيبلغ النمو 3.6% فقط.

كتب المعلق الاقتصادي في معاريف، يهودا شاروني: "تركتنا ميزانية 2026 بلا مستقبل، ولا أمل، ولا حلم، ولكن مع ائتلافٍ كسب بضعة أشهر إضافية في الحكم. ليس من المستغرب أن المدير العام لوزارة المالية استقال في اليوم التالي لإقرار الميزانية."  كما أن عضو الكنيست الحاخام جلعاد كاريف قائلاً: "لصوصٌ في الليل، في زمن الحرب. يُقرّ الائتلاف إضافة ملايين عديدة إلى ميزانية الحريديم، من دون استشارة قانونية، ومن دون أيَّة رقابة. سيُحاسبكم الشعب الإسرائيلي على كل شيكل. سنلتقي في المحكمة العليا، وسنلتقي في صناديق الاقتراع."

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث