هزيمة إلا ربع!

Image-1774978304
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لا أعرف على وجه الدقة ماذا تفعل الولايات المتحدة الآن على جبهة الحرب المستعرة ضد إيران، بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب، أنه قضى على 90% من مقدرات إيران ومكونات القوة عندها، بل إنه أعلن بكل ثقة أنه قد أنجز الهدف النهائي للحرب وهو تغيير النظام في إيران بالفعل، ويكرر: لقد حققنا هدف تغيير النظام!

إذا كان ترامب قد حقق أهدافه من الحرب على إيران، فلماذا تستمر عمليات حشد قواته؟! ولماذا يجري تمديد مهل ثلاثة إنذارات متتابعة لإيران، أولها بمهلة 48 ساعة، والثانية بمهلة خمسة أيام، وثالثة بمهلة عشرة أيام قيل إنها تنتهي في 6 نيسان/أبريل المقبل؟!

 

إذا كانت أهداف الحرب قد تحققت، فما الذي يترقبه ترامب وحلفاء أميركا إذن؟ و لماذا استُدعيت الفرقة 83 المحمولة جواً؟ ثم لماذا جرى استدعاء حاملة الطائرات الأحدث "جورج دبليو بوش"، بعد ساعات فقط من الإعلان عن استدعاء عشرة آلاف مقاتل إضافيين لتعزيز حشد أميركي ربما يستهدف احتلال جزيرة خرج الاستراتيجية، وهو هدف أكبر بكثير من مستويات الحشد الأميركي الجاري؟!

الإنجازات التي يقول ترامب إن قواته قد حققتها بالفعل في الحرب ضد إيران، تقتضي إعلاناً لاحقاً بانتصار نهائي تخرج به إيران من حسابات الوجود والعدم فوق خارطة الشرق الأوسط، لكن استمرار هجمات الصواريخ الإيرانية على إسرائيل، وعلى مواقع داخل دول مجلس التعاون الخليجي، يقطع بأن الحرب لا تزال في بداياتها، وأنه من المبكر جداً الإعلان عن هزيمة كاملة لحقت بإيران، وانتصار كامل اكتمل معه هدف تغيير النظام الإيراني على حد قول الرئيس الأميركي!

تعليقات ترامب على وقائع الحرب الجارية، تثير الارتباك في صفوف حلفائه أكثر مما تمنح الثقة، وتعكس إضطراباً في الرؤى، والأولويات "المتغيرة" لدى الرجل، ما ينعكس على طبيعة التحالفات المتقلبة بدورها بين ترامب وبين من افترض هو أنهم حلفاؤه.

 

ميدانياً، تشير تطورات الحرب في سماء إيران، إلى تحولات تجري في صمت على الأرض، فلا تتطرق إليها بيانات طهران الرسمية، خشية انعكاساتها على معنويات رجل الشارع، ولا تحتفي بها بيانات الغزاة إمعاناً في التخفي حتى اكتمال إحكام القبضة على مناطق يمكن منها زعزعة النظام.

السهولة التي تجري بها غارات الغزاة في سماء طهران وما حولها، تقطع بأن الأجواء باتت مستباحة دون مقاومة تستحق الذكر، فالطيران الإسرائيلي يمرح في سماء طهران طوال الأيام الأخيرة، وبنك الأهداف يتمدد ويتسع لاستثمار فائض العجز الإيراني عن حماية الأجواء، بينما يلحّ ترامب طول الوقت على هدنة ممتدة حتى 6 نيسان تعطف بها على ملالي طهران.

 

يتطلع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى إلحاق هزيمة كاملة بإيران، ويعتقد بأن الحشد العسكري الذي هيّأته واشنطن، هو حشد استثنائي غير قابل للتكرار، وأن عليه استثماره واعتصاره حتى آخر قطرة، أما واشنطن فقد تتوخى تجنب إلحاق هزيمة كاملة بالملالي، إذ تكفيها "هزيمة إلا ربع" أو حتى نصف هزيمة، تسمح لها لاحقاً بترويض طهران، واستخدام قوتها المنقوصة لتحقيق غايات تامة أو كاملة. 

تستطيع أن تتوقع أو تتصور ما يمكن أن تفعله أميركا في حربها على إيران، حيث تتعدد وتتنوع سيناريوهات الفعل واللافعل، لكنك لا تملك من مقعد إيران سوى سيناريوهين أن تقاتل أو أن تستسلم، أما من مقعد إسرائيل فإن شيطان الغواية، قد يراود نتنياهو محاولاً إقناعه باستكمال السيطرة على الشرق الأوسط بقضه وقضيضه!

 

 ما الذي يمكن أن يحدث بعد إنقضاء مهلة الأيام العشرة في السادس من نيسان؟ هل تستسلم إيران؟ هل تصر إسرائيل على تجاهل المهلة الأخيرة وتواصل سحق عظام طهران؟ هل يفلح الوسطاء في إنتاج حل وسط لا يقتل الذئب ولا يفني الغنم؟

 

أغلب الظن أن إيران لن تستسلم، فالخيار لديها هو بين الوجود والعدم، حيث لا توجد منطقة وسطى، وحيث يكفيها أن تبقى على قيد الحياة لادعاء النصر. 

أغلب الظن أيضاً أن نتنياهو سوف يصرّ على تجاهل المهلة الأخيرة، أملاً في فرض "الحل النهائي"، بمواصلة سحق عظام طهران. 

أغلب الظن ثالثاً، أن وسطاء البحث عن تسوية لا تقتل الذئب ولا تفني الغنم، لن يمكنهم بلوغ محطة التسويات الكبرى بعدما مات الذئب ونفقت كل الغنم.

 

صنّاع التسويات الكبرى لديهم هوس كامن أو مكتوم، بالانتقاص من مقادير حشوة السياسة في ميزان التسوية، فأكثر الحلول لديهم قابلية للتوافق، هي تلك الحلول المنقوصة، التي تخفي في حافظة الزمن بعضاً من عناصر الحل الغائبة عمداً عن طاولات التسوية، فلا تمر التسوية ما لم تنتقص منها مقادير الاستدامة، ولهذا لن تتوقف المعارك في سماء إيران، قبل أن يصل صنّاع الحلول الى "تسوية إلا ربع"، تترك لأطرافها نافذة لخلافات مستدامة وحلول عارضة.

بمنطق الحساب، لا تلوح فرصة حقيقية لسلام عارض أو لهدنة ممتدة في الحرب بين أميركا وإيران، بسبب اعتلال موازين القوة بين طرفي الصراع من جهة، وبسبب ضعف دوافع البحث عن تسوية أو كل وسط، فكل طرف في الأزمة ما زال يتساءل مستنكراً: ولماذا يتعين علي أنا التنازل؟!

وبمنطق التاريخ، فإن تحالفات القوة المفرطة، لا تحصل على بطاقة التأهل لمجرد امتلاكها أدوات القوة، ففي بعض الصراعات تنتصر عربة الإسعاف على الدبابة.

لكن الأمور لا تسير دوماً وفق أي المنطقين، فهناك في السياسة فسحة للبحث عن منطق ثالث أو رؤية ثالثة، دعونا نفتش عنها تحت ركام من الفرص الضائعة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث