تميل المجتمعات في لحظات التحوّل الكبرى إلى إعادة تفسير ذاتها بعيون قلقة، فيُعاد رسم التاريخ لا كما كان، بل كما يخدم المخاوف الراهنة. هذا ما نلمسه في بعض القراءات التي ترى في المشهد السوري اليوم صعوداً "سُنّياً" مقلقاً، وتذهب إلى حد اعتبار ذلك قطيعة تاريخية تهدد التوازن المجتمعي. غير أن التمحيص الهادئ يكشف أن هذه السردية، رغم ما تحمله من هواجس مفهومة، تختزل الواقع وتُحمّله أكثر مما يحتمل.
توترات نتاج 60 عاما من إرث الأسد
لا يمكن إنكار أن هناك توترات، ولا أن بعض الممارسات أو الخطابات ذات الطابع الديني تثير القلق، خصوصاً لدى بعض مكونات المجتمع السوري. لكن القفز من هذه الوقائع إلى استنتاج شامل بأن "الحاضنة السنية" باتت مصدر تهديد، وأنها تعمل بنهج يهدف للوصول الى نظام سُنّي إقصائي، هو تعميم لا يختلف في جوهره عن الخطاب الطائفي الذي يُفترض نقده. فالمجتمعات لا تُختزل في أكثرية صماء، بل تتشكل من تيارات واتجاهات ومصالح متباينة، وغالباً ما تكون أكثر تعقيداً من الصور التي تُرسم لها.
الأهم من ذلك، أن هذا الطرح يعيد قراءة التاريخ السوري بطريقة انتقائية. فسوريا لم تكن يوماً أسيرة لهيمنة مذهبية مغلقة، فحتى في زمن الخلافة الأموية التي تُعتبر أيقونة الحكم العربي السني لدى الكثيرين، شكّلت دمشق نموذجاً لسلطة عربية واسعة، لكنها في الوقت ذاته احتضنت تنوعاً دينياً وثقافياً، وكان استقرارها مرتبطاً بقدرتها على إدارة هذا التنوع لا إلغائه.
حتى في المرحلة الحديثة عندما تأسست المملكة السورية 1918، لم تتشكّل الدولة السورية على أساس أيديولوجيا مذهبية صريحة. السلطة كانت نتاج توازنات والتحالفات. أما الطائفية فلم نرَها الا بعد عام 1966، وبشكل فاقع ووقح بعد 1970.
نعم نظام الأسد ... كان نظاماً طائفيا خنق إرث سوري أكثر انفتاحاً.
تجاهل الطابع البنيوي الطائفي الذي ترسّخ خلال حكم حافظ الأسد ووريثه بشار الأسد، لا يساعد على فهم الصورة كاملة لما نعيشه اليوم. فالنظام السابق رغم حرصه الظاهري على خطاب وطني بلباس قومي عروبي عابر للطوائف، قام عملياً على تمركز مفاصل القوة الصلبة الجيش، والأجهزة الأمنية، ومراكز القرار الحساسة ضمن شبكة ضيقة ذات انتماء طائفي واحد، مقابل الإبقاء على واجهات سياسية واقتصادية سنية تؤدي دور التوازن الشكلي. ومع مرور الزمن، لم يقتصر هذا التمركز على المجال الأمني، بل امتد إلى شبكات النفوذ الاقتصادي، ما خلق بنية غير متكافئة في توزيع الفرص والموارد.
ولعل الأثر الأعمق لهذه المرحلة كان اجتماعياً بقدر ما هو سياسي. إذ جاء هذا النموذج على حساب إرث سوري سابق أكثر انفتاحاً، خصوصاً في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حين كانت الحياة السياسية نشطة ومتعددة، وانخرطت قطاعات واسعة من المجتمع -بمن فيهم السنة- في مشاريع سياسية عابرة للطوائف، وآمنوا وانتسبوا لأحزاب منظريها ومؤسسيها لم يكونوا سنة كقسطنطين زريق وميشيل عفلق، والذين طرحوا آنذاك رؤية وطنية قومية جامعة. ما حدث لاحقاً هو تفكيك تدريجي لهذا المسار، وإحلال منطق الولاء الأمني محل التنافس السياسي، الأمر الذي ساهم في إعادة إنتاج الحساسيات الطائفية بشكل غير مباشر، حتى دون إعلانها صراحة.
ماذا على السوريين ان يفعلوا الآن!
في ظل هذا الواقع يصبح الخوف هو شعور حقيقي لا يجوز التقليل منه. لكنه في المجتمعات الخارجة من الحروب غالباً ما يتضخم، ويتغذى من خطاب متبادل بين أطراف متعددة، كل منها يرى الآخر من زاوية الريبة، ومعالجة هذا الخوف لا تكون بتكريسه عبر سرديات تعميمية، بل ببناء خطاب سياسي يركز على المواطنة، ويعيد تعريف الدولة كمساحة مشتركة لا كغنيمة. وهنا تبرز أهمية تفعيل الحياة السياسية والبدء بتشكيل أحزاب وتنظيم عملها وتفعيل منظومات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات، ليعود الاستقطاب الى دائرته الحقيقة في السعي لمصلحة المواطنين والعمل لتحسين ظروف حياتهم. وهذا ليس بالأمر اليسير لأننا سنشاهد مقاومة لمشروع المواطنة من "سدنه" الطوائف، لأن أدوارهم ستضمحل في حال الوصول إلى دولة المواطنة والعدالة والمساواة.
