خلال الآونة الأخيرة تزايد نشاط تنظيم "داعش" بشكل واضح في البادية السورية نتيجة فراغٍ أمني متنامٍ عززته ظروف سياسية وميدانية مباشرة، البادية على اتساعها الشاسع لطالما كانت الملعب المفضّل للتنظيم وليخوض من خلالها حروبه العاتية سواء تلك الكلاسيكية أو التي اتخذت لاحقاً طابع معارك الاستنزاف والكمائن والكرّ والفر حين تحول التنظيم من صاحب "دولة الخلافة" إلى خلايا تفتقد البعد المادي في الوجود لكنّها تجيد إحداث الفوضى والتوترات وتحفظ عن ظهر قلب مسارات الجبال والكهوف والمغر والطرق الوعرة مستخدمةً إياها كمنطلق دائم لهجمات مدروسة وكأنها من خلالها تحاول القول: "لا زلنا هنا حتّى بعد أن أعلن العالم هزيمتنا".
بعثرة الأوراق
منذ لحظة قيام "داعش" لم ينطلق في أيّة مرّة من فراغ كامل، بل لطالما اعتمد على تطورات المنطقة الأمنية والميدانية التي تتيح له الحركة بينها، والفرصة الأخيرة التي جاءت للتنظيم كانت عبر معارك السلطة السورية في مواجهة "قسد" شرق الفرات، هناك حيث يحتجز الأكراد آلاف الأسرى من تنظيم "داعش" في سجون عديدة.
يقول الخبير الأمني اسماعيل أمين: "المعارك هناك مطلع هذا العام أحدثت فوضى أدت لفتح السجون وهروب الكثير من مسلحي داعش، السلطات قالت إنّ عددهم قليل وألقت القبض على معظمهم، لكنّ تقديرات غربية وأخرى على الأرض تشير إلى أنّ تعداد الهاربين كان أكبر من ذلك بكثير جداً، القول الأمثل في هذا المقال إنّ السلطات والأكراد والأميركيين ومعهم المجتمع الدولي لم يتخذوا إجراءات مسبقة لحماية السجون، وهذا ينذر بكارثة".
بدوره يرى الأكاديمي في العلوم السياسية جورج نخّال أنّ هناك حلقة مفقودة في هذا الملف، وغيابها يخيف ولا يطمئن، يقول: "من المعلوم أنّ قسد كانت تحتجز نحو 12 ألف مقاتل من داعش، السلطة قالت إنّ مئة وبضع منهم هربوا فقط، ولاحقاً، جرى اتفاق مع العراق على نقل 7 آلاف من داعش من سوريا إلى العراق، وتمّ الأمر، الآن، لم يخبرنا أحد أين بقية أفراد التنظيم، هل هربوا؟ هذا السؤال الذي يجب طرحه، ويبنى عليه سؤال آخر، ماذا عن عوائل التنظيم المحتجزة التي بلغ تعدادها في ذروتها بين نساء وأطفال أكثر من 50 ألف؟ المخيف فعلياً أنّ داعش أثبت قدرته المستمرة على إحياء نفسه من الصفر، فكيف في ظلّ هذه المعطيات؟".
الذئاب المنفردة
طوال سنوات ما بعد 2019 وهو العام الذي أعلن فيه التحالف الدولي هزيمة "داعش" كجسد متكامل، اعتمد الأخير استراتيجية "الذئاب المنفردة"، وهي الخلايا الصغيرة القادرة على اتخاذ زمام المبادرة والهجوم وإحداث الكمائن وإيقاع الخسائر في صفوف أعدائها، وفي ذلك تعديل حيوي وجذري يحمل معه فكراً عملياتياً نابضاً مكّن التنظيم من عدم الاستسلام الكامل بعد أن كان يسيطر على نحو 70 في المئة من سوريا خلال ذروة قوته بين عامي 2013 و2014 وأجزاء واسعة من العراق مع تمدد واضح في آسيا وإفريقيا وعمليات متقدمة في أوروبا.
العميد السابق في الجيش السوري ناصر ريحاني خدم على جبهات تدمر حيث احتدمت المواجهات هناك لسنوات مع "داعش" وكان الموقف بحسب تعبيره يتطلب يقظة آنية لأنّ التنظيم يهاجم مباغتةً من كل ثغرة متاحة وكلّ مكان غير متوقع، "في عزّ قوة التنظيم خسرنا تدمر ومساحات شاسعة حتى دير الزور وما بعدها، في تلك المرحلة كان التنظيم يهاجم بعشرات الآلاف من المقاتلين، بوضوح لم تكن معارك كرٍّ وفر لأنّ خساراتنا المتتالية كانت واضحة، وكاد التنظيم يصل حمص".
ويضيف: "روسيا تدخلت أواخر عام 2015، حينها اتزنت كفّة الميدان نسبياً، ومع ذلك كنا لا زلنا نواجه آلاف الانتحاريين، في معركة واحدة ويوم واحد بحقل شاعر في جوار تدمر خسرنا أكثر من 300 من قواتنا العسكرية، التمشيط الجوي الروسي كان كبيراً لكنّه لم يكن حاسماً، ظلّ داعش يهاجم، وبعد الانقضاض عليه من كل الاتجاهات عبر التحالف الدولي وإعلان نهايته عام 2019 تنفّست المدن الصعداء لكن لم تكن تلك النهاية، ظللنا نخسر أفراداً ونتعرض لهجمات متفرقة عبر ما بقي من خلايا لداعش والتي أسماها بالذئاب المنفردة، وحقيقةً خلقت حالة من الرعب لأنّها لم تكن عدواً كلاسيكياً واضحاً".
ساحة الصراع المفتوح
طوال سنوات كثيرة تحدثت مراكز أبحاث دولية ومحللون سياسيون ومختصون ومهتمون عن التنظيم ونشأته، في كثير من الأحيان كانت تولد تلك النظريات من رحم تأطير سياسي مسبق، لكنّ الحقيقة الراسخة أنّ "داعش" تمكّن من إعلان خلافته، واتخذ من مدينة الرقّة السورية عاصمةً له، واستقطب عشرات آلاف المقاتلين من كل الجنسيات العالمية.
لاحقاً، بعد أن صار التنظيم موجوداً بقوّة الأمر الواقع، لم يعد من المهم كثيراً البحث في خلفيات نموّه وتمويله، بل صار انصباب الاهتمام على الاستثمار فيه، فسوريا نفسها التي حاربته بجيشها السابق كانت تشتري منه النفط والقمح، كذلك كان له ممرات اقتصادية نحو دول أخرى، ولربما اتفاقيات أيضاً قد تكشفها سنين قادمة.
يقول أستاذ العلاقات الدولية عبد الرحمن قادر: "ليس كل عدوٍّ تواجهه في الميدان يعني أنّه عدوك فعلاً، قد تواجهه وتحركه في آن، الاستثمار في الخوف هو لعبة تجيدها دول ومنظمات كثيرة، داعش كان البعبع الذي يمكن تحريكه في أي وقت، الأسد استخدمه طويلاً، ومثله فعلت دول حليفة له وهددت به، وحتّى قسد التي خسرت ربما 15 ألف من مقاتليها لإنهاء التنظيم تركت سجونه مفتوحة في النهاية، وبالطبع إيران لم تكن يوماً بعيدة عن المشهد، وداعش خير ورقة يمكن استخدامها في حسابات سياسية كبرى، ببساطة هي اليوم أكبر المتضررين إقليمياً، وهذا ما يرشحها ليكون لها دور استثماري واسع في الهشاشة الأمنية".
دورٌ يعطى ولا ينتزع
العقيد المتقاعد عام 2009 حسين ياسين وقع عليه الاختيار من قبل الروس ليكون واحداً من المستشارين الأمنيين في البادية، يوضح في حديثه أنّه عرف التنظيم عن قرب بحكم عمله، وعرف المصالح الدولية التي كانت تحوم فوق رأس المعارك حينها، فيقول: "روسيا لم تواجه داعش في حقول نفط تدمر إلّا بعد أن حصلت على موافقة استثمار طويل الأجل بعد تحريرها، أما إيران فكانت تذهب أبعد من ذلك، كانت تقرأ تطورات المشهد حيث هي بجوارنا من حيث طرح نفسها كعنصر لا يمكن الاستغناء عنه في المعركة".
ويكمل: "إيران كانت تملك خطوط تواصل مع التنظيم وإن كان بشكل غير مباشر، وهو ما يرجّح أن تعود لاستخدامه كورقة ضغط ترميها على أيّ طاولة مفاوضات، وليس من المستبعد أن تستخدمه كورقة ميدانية إذا استمرّ حال الإقليم بالتهاوي، خصواصاً أنّ التنظيم اليوم بأمس الحاجة لموارد مالية ونفوذٍ يعطى ولا ينتزع هذه المرّة، هذا الاستخدام سيكون في سياق فوضى قابلة للإدارة".
سوريا والتحالف الدولي
أخيراً انضمت سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، لكن سرعان ما قتل عنصر أمني في الداخلية جنوداً أميركيين في تدمر، ما فتح أبواب التساؤل أمام الصحافة العالمية حول العقيدة الفعلية للأجهزة الرسمية السورية ومدى تطهرها من الفكر المتطرف.
"السؤال الآن هل سوريا كانت مستعدة لهذه الخطوة؟"، يقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط كرم محمد، مضيفاً: "منتسبو القوى الأمنية والعسكرية لم يخضعوا لاختبارات كافية، كان هناك استعجال مفهوم في بناء المنظومة، هناك تقرير غربية كثيرة تحدثت عن وجود نسب جهاديين عالية في الأجهزة هذه، وهذا يعني أنّ سوريا اليوم في منطقة رمادية حاصرت بها نفسها، الأجانب معضلة حقيقية محلية ودولية، هناك مئات الأسئلة التي يمكن تلخيصها بالقول: هل هناك قرارٌ بألّا يُهزم فكر داعش أساساً".




