كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن دولة الإمارات العربية المتحدة تتحرك لدفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى فتح مضيق هرمز بالقوة، مع استعدادها للمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية، في تحول قد يجعلها أول دولة خليجية تنخرط فعلياً في القتال، وذلك عقب تعرضها لهجمات إيرانية مكثفة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين عرب أن الإمارات تقود جهوداً داخل مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يجيز استخدام القوة لإعادة فتح المضيق، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية لحث الولايات المتحدة وقوى أوروبية وآسيوية على تشكيل تحالف عسكري لتنفيذ هذه المهمة.
وقال مسؤول إماراتي إن النظام الإيراني "يعتقد أنه يقاتل من أجل بقائه، وهو مستعد لجرّ الاقتصاد العالمي إلى الانهيار عبر خنق مضيق هرمز"، مضيفاً أن بلاده راجعت قدراتها للمساهمة في تأمين الممر، بما في ذلك إزالة الألغام وتقديم خدمات الدعم.
كما طرحت الإمارات، بحسب التقرير، فكرة سيطرة الولايات المتحدة على جزر استراتيجية في المضيق، بينها جزيرة أبو موسى التي تسيطر عليها إيران منذ نحو نصف قرن وتطالب بها أبوظبي.
ضغط أميركي وموقف ترامب
في السياق ذاته، أفادت الصحيفة بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحرب حتى من دون إعادة فتح مضيق هرمز، تاركاً هذه المهمة لدول أخرى.
ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع يدفع فيه ترامب حلفاء الولايات المتحدة إلى تحمل نصيب أكبر من أعباء الحرب، خصوصاً في ما يتعلق بتأمين الملاحة الدولية في المضيق.
وبعد نشر التقرير، أكد مسؤول إماراتي أن بلاده لا تزال تتبنى "وضعاً دفاعياً"، وأنها "تبقى مستعدة لدعم الجهود الدولية الجماعية الرامية إلى حماية الأمن البحري وضمان التدفق غير المنقطع للتجارة".
وشدد على أن "أي مشاركة من هذا النوع يجب أن تتم بالتنسيق الكامل مع الشركاء الدوليين، وبما يتوافق بشكل صارم مع القانون الدولي".
تحول جذري: من تمويل إلى مواجهة
ويمثل هذا التوجه تحولاً استراتيجياً كبيراً، إذ تشير الصحيفة إلى أن دبي، المركز التجاري للإمارات، كانت لسنوات تموّل النظام الإيراني عبر العلاقات الاقتصادية والتجارية.
وقبيل اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، كانت الإمارات تسعى للوساطة بين واشنطن وطهران، بما في ذلك زيارة المسؤول الإيراني علي لاريجاني إلى أبوظبي، قبل أن يُقتل لاحقاً في غارة جوية، غير أن المسؤولين الخليجيين قالوا إن الحرب كشفت عن "نظام مختلف تماماً"، بعدما استهدفت إيران فنادق ومطارات في دبي في محاولة لبث الذعر. كما أن دول الخليج، بما فيها الإمارات، كانت تحرص سابقاً على عدم تعريف نفسها كأطراف مقاتلة، وهو ما تغيّر الآن بشكل واضح، وفق "وول ستريت جورنال".
تصعيد إيراني غير مسبوق
وأطلقت إيران نحو 2500 صاروخ وطائرة مسيّرة على الإمارات منذ بداية الحرب، وهو عدد يفوق ما استهدفت به أي دولة أخرى، بما في ذلك إسرائيل. وفي تصعيد لافت، أطلقت طهران نحو 50 صاروخاً باليستياً ومجنحاً وطائرات مسيّرة في يوم واحد، مع تهديدها بتدمير البنية التحتية الحيوية لأي دولة خليجية تدعم العمليات ضدها، مع توجيه تهديد مباشر للإمارات.
وقد أدت هذه الهجمات إلى تراجع حركة الطيران والسياحة، والإضرار بسوق العقارات، وارتفاع حالات التسريح من العمل، ما هز الصورة التي بنتها الإمارات لنفسها كواحة استقرار في منطقة مضطربة.
وأفادت الصحيفة أن إشعاراً صادراً عن شركة طيران الإمارات حظر دخول أو عبور المواطنين الإيرانيين عبر أراضي الدولة. كما أغلقت السلطات الإماراتية المستشفى الإيراني والنادي الإيراني في دبي، في إطار تشديد الإجراءات ضد طهران.
معركة مجلس الأمن وتعقيدات دولية
وذكرت "وول ستريت جورنال"، أن البحرين ترعى مشروع قرار في مجلس الأمن يجيز استخدام القوة، مع توقع طرحه للتصويت يوم الخميس. لكن القرار يواجه احتمال استخدام روسيا والصين حق النقض، فيما تعمل فرنسا على صيغة بديلة أقل تصعيداً.
ورغم هذه التعقيدات، يؤكد مسؤولون خليجيون أن الإمارات مستعدة للمشاركة في عمليات عسكرية حتى في حال فشل صدور القرار الأممي.
وتشير الصحيفة إلى أن إيران تسعى لفرض رقابة دائمة على المضيق، بما في ذلك نظام رسوم على السفن، وهو ما تخشى دول الخليج أن يمنح طهران نفوذاً طويل الأمد على التجارة العالمية، لذلك تفضل إزاحتها عسكرياً قبل أي حل سياسي.
معضلة عسكرية معقدة
ويرى محللون أن فتح المضيق بالقوة ليس مهمة سهلة، إذ يتطلب السيطرة على كامل طوله البالغ نحو 100 ميل، إضافة إلى المناطق الساحلية المحيطة به، وربما نشر قوات برية.
وقال النائب الأميركي آدم سميث: "لا أعتقد أننا نستطيع فعل ذلك. كل ما تحتاجه إيران هو القدرة على إبقاء المضيق تحت التهديد، عبر طائرة مسيّرة أو لغم أو زورق انتحاري".
وحذرت الباحثة إليزابيث دينت من أن الدول الخليجية قد تدخل الحرب لتواجه "إيران أكثر عدوانية"، مع استمرار استهداف البنية التحتية الحيوية وتراجع ثقة المستثمرين، وصعوبة إعادة بناء العلاقات مع طهران، خاصة إذا أنهت الولايات المتحدة الحرب قبل تحييد قدرات إيران العسكرية.
رهانات الخليج ودلالات المشاركة
وقال الباحث بلال صعب إن مشاركة الإمارات ستشكل إشارة علنية على دعم عربي للحرب، كما ستفتح خيارات عملياتية إضافية ضد إيران. وأضاف الباحث غرانت روملي أن قرب الإمارات من المضيق يسمح بنشر منصات عسكرية لحماية الملاحة واستهداف مواقع إيرانية، وفق "وول ستريت جورنال" .
وتمتلك الإمارات قواعد عسكرية وميناء جبل علي العميق وموقعاً استراتيجياً قرب المضيق، ما يجعلها منصة انطلاق مهمة لأي عملية عسكرية.
كما تمتلك سلاح جو متطوراً بمقاتلات إف-16، شاركت سابقاً في عمليات ضد تنظيم "داعش"، إضافة إلى طائرات مسيّرة ومخزون من القنابل والصواريخ قصيرة المدى، يمكن أن يسهم في تعويض نقص لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.
تعكس هذه المعطيات، وفق "وول ستريت جورنال"، تحولاً جذرياً في السياسة الإماراتية، من دور الوسيط والشريك الاقتصادي لإيران، إلى طرف مستعد للانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة، في خطوة قد تعيد رسم موازين القوى في الخليج وتضع المنطقة أمام مرحلة أكثر خطورة.
