في لحظات التوتر الكبرى، تساءل الاميركيون، من يحكم أميركا فعلاً؟ الرئيس، بما يملكه من سلطة ونفوذ ومؤسسات؟ أم الدستور، بما يملكه من ذاكرة جمهورية عميقة لا تكف عن التذكير بأن هذه الدولة ولدت أصلاً من التمرد على التاج البريطاني، لا من الخضوع له؟
هذا السؤال عاد بقوة، يوم السبت المنصرم، إلى الساحات الأميركية، مع موجة مظاهرات واسعة رفعت شعاراً بالغ الدلالة: "لا ملوك"، "No Kings"، والشعار هو اسم للحركة الاحتجاجية ضد سياسيات الرئيس دونالد ترامب. ولم تكن المسألة وقفة رمزية أو احتجاجاً محلياً عابراً، بل تحركاً شمل آلاف الفعاليات في جميع الولايات الأميركية الخمسين، من نيويورك الى لوس أنجلس ومن العاصمة واشنطن إلى بلدات صغيرة في ولايات محافظة، في مشهد أوحى بأن الاعتراض على سياسات ترامب تجاوز الدوائر الحزبية الضيقة، وصار أقرب إلى استنفار مدني واسع ضد صورة حاكم يخشى أن تتضخم أكثر مما يحتمل النظام الجمهوري نفسه.
الشارع يستعيد اللغة الأولى للجمهورية
ما جرى في شوارع الولايات المتحدة، يتجاوز في معناه الاعتراض التقليدي على سياسات إدارة الرئيس ترامب. صحيح أن المحتجين خرجوا رفضاً لتشدد إدارته في ملفات الهجرة، ورفضاً لمنطق القبضة التنفيذية المتضخمة، واحتجاجاً على الحرب مع إيران وما رافقها من تعبئة سياسية وأمنية، لكن ما كان يتشكل في العمق أوسع من ذلك كله، اعتراض على نزعة حكم تريد من الجمهورية أن تتكيف مع إرادة رجل واحد، والمطالبة بأن يبقى الرئيس، أيا كان، خاضعاً لدستور الجمهورية.
هنا بالضبط يستعيد شعار "لا ملوك" وزنه الكامل. إنه من صميم تاريخ أميركا نفسها. منذ تأسيس الولايات المتحدة، بتمردها على التاج البريطاني، ظل الخوف من "الملك المقنع" يسكن بنية النظام السياسي والثقافة العامة معاً. كان الآباء المؤسسون يدركون أن الاستبداد لا يأتي دائما مرتدياً تاجاً، بل قد يصل عبر المؤسسات نفسها، حين تفرغ من معناها، أو حين تتحول الانتخابات إلى تفويض مفتوح، والدستور إلى زينة، والمعارضة إلى تهمة.
لهذا، لم يكن أهم ما في احتجاجات السبت الماضي، عدد المشاركين وحده، بل الشعار الذي اختاره الاميركيون، "لا ملوك". بهذا الشعار، هم لا يعلنون فقط رفضهم لسياسات الرئيس ترامب، بل يعلنون خوفهم على فكرتهم الأصلية عن الحكم. كأنهم يقولون إن الخطر ليس في قرار هنا أو سياسة هناك فحسب، بل في التحول التدريجي الذي يجعل الرئيس أكبر من المساءلة، وأقرب إلى الزعامة الشخصية منه إلى الوظيفة العامة.
احتجاج على ترامب أم على صورة الحاكم المتضخم؟
هذا المشهد يجعل من احتجاجات حدثاً سياسياً وأخلاقياً في آن. فمنذ سنوات، يتكاثر الحديث داخل الولايات المتحدة عن اهتزاز الثقة بالمؤسسات، وعن صعود الشعبوية والمال والنفوذ. لكن الشارع، مرة أخرى، يقول إن المجتمع لا يزال يملك القدرة على إنتاج مناعته من داخله.
من هنا، لا تبدو عبارة "لا ملوك" مجرد هتاف ضد سياسات الرئيس ترامب، بل تحذير من نموذج حكمه وإدارته. فالمسألة ليست في شخص الرئيس، بل في صورة الحاكم حين يعلو فوق المؤسسات، وحين تطلب له طاعة سياسية أقرب إلى الولاء الشخصي. وفي هذه النقطة بالذات، تكتسب الاحتجاجات معناها الأبعد، إنها ليست رفضاً لسياسة بعينها فقط، بل دفاع عن قاعدة تأسيسية بسيطة، لا أحد أكبر من الجمهورية.
إنَّ عبارة "لا ملوك" يجب أن لا تقف عند حدود الولايات المتحدة الاميركية، بل هي تصلح لكل مجتمع يريد أن يتذكر أن الحاكم ليس قدراً، وأن السلطة ليست ملكية مقنعة، وأن الشعب، إن أراد، يستطيع دائماً أن يرد الأمور إلى أصلها، دولة لا أسياد فيها، ولا رعايا، بل مواطنون.
