ليس سراً أنَّ مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة آخذة بالتغيّر. فهي اليوم دولة متغطرسة جشعة في نظر أميركيين كادوا حتى سنوات قليلة يفضلونها على بلادهم. هؤلاء وملايين غيرهم خرجوا السبت الماضي في مسيرات "لا ملوك"، ضد استئثار رئيسهم دونالد ترامب بالسلطة وسياسته الخارجية ولا سيما تجاه إسرائيل والحرب التي يورطهم بها كُرمى لعيونها.
وانحياز سيد البيت الأبيض لإسرائيل ليس موضع تساؤل. فإدارته الثانية تشهد ذروة الدعم الذي حظيت به من أميركا واتخذ مساراً تصاعدياً منذ أوائل ستينات القرن الماضي. وقد تفوّق على أي زعيم أجنبي في تشجيع حرب الإبادة في غزة والدفاع عن بطلها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضد المحاكم الدولية والاسرائيلية. وهو متهم بالانصياع لرغبة هذا "الصديق" في جرّ الولايات المتحدة إلى صراع يُوصف بـ"حرب نتنياهو" مع إيران.
تحول تاريخي
الحرب هي المادة الأخيرة في فاتورة متضخمة للحفاظ على "صداقة" أخذ التذمر من تكلفتها يقنع الناخب الأميركي، أن إسرائيل صارت عبئاً ثقيلاً أكثر منها حليفاً قوياً. هذا ما بينته في السنتين الماضيتين استطلاعات رأي عدة، أظهر آخرها ("إن بي سي نيوز" الأميركية، 16 آذار/ مارس) أن التراجع في الإعجاب الشعبي بإسرائيل منذ 2023، قد بلغ مستوىً "تاريخياً". وبينما هبطت نسبة تأييد الجمهوريين لها بنحو عشر نقاط لتصل إلى 54%، فهي لم تزدْ بين الاميركيين عموماً عن 32 % مقابل 47% قبل ثلاث سنوات. ويتجلى اضمحلال الاعجاب بها بصورته الأوضح في أوساط الديمقراطيين والشباب والمستقلين.
وكان التضامن مع إسرائيل بين عامي 2000 و2020 تراوح بين 62% و74%. فالأميركيون اعتبروها ديمقراطية شبيهة بالولايات المتحدة وحليفة قوية محاطة بأعداء يعملون على إسقاطها. ويعود الفضل في قسط وافر من هذه "المحبة"، إلى جماعات ضغط نافذة، مثل "آيباك"، كما جادل بإقناع جون ميرشايمر و ستيفن والت في كتابهما المعنون "اللوبي الاسرائيلي" (2007).
تفكيك سردية إسرائيل
إلا أن هذه الجماعات لم تستطِع أن تُجهض ما يشبه الانقلاب في الرأي العام الأميركي عند افتضاح أمر الخلل الذي تعاني منه السردية الإسرائيلية. وبدأت أسطورة تمسكها بقيم الحق والعدالة واحترامها للقانون الدولي تتهاوى بفعل حروب غزة (في 2008 و2014 ثم 2021 و2023) و"إرهاب" سكان المستوطنات غير الشرعية، والحكومة المتطرفة التي تضم وزراء عنصريين يتباهون بممارسة عمليات التطهير العرقي وسرقة أراضي الغير لإقامة دولتهم الموعودة "من الفرات إلى النيل".
تسارعت وتيرة هذا التحول في 2023، على وقع صور الخراب والجوع والموت في القِطاع. وراح صوت المعارضة الأميركية للعلاقة مع اسرائيل يتعالى مع مشاركة ترامب في حرب الـ 12 يوما (حزيران/ يونيو 2025) على إيران، متجاهلاً تعهداته الأساسية. وصار التذمر يشمل سياسيين وإعلاميين فرجال دين وغيرهم.
هكذا لم يعُد ديمقراطيون، كالسناتور بيرني ساندرز، وحيدين في مهاجمة سياسات إسرائيل ومساعدة بلادهم اللامحدودة لها. لقد التحق بركب الرافضين لتبعية ترامب لتل أبيب بعض كبار أنصاره المعروفين. مثلاً، النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين، استقالت من مجلس النواب ثم انسحبت من "ماغا" عندما أدركت أنها لم تعد كما " يُفترض بها أن تعني: أميركا أولاً"، و"ليس إسرائيل أولاً، أو أي دولة أجنبية".
شروخ الجمهوريين
وإلى جانب كبار أعضاء "ماغا"، مثل ستيف بانون، مستشار ترامب الأسبق، والاعلامي تاكر كارلسون، أعرب جمهوريون آخرون عن استيائهم بسبب استسلام الادارة لرغبات إسرائيل. وتبلورت توجهات في الحزب الحاكم، لا يُستبعد أن تتعمق لتأخذ شكل الانقسامات، منها "التقليدي" و"التحرري".
ويبدو أن "سلاح" معاداة السامية الذي يشهره الصهاينة ضد كل من يتجرأ على مهاجمة إسرائيل، لم يعد مجدياً. فهو لم ينجح في إجبار نواب من التيارات الثلاثة على الكفّ عن انتقادها، ولا في كبح كارلسون صاحب البودكاست الشهيرة الذي يفجر كل يوم قنبلة جديدة لفضح استغلالها لقرار بلاده وأموالها.
في المقابل، لم تنقطع بعد حبال المودة بين دولة الاحتلال وجمهوريين وديمقراطيين نافذين و"مسيحيين صهاينة" مثل نائب الرئيس جي دي فانس، والقس المتطرف مايك هاكابي، سفير واشنطن لدى تل أبيب.
بيد أنه من المتوقع أن إسرائيل ستفقد المزيد من الدعم في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر النصفية، التي سيتكبد فيها الجمهوريون خسائر فادحة على الأغلب. وهل سيمنعها خروج كثير من "أصدقائها" من الميدان، من الحصول على ما تريده من واشنطن؟ تاريخياً، لم تتأثر كثيراً بتبدل الحزب الحاكم. فالرؤساء الديمقراطيون ظلوا "مخلصين" للعلاقة الوثيقة بصرف النظر عن مواقف ناخبيهم. أما الجمهوريون، فيكفيهم وفاءً لها أنهم سلموا ترامب مفاتيح السلطة مرتين.
الأرجح أن صفحة العلاقة الملتبسة بين البلدين لن تُطوى غداً أو بعد غد. لكن التطورات الأخيرة توحي بأن إسرائيل لن تستطيع التهرب إلى الأبد من المحاسبة في أميركا. وإذا أُخرجت من تحت المظلة الأميركية، كيف ستواصل الحروب والاحتلال كـَ "قوة إقليمية" من دون 4 مليارات دولار سنوياًِ وأطنان الأسلحة والدعم السياسي الهائل؟




