يبرز تناقض كبير بين تطورات الحرب على إيران في شهرها الثاني، وبين تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومهلته حتى 6 نيسان/أبريل المقبل، والتي من المفترض أن تتضمن تجميد استهداف منشآت الطاقة حتى قبول طهران مقترحه لوقف الحرب.. إذ كثفت إسرائيل قصفها منشآت طاقة وكهرباء وصناعات نووية في الجمهورية الإسلامية، بالترافق مع تحشيد آلاف الجنود الأميركيين في المنطقة.
فماذا يريد ترامب فعلياً؟ وهل المهلة مجرد لعبة أميركية- إسرائيلية مبنية على استثمار مفاوضات "غير جدية" لاستنفاد ما تبقى من بنك الأهداف بمدى زمني أوسع، وبالتالي استيعاب رد فعل طهران مقارنة مع قصفها بضربة واحدة؟ أم هو خلاف بين واشنطن وتل أبيب بشأن أهداف الحرب؟.. ربما تكون الإجابة كل ما سبق في آن!
تمويه.. أم ارتباك؟
اللافت أن هذه التساؤلات يطرحها الإعلام الإسرائيلي باستمرار في الأيام الأخيرة، وكان التعليق الأبرز من محرر الشؤون الدولية لهيئة البث العبرية شمعون بن نعيم، بردّه على سؤال عن ما وراء "كوكتيل الاستراتيجيات والتناقضات" الأميركية، بالقول إن ذلك قد يكون في إطار احتمال "التمويه" الذي تتبعه إدارة ترامب، وربما يعكس ذلك إرباكاً وفوضى وتباينات داخل البيت الأبيض.
وأدرجت وسائل إعلام عبرية التناقض بين مهلة ترامب واستهداف محطات الطاقة والمنشآت الحيوية الإيرانية، في إطار توزيع الأدوار بين أميركا وإسرائيل، وقال الباحث بالشؤون الإسرائيلية أنطوان شلحت لـ"المدن"، إن تل أبيب لديها ضوء أخضر أميركي لكل هجماتها، حتى أن الحرب من أساسها قرارُ واشنطن، وكذلك الحال بالنسبة للهجوم الإسرائيلي على حقل الغاز الإيراني، إذ كان أيضاً "لُعبة" رغم إنكار ترامب مسؤوليته عنه.
ورأى شلحت أن ما يجري الآن، هو تولّي إسرائيل "القوة الخشنة"، وأميركا "القوة الناعمة"، مؤكداً أن كثيراً من المحللين الإسرائيليين يعتقدون ذلك، لكن هذا لا ينفي خشية تل أبيب من أن تؤول المهلة والمفاوضات إلى تقديم إيران ما يرضي "غرور" ترامب وإبرام اتفاق لا يُرضي إسرائيل، وقد عبر عن ذلك إعلاميون ومحللون محسوبون على نتنياهو، بالقول إن ثمة اختلافاً بين أهداف واشنطن وتل أبيب لإنهاء الحرب، إذ يسود الاعتقاد أن حل قضيتي مضيق هرمز والصواريخ الباليستية، كافيان لترامب من أجل الاتفاق، خلافاً لإسرائيل الراغبة بمطالب إضافية.
ولم يستبعد شلحت أحداثاً دراماتيكية وعمليات برية أميركية "موضعية" قريباً، ولكن دون غزو شامل؛ لإلحاق "أذى أعمق" بالبنى العسكرية والاستراتيجية الإيرانية، لا سيما وأن الولايات المتحدة تدرك أن طهران ترفض شروطها لإنهاء الحرب، ما يجعل مهلة ترامب للمفاوضات، إهداراً للوقت، بمنظور مستشاريه.
سباق مع الزمن
مع ذلك، تفسر مصادر فلسطينية داخل الخط الأخضر في أحاديثها ل"المدن"، إمعان إسرائيل في استهداف الطاقة والكهرباء في إيران، رغم مهلة الأيام العشرة التي حددها ترامب، بأن تل أبيب تسابق الزمن في ظل تخوفها من رغبة الرئيس الأميركي بتقصير أمد الحرب قدر الإمكان، بمعنى أنها تحاول بهجماتها الأخيرة على مصنع الماء الثقيل في آراك ومصانع الصلب ومحطات كهرباء بعموم إيران، أن تحقق أكبر قدر ممكن من "المكاسب"، تحت عنوان "نافذة الوقت الضيقة".
إلى جانب هذا، ترى تحليلات إسرائيلية أن حديث ترامب عن مسار تفاوضي على وقع الحرب وتشديد الضربات والتهديدات، يندرج في سياق إرادته لجعل المفاوضات "تحت النار"؛ لضمان الضغط على إيران ورفع سقف "المكاسب" قدر الإمكان.
لكن إيران تقابل ذلك بمحاولة خلق معادلة جديدة، من خلال تركيزها أخيراً على جنوب "إسرائيل"، في إطار جهودها للمساس بصناعاتها الاستراتيجية والكيماوية والحيوية، وكذلك قواعدها العسكرية.
وحول دوافع ترامب من التحشيد الكبير لقواته، تتباين القراءات بخصوص ذلك، فبينما تشير تقارير عبرية لعمليات برية ضد مواقع استراتيجية إيرانية لا يُمكن تدميرها جواً، فإن محللين عسكريين يرون أن الهدف هو نحو نصف طن يورانيوم مخصب، لاعتقاد واشنطن أن انتهاء الحرب ببقاء هذه الكمية داخل إيران، يعني أن الأخيرة كسبت المعركة. لكن هذه المهمة معقدة وحساسة، فلا يوجد جزم بوجودها في مكان واحد أو موزعة على أكثر من موقع، عدا عن صعوبة العملية وحاجتها لوقت وجهد هندسي لإخراج الكمية المخبأة داخل صناديق رصاص تحت الأنقاض، علاوة على المخاطرة العالية، وفق قراءات أمنية إسرائيلية.
صعوبة التنبؤ.. بترامب
ولكن، يبدو التنبؤ الدقيق بسلوك ترامب في غاية التعقيد، بفعل تخبطه وعدم وضوح الأهداف وخطة العمل، وفق الصحافي المتابع للسياسة الأميركية محمد القاسم، حيث أكد لـ"المدن" أنه بحكم التجربة، لا يمكن الثقة بنوايا الإدارة الأميركية، ما يجعل السيناريوهات مفتوحة، بما فيها احتمالية ارتباط مهلة ترامب بشراء الوقت لاستكمال حشد قواته وتحريك قطع عسكرية، توطئة لعمل بري ولو "رمزي".
ولم تستبعد مصادر سياسية مقيمة في واشنطن، في أحاديثها لـ"المدن"، "الدور التخريبي" الإسرائيلي المعطل لأي توجه أميركي نحو حل دبلوماسي، معتبرة أن واشنطن في "ورطة"، فهو من جانب لا يُمكنه التراجع بسهولة، ومن جهة أخرى سيكون أي تصعيد أو عمل بري، مكلفاً بالأرواح وقد لا يحسم المعركة، وهو تقييم يتفق معه الكاتب الصحفي دواد كُتّاب، قائلاً لـ"المدن" إن ترامب يريد إنهاء الحرب، ولكن بشروطه وبما يُجنبه أي ثمن سياسي. فيما زعمت الإذاعة العبرية "مكان"، أن مهلة ترامب توحي باتباعه مسارين متوازيين؛ لأنه لا يضمن نجاح جهود باكستان ودول إقليمية لخفض التصعيد، بفعل رفض إيران لشروطه.
خلافات أميركية
وعلقت "مكان" على تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، بشأن "قرب" نهاية الحرب، بموازاة حديث ترامب عن آلاف الأهداف لقصفها، بأن هذا يعكس خلافاً أميركياً منذ البداية، إذ يعارض دي فانس إسقاط النظام الإيراني. وزعم محللون إسرائيليون أنه رغم اختلاف أهداف واشنطن وتل أبيب، إلا أنهما متوافقتان بخصوص تنسيق الجهود الحربية.
بينما أكد المراسل العسكري للتلفزيون العبري الرسمي، وجود مخاوف كبيرة لدى الجيش الإسرائيلي، من انتهاء الحرب دون تحقيق هدفها بإحداث "تغيير إقليمي طويل الأمد"، ما يجعل الأمور "أكثر خطورة"، وتعتقد الأروقة الأمنية الإسرائيلية أنها في "مرحلة حساسة ودراماتيكية" لترجمة "الإنجازات" إلى واقع استراتيجي جديد.
