قالت مصادر فلسطينية مطلعة إن الممثل السامي لمجلس السلام في قطاع غزة، نيكولاي ميلادينوف، قدّم إلى قيادة حركة "حماس" هذا الأسبوع، اقتراحاً لنزع السلاح في القطاع مُكون من وثيقتين، الأولى بعنوان استكمال تطبيق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واتفاق وقف إطلاق النار المنبثق عنها، وتتضمن الأخرى جدولاً زمنياً محدداً لنزع السلاح، يربطه ليس فقط بالانسحاب الإسرائيلي شبه الكامل من القطاع، وإنما بجعله محور العملية كلها بما في ذلك تمكين لجنة إدارة غزة من العمل على الأرض، وتنفيذ مهامها الوطنية الجسيمة، والشروع بإعادة الإعمار الضخمة والعملاقة، وحتى عملية التعافي المبكر والإيواء العاجل التي كان من المفترض انطلاقها قبل ستة شهور تقريباً مع تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق أوائل تشرين أول/ أكتوبر الماضي، وبينما تبدو "حماس" منفتحة على دراسة الاقتراح بمرونة وإيجابية، مع نصائح من الوسطاء والضامنين بعدم رفضه جملة وتفصيلاً، وقبوله ولو "بنعم" أو "نعم ولكن"، رفضته الفصائل الحليفة الأخرى كون الاقتراح غير عادل حسب تعبيرها، علماً أنها لن تخرج بالنهاية عن موقف الأخت الكبرى "حماس"، التي تبدو حريصة بدورها على بلورة إطار وطني عريض للتعاطي مع هذه القضية المركزية والحساسة.
ملء الفراغ
إذن، ووفق مصادر فلسطينية مطلعة يمكن اعتبار الوثيقة الأولى التي قدمها ميلادينوف سياسية، لجهة وضع الاقتراح مرجعياً في سياق تنفيذ خطة ترامب واتفاق وقف إطلاق النار، والأخرى تقنية فنية وإجرائية، تتضمن الجدول الزمني المحدد والتزامات الأطراف المعنية، بينما كان لافتاً جداً جعل مسألة نزع السلاح مركزية ومدخلاً لكل سيرورة تنفيذ بنود الخطة، بما لا يقتصر فقط على تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة عملها، وإنما الانسحاب الإسرائيلي والتعافي المبكر والإيواء العاجل، وإعادة الإعمار وربط استحقاقات المرحلة الثانية كلها بنزع السلاح، من أجل شق المسار والانتقال إلى المرحلة الثالثة، الاستراتيجية، المتضمنة ما يعرف بالجذر والأفق السياسي والدولة الفلسطينية وتقرير المصير.
بداية، ومن حيث الشكل، نحن أمام محاولة واضحة لملء الفراغ، في ظل جمود عربة اتفاق وقف إطلاق النار وبقائها ولو نظرياً على السكة الصحيحة، مع وقف الإبادة والمقتلة والتجويع والتهجير بالرغم من استمرار إطلاق النار ولو بوتيرة منخفضة، بظل الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاق واستغراق المرحلة الأولى شهور طويلة لا عدة أيام أو أسابيع قليلة، وانتقال نظري فقط لا عملي إلى المرحلة الثانية منتصف كانون ثاني/ يناير الماضي بالإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة لكن مع منعها من الدخول ومباشرة مهامها على الأرض في غزة.
من حيث الشكل، يسعى ميلادينوف ومن خلفه واشنطن لنقض الفكرة السائدة اليوم، بأن الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران حجبت الانتباه والاهتمام عن القضية الفلسطينية وغزة، وعن سيرورة تنفيذ خطة ترامب واتفاق وقف إطلاق النار المنبثق عنها هناك.
هذا في الشكل، أما بالمضمون، فيبدو الاقتراح ملتزم بالخطة والاتفاق المنبثق عنها الذي تحدث صراحة عن نزع سلاح غزة بينما يسعى ملادينوف إلى جعله البند المركزي ومحور الخطة وربط البنود كلها به.
بتفصيل أكثر، تتمثل الخطوة الأولى للاتفاق والسيرورة كلها بنزع السلاح ولو تدريجياً لتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من ملء الفراغ والشروع الفعلي في التعافي المبكرة والإيواء العاجل - 200 ألف خيمة و60 ألف بيت متنقل، وإصلاح البنى التحتية وعودة عجلة الاقتصاد للدوران ضمن مهلة زمنية من 100 يوم وميزانية مقدرة بـِ 200 مليون دولار - مع الانتباه إلى أن الوضع بالقطاع المدمر لا يزال على حاله كما رأينا طوال فصل الشتاء والمنخفض الجوي الأخير مطلع الأسبوع الجاري.
آلية فلسطينية داخلية
تضمن الاقتراح جدولاً زمنياً محدداً ومرن نسبياً يربط كذلك بشكل مباشر انسحاب جيش الاحتلال إلى المحيط الأمني - المنطقة العازلة - وإعادة الإعمار بنزع السلاح لكن لا حديث مباشر عن بند الدولة الفلسطينية الموجود فعلاً بالخطة وفق تبرير ميلادنوف ولكن في مرحلتها الثالثة والنهائية.
بالمضمون، يتعاطى الاقتراح إيجاباً مع مطالب مركزية لحماس والفصائل، بوضع نزع السلاح ضمن آلية فلسطينية داخلية لا أجنبية وجدول زمني مرن نسبياً من 9 شهور، بينما طالبت إسرائيل وحتى أميركا مثلاً بمهلة أضيق بكثير - شهرين إلى ثلاثة - مقابل طرح الوسطاء مدى أوسع من سنة إلى سنتين حيث بدت مهلة ميلادينوف الجديدة كأنها حلّ وسط بين هذا وذاك.
وفق الاقتراح ستعمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة وفق قاعدة سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد، وستلقي دعماً من قوة الاستقرار الدولية التي لم تبصر النور خاصة مع تداعيات الحرب ضد إيران بينما طرح ميلادينوف فكرة تشكيل لجنة مصغرة لمراقبة نزع السلاح، وتتشكل أساساً من الوسطاء والضامنين لطمأنة حماس وتهدئة مخاوفها.
رفض الفصائل
في هذا السياق، أعلنت بعض فصائل المقاومة عن رفض الاقتراح غير العادل لكن "حماس" لم تعلن موقفاً قاطعاً، وهي تبدي انفتاح على دراسته بمرونة وإيجابية وفق قاعدة نعم ولكن، خاصة مع استخدامها السابق مصطلحات مثل تجميد وتخزين السلاح تحت سيطرة قوة عربية موثوقة لتخفيف أثر واقع كلمة "نزع "مع الإصرار الدائم على الآلية الفلسطينية والجدول الزمني، ومطالب فئوية بمعاملة عادلة لموظفيها المدنيين والعسكريين وأخرى وطنية ترفض الوصاية الأجنبية وتطالب بالأفق السياسي الجاد نحو الدولة الفلسطينية.
بالعموم لا تزال العملية في بداياتها التمهيدية، وللأسف ستستغرق شهور وسيتم العمل عليها بجد مع انتهاء الحرب ضد إيران التي قد تطول لأسابيع بينما تسعى إسرائيل لحرب أطول بلبنان لشهور وربما لسنوات، ما بتطابق مع استراتيجية المماطلة التقليدية وتأخير دخول اللجنة الوطنية لغزة الذي قد يأتي بعد سنة من تفويضها المحدد أصلاً بسنتين، والسعي لتحويل المؤقت إلى دائم، وعدم الوصول إلى المرحلة الثالثة وتولي سلطة وقيادة فلسطيني موحدة المسؤولية كاملة بغزة والضفة على حد سواء.
ومن هنا، تأتي أهمية التعاطي مع اقتراح ميلادينوف ضمن رؤية وطنية تنطلق من مقاربة استراتيجية للقضية الفلسطينية والمستجدات في غزة والضفة والمنطقة بشكل عام مع التركيز على مواصلة النضال والعناد والصمود بمواجهة الاحتلال ونظام الفصل العنصري بوسائل وربما حتى بأطر وشخوص جديدة.
