انتشى بعض المسؤولين الإيرانيين بصمود بلادهم وضربتها الجوابية على الولايات المتحدة وإسرائيل وقدرتها على إغلاق مضيق هرمز، الذي هز أسواق الطاقة وزعزع الاقتصاد العالمي. لدى هؤلاء المسؤولين ثقة عالية في أنَّ يد إيران والفصائل الموالية لها، هي العليا في حرب الخليج الرابعة، وأن على الولايات المتحدة وإسرائيل، قبول شروطهم إذا ما أرادتا إنهاء الحرب. مع ذلك، فإن المفاوضات التي ينشط الوسطاء لعقدها بين إيران والولايات المتحدة، قد لا تسفر عن النتائج التي يتوخاه أولئك المسؤولون.
وكما هي العادة، يتصنع المسؤولون الإيرانيون الثبات والكبرياء، بينما الوقائع على الأرض أكثر تعقيداً. وإن أظهر قادة الحرس الثوري رغبة قوية في الاستمرار بإطلاق الصواريخ والمسيرات على دول المنطقة وإسرائيل، إلا أن حسابات المصالح الإيرانية قد لا تتوافق مع هذه الرغبة.
ضربة جديدة ساحقة
رويداً رويداً يتناقص تأثير ضربة إيران الجوابية على الصعيدين السياسي والعسكري. وبعد أن أدى حزب الله والفصائل الولائية في العراق قسطهما في إضفاء طابع المفاجأة والحيوية على ضربة إيران الجوابية، بات عليهما الآن الدفاع عن نفسيهما. يجد حزب الله نفسه محاصراً بين تقدم آلة الحرب الإسرائيلية الميداني وإصرار الحكومة اللبنانية على رفض توريطه لبنان في حرب إسناد إيران. على الرغم من ممانعة القيادة السورية قتال حزب الله، إلا أن استمرار نشاط الحزب في تهريب السلاح عبر سوريا ومحاولات الفصائل العراقية الولائية زعزعة استقرارها، قد يؤديان إلى تغيير حسابات دمشق. في غضون ذلك، يرتفع معدل الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة ضد الفصائل الولائية، والتي تستهدف قياداتها وتشكيلاتها في محافظات الوسط والشمال العراقيين، بينما تتزايد الضغوط الخليجية على الحكومة العراقية، الرامية إلى دفعها لمنع تلك الفصائل من إطلاق الصواريخ على دول المنطقة. وبعد أن تلقى ضربة قاسية من إيران، قد لا يوافق الجيش الأميركي على إنهاء الحرب بسهولة، قبل أن يرد بضربة جديدة ساحقة. وهو يعمل، الآن، مع الإسرائيليين على تطوير خيارات لتلك الضربة.
وستظل المعضلات الجيوسياسية تؤرق القادة الإيرانيين. فلقد أثار إعلان إسرائيل عزمها تحويل المناطق اللبنانية جنوبي نهر الليطاني، إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح والبشر والشجر، قلقاً عميقاً في طهران. وللتعامل مع الهجوم الإسرائيلي ستحتاج طهران إلى فتح جبهة جديدة في المنطقة (كمضيق باب المندب)، أو إقناع الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح ممرات الإمداد عبر الأراضي السورية إلى حزب الله. وإذ تتشاطر الأوساط السورية بواعث القلق الإيراني حيال نجاح العملية الإسرائيلية في إبعاد حزب الله عن الجنوب نحو وسط لبنان، فإن دمشق ليست قريبة على الإطلاق من التعاون مع إيران وحزب الله لمنع هذا السيناريو. بل إن أوساطاً سورية تفكر في دفع مخاطر هذا السيناريو عبر السيطرة على شريط محدود على الحدود السورية اللبنانية. ولا تعير تلك الأوساط كبير اهتمام لتهديدات الفصائل العراقية الولائية، التي لوحت بالتدخل العسكري ضد سوريا إذا ما عبرت قواتها الحدود مع لبنان؛ إذ أن تدخل تلك الفصائل سيثير رد فعل عسكري تركي، فضلاً عن أن وصولهم نحو العمق السوري سيتطلب عبورهم مسافات شاسعة في البادية الشامية المكشوفة. وعلى طهران أن تتحسب لأن تقدم العناصر الولائيين داخل سوريا قد يخلق فراغاً أمنياً وعسكرياً في بلاد الرافدين، يمكن أن تستغله أطراف مناوئة للإيرانيين داخل العراق.
مستنقع جديد
من جهة أخرى، سيؤدي استمرار الحرب إلى اعتماد إيران على الصين وروسيا، وعندها تصبح طهران رهينة رغبات هاتين الدولتين، اللتين قد تفضلان إطالة أمد الحرب في الشرق الأوسط. ولا يخفى أن الرئيسين الصيني تشي جيبينغ والروسي فلاديمير بوتين لا يمانعان رؤية الجيش الأميركي يغرق في أحوال مستنقع جديد في الشرق الأوسط. وسيصب استمرار الحرب أيضاً، في صالح القوى الإقليمية بالشرق الأوسط تحديداً تركيا وباكستان. تراقب أنقرة وإسلام آباد عن كثب، وربما بسرور، تحطيم واشنطن وتل أبيب قدرات طهران العسكرية، وما تتسبب به الصواريخ الإيرانية من إضعاف لإسرائيل وزعزعة لاستقرارها. ومع تراجع قدرات اللاعبين الإسرائيلي والإيراني تختل موازين القوى الإقليمية، الأمر الذي قد يفسح المجال أمام الأتراك والباكستانيين للتمدد وزيادة نفوذ بلادهم الإقليمي.
واللافت أن القادة الإيرانيين قد قبلوا وساطة تركيا، وباكستان مع واشنطن، بالرغم من إدراكهم للعبة تلك الدول طويلة الأمد وما يعتريهم من قلق حيال احتمالات لجوء مسؤولي تلك الدول إلى إطالة أمد المفاوضات من أجل استمرار الحرب لأطول مدة ممكنة. يعكس هذا القبول إدراك أولئك القادة حاجة بلادهم إلى مسار سياسي يقود إلى وقف لإطلاق النار.
غايات إيرانية
ينشد بعض المسؤولون الإيرانيون التفاوض كأداة لتحقيق عدة غايات، أولها: قطع الطريق أمام واشنطن لتوجيه ضربة جديدة لبلادهم، ثانيها، الحصول على فسحة من الوقت لإعادة ترتيب أوراقهم العسكرية والإقليمية، والحد من تقدم آلة الحرب الإسرائيلية في أعماق الجنوب اللبناني، ثالثها، دق إسفين بين إدارة دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو، وإذكاء هواجس حلفاء واشنطن في المنطقة من توصل الجانبان الأميركي والإيراني إلى ترتيبات لإدارة مضيق هرمز من وراء ظهورهم. تنصب جهود أولئك المسؤولين على إنهاء الحرب مع واشنطن وتل أبيب، بالتعادل مع رجحان الكفة لصالحهم. وهم يتلهفون إلى صياغة اتفاق إقليمي مع الأميركيين، على شاكلة الاتفاق الذي مهد الطريق أمام الغزو الأميركي للعراق عام 2003، أو اتفاق ما بعد حرب تموز/يوليو في لبنان عام 2006، أو الاتفاق النووي لعام 2015.
حتى المقربون من المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، يريدون مساراً لوقف الحرب، كي يتمكنوا من قطف ثمار صمود بلادهم. بنظر هؤلاء، قاد مجتبى دفة البلاد، بكفاءة، في أحلك الظروف، ونجح في امتحان الحديد والنار، بما يؤهله لانتزاع اتفاق أفضل من الذي عرض على المرشد السابق، والده، قبل اغتياله، يضمن تحصين المحور الشيعي في المنطقة. يخشى بعض المسؤولون الإيرانيون من تمسك قيادات "الحرس الثوري" باستمرار الحرب حتى إجبار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إعادة نفوذ بلادهم لما كان عليه قبل "طوفان الأقصى" عام 2023، ويرون فيه خياراً محفوفاً بالمخاطر. يدركون أن بلادهم تتحمل وحيدةً أعباء قاسية للغاية؛ إذ يقع على كاهلها تنفيذ العديد من المهام المعقدة: كإدارة القتال في جبهات متعددة (الأجواء الإيرانية – مضيق هرمز – الخليج – لبنان – العراق - إسرائيل)، إحداث صدع داخل التحالف الأميركي الإسرائيلي، تنسيق جهود حلفائها في محور المقاومة وضمان تدفق السلاح إليهم، تعزيز وتقوية الصلات مع روسيا والصين وإبقاء الدول الإقليمية والقوى الأوروبية بعيدة عن الحرب، إدارة اقتصاد محطم وخدمات تتراجع باستمرار، وأخيراً، إجهاض مناورات ترامب لخفض أسعار الطاقة.
خطة ترامب
على الضفة الأخرى، لم يفتأ ترامب يؤكد أن حربه على النظام الإيراني حققت أهم أهدافها. وهو واقع تحت تأثير نجاحه في فنزويلا، ويعول على تكراره في إيران، حيث سقطت كراكاس ثمرة ناضجة بيد واشنطن، بمجرد تغيير قيادتها. لذلك، فتح الرئيس الأميركي الباب أمام الوسطاء كي يعرضوا على إيران خطته لإنهاء الحرب، ولوح للمسؤولين الإيرانيين، بفوائد القفز إلى المركب الأميركي أسوة بنظرائهم الفنزويليين في النصف الآخر من الكرة الأرضية.
وعلى الرغم من إشاعة ترامب أجواء إيجابية حول المفاوضات وصدور مؤشرات ليونة عن الأميركيين والإيرانيين، إلا أن الاتفاق قد لا يكون قريب المنال؛ فالهوة التي تفصل مواقف الأطراف المتحاربة واسعة وشروطهما متباعدة، ما من شأنه تعقيد مهمة الوسطاء الساعين إلى صياغة اتفاق إطاري أو إعلان نوايا لوقف إطلاق النار. هكذا، قد يطول أمد المفاوضات قبل التوصل إلى اتفاق ما يعني استمرار الحرب، والأسوأ أن تتعثر بما يؤدي إلى دروة جديدة من التصعيد.
عاجلاً ليس آجلاً، سيدرك القادة الإيرانيون أن كافة القوى، سواء الإقليمية منها أم الدولية، تجمعها رغبة دفينة في عدم رؤية إيران تخرج منتصرة في هذه الحرب، وأن أوان قطف ثمار الحرب قد أزف، وأن بلوغ هذا الهدف يتطلب شيئاً من الاعتدال بخلاف مطالب "الحد الأقصى" التي تقدم بها "الحرس الثوري" ولا تصب في صالح إيران بل يستفيد منها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لإظهار استحالة التفاهم مع طهران.
ولربما كان على الإيرانيين استذكار تأملات وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر حول الحرب الإيرانية العراقية، حيث قال: "هذه أول حرب في التاريخ، ينبغي ألا يخرج أحد منها، منتصراً"، لولا أن حربهم تشمل طرفاً من الصعب أن يخرج مهزوماً هو الولايات المتحدة. عليهم أن يحاذروا لأن الكثير من مسؤولي الدول الإقليمية والقوى الدولية الأخرى، الذين تسرهم رؤية واحد أو أكثر من أطراف هذه الحرب، يقطر دماً، تذكروا تلك الكلمات الماكرة، مع أول "رصاصة" أطلقها نتنياهو في هذه الحرب.
