تدخل المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة أكثر تعقيداً، مع تصاعد المؤشرات على انتقال واشنطن من استراتيجية الضربات الجوية والبحرية إلى دراسة خيارات تدخل بري محدود، في ظل حشد عسكري غير مسبوق رفع عدد القوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى أكثر من 50 ألف جندي.
وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن وصول 2500 من مشاة البحرية و2500 بحار إضافي ضمن مجموعة السفينة "يو إس إس تريبولي"، يعكس توجهاً واضحاً نحو تعزيز القدرات الهجومية، وليس فقط دعم الانتشار الدفاعي التقليدي في قواعد الخليج والعراق وسوريا.
ولا يقتصر الحشد الأميركي على تعزيزات عددية، بل يعكس إعادة تشكيل شاملة للانتشار العسكري في المنطقة. فقد دفعت واشنطن بنحو 2000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً إلى مواقع غير معلنة، ضمن نطاق يسمح بتنفيذ عمليات سريعة داخل العمق الإيراني، بالتوازي مع تمركز نحو 10 آلاف جندي على حاملتي الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" و"يو إس إس جورج إتش دبليو بوش".
وتشير خطط البنتاغون إلى نية نشر ما يصل إلى 13 ألف عنصر إضافي من المارينز، إلى جانب 3 آلاف من قوات الانتشار السريع، ووحدات خاصة لم يُكشف عن حجمها، ما يعكس توجهاً نحو بناء قوة مرنة قادرة على تنفيذ عمليات مركّبة متعددة المسارات.
في المقابل، شكّل انسحاب حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد بعد أعطال متكررة، بينها حريق داخلي، عاملاً إضافياً في إعادة توزيع الأعباء العملياتية، دون أن يحدّ من الزخم العسكري العام، وفق "نيويورك تايمز".
هرمز في قلب المواجهة
ويتصدر مضيق هرمز مشهد التصعيد، باعتباره نقطة الاختناق الاستراتيجية التي يمر عبرها نحو خمس إمدادات النفط العالمية. ومع تحوّله إلى ساحة اشتباك غير مباشر، نتيجة الهجمات الإيرانية، باتت إعادة فتحه هدفاً مركزياً للخطط الأميركية، ليس فقط لضمان تدفق الطاقة، بل أيضاً لإعادة ترسيخ الردع في الخليج.
وفي هذا السياق، تدرس واشنطن تنفيذ عمليات نوعية تستهدف نقاطاً حساسة داخل المنظومة الاقتصادية والعسكرية الإيرانية، في مقدمتها جزيرة خرج، التي تمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط، والتي تعرضت بالفعل لسلسلة ضربات أميركية طالت عشرات المواقع.
لكن خرج ليست الخيار الوحيد. فبحسب شبكة "سي إن إن"، ونقل الكولونيل السابق سيدريك لايتون أن جزيرة لارك تبرز كهدف بديل أكثر حساسية، نظراً لموقعها في قلب المضيق، ما يمنح السيطرة عليها قيمة عملياتية مضاعفة.
ولا تتوقف السيناريوهات عند هذا الحد، إذ تُطرح داخل الأوساط العسكرية احتمالات توسيع نطاق العمليات لتشمل جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى، وربما امتدادها إلى أجزاء من الساحل الإيراني، في إطار استراتيجية تقوم على تفكيك السيطرة الإيرانية على الممرات البحرية، وفق "سي إن إن".
في موازاة ذلك، يجري التداول بخيارات أكثر تعقيداً، تتعلق بتنفيذ عمليات خاصة داخل العمق الإيراني بهدف استعادة مخزونات اليورانيوم المخصب، وهي عمليات تتطلب تجهيزات لوجستية معقدة، تشمل تأمين محيط واسع، واستخدام معدات متخصصة للوصول إلى مواقع يُعتقد أنها مدفونة تحت أنقاض منشآت مستهدفة.
عمليات محدودة لا غزو شامل
ورغم اتساع هذه السيناريوهات، تشير تقديرات نقلتها "الغارديان" و"واشنطن بوست" إلى أن حجم القوات المنتشرة لا يعكس استعداداً لغزو شامل، بقدر ما يشير إلى تفضيل عمليات تكتيكية محدودة، تُنفذ بسرعة وبدقة لتحقيق أهداف محددة.
ويعزز هذا التوجه ما أعلنه وزير الخارجية ماركو روبيو، من أن واشنطن لا تزال ترى إمكانية تحقيق أهدافها دون الانخراط في حرب برية واسعة، ما يعكس تردداً سياسياً واضحاً حيال الانزلاق إلى صراع طويل ومكلف.
غير أن هذا الخطاب الحذر لا يلغي حقيقة الاستعدادات الميدانية. فقد كشفت "واشنطن بوست" أن البنتاغون يعمل بالفعل على خطط لعمليات برية قد تمتد لأسابيع، تشمل مزيجاً من القوات الخاصة ووحدات المشاة، ضمن نموذج عملياتي يهدف إلى تحقيق نتائج سريعة مع تقليل المخاطر.
إلا أن هذا النوع من العمليات يحمل بطبيعته قابلية عالية للتصعيد، إذ يمكن لأي احتكاك ميداني أن يفتح الباب أمام مواجهة أوسع، يصعب احتواؤها ضمن نطاق محدود.
قدرات إيران: تضرر وصمود
في المقابل، تُظهر المعطيات أن القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت لضربات مؤثرة، إذ أفاد موقع "أكسيوس" بتدمير أكثر من 66% من منشآت الإنتاج العسكري، وتراجع ملحوظ في وتيرة الهجمات الصاروخية.
مع ذلك، لا تزال إيران تحتفظ بهامش معتبر من القدرة على الرد، مستندة إلى بنية عسكرية بشرية واسعة، تضم مئات آلاف الجنود، وشبكة صاروخية ومسيّرات متعددة المستويات، وتكتيكات بحرية غير تقليدية، تشمل الألغام والزوارق السريعة، وبنى تحتية محصنة تحت الأرض، وهو ما يجعل أي تدخل بري محفوفاً بمخاطر ميدانية مرتفعة.
وتُجمع التقديرات العسكرية على أن القوة الحالية، رغم حجمها، غير كافية لاحتلال إيران أو السيطرة على أراضيها، في ظل الفارق الكبير بين حجم القوات المطلوبة لمثل هذا السيناريو وتلك المنتشرة حالياً.
وفي هذا السياق، حذر الكاتب سايمون تيسدال في صحيفة "الغارديان" من أن أي تدخل بري، حتى لو بدأ محدوداً، قد يتحول سريعاً إلى حرب استنزاف طويلة، مستفيداً من طبيعة الأرض الإيرانية وخبرة طهران في إدارة الحروب غير المتكافئة.
ضغط داخلي وحسابات سياسية
داخلياً، تواجه الإدارة الأميركية ضغوطاً متزايدة، إذ تشير استطلاعات نقلتها "واشنطن بوست" إلى أن غالبية الأميركيين تعارض إرسال قوات برية، ما يقيّد هامش المناورة السياسية. كما أن الحلفاء الإقليميين والدوليين يتعاملون بحذر مع التصعيد، في ظل مخاوف متزايدة من تداعياته على أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.
في المحصلة، تتقاطع المؤشرات العسكرية مع الحسابات السياسية لتضع خيار الحرب البرية في موقع "الاحتمال الجدي" دون أن يتحول إلى قرار نهائي. فواشنطن تواصل إبقاء هذا الخيار على الطاولة، كورقة ضغط في مواجهة طهران، في وقت لا تزال فيه الدبلوماسية تحاول، ولو بحدود ضيقة، منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
