في خضم التصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، برزت روايات متزايدة عن دور باكستان في فتح قناة خلفية بين واشنطن وطهران، في محاولة لمنع انهيار آخر المسارات الدبلوماسية المتبقية. وتشير هذه الروايات إلى أن إسلام آباد لعبت دوراً في نقل رسالة تحذيرية إلى الولايات المتحدة مفادها أن اغتيال شخصيات سياسية إيرانية بارزة كان سيؤدي إلى إغلاق الباب أمام أي مفاوضات محتملة، ويدفع بالأزمة نحو مزيد من التصعيد.
وبغض النظر عن دقة كل التفاصيل المتداولة، فإن الأهم في هذه القصة ليس فقط الدور الباكستاني بحد ذاته، بل السياق الجيوسياسي الأوسع الذي يجري فيه: وهو سعي الولايات المتحدة – بشكل متزايد – إلى إشراك قوى إقليمية، خصوصاً من العالم الإسلامي، في إدارة الأزمات واحتواء الصراعات في المنطقة.
تحوّل في الأسلوب الأميركي
إن هذا التحول في السياسة الأميركية لا يعني بالضرورة انسحاب واشنطن من المنطقة، بقدر ما يعكس إعادة توزيع للأدوار داخل النظام الإقليمي. فالولايات المتحدة ما زالت تمسك بالخيوط الاستراتيجية الكبرى وتحدد الإطار العام لإدارة الأزمة، لكنها باتت تميل إلى إسناد أدوار الوساطة واحتواء التصعيد إلى قوى إقليمية تمتلك علاقات متوازنة مع أطراف الصراع.
غير أن هذا الخيار يواجه تعقيدات واضحة. فدول الخليج، التي تعرضت لضربات مؤلمة من قبل إيران، تجد نفسها في موقع يصعب معه لعب دور الوسيط المحايد، إذ إن انخراطها المباشر في أي وساطة قد يُنظر إليه باعتباره اصطفافاً سياسياً أكثر منه مسعىً دبلوماسياً متوازناً. ويزداد المشهد تعقيداً مع عمليات اغتيال شخصيات إيرانية مرتبطة بمسار الحوار، الأمر الذي ألقى بظلال ثقيلة على المناخ السياسي وأربك التحركات الدبلوماسية الجارية خلف الكواليس.
في هذا السياق، تبرز دول مثل باكستان وتركيا ومصر كمرشحين محتملين للعب أدوار أكبر في جهود الوساطة، بحكم علاقاتها المتشابكة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وقدرتها على التحرك في مساحات سياسية قد تكون أكثر مرونة من غيرها.
لماذا باكستان تحديداً؟
قد يبدو للبعض أن اختيار باكستان للقيام بدور الوسيط أمر غير متوقع، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها. إلا أن إسلام آباد تمتلك عدة عناصر تجعلها مؤهلة للعب هذا الدور.
أولاً، تحتفظ باكستان بعلاقات تاريخية مع إيران، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
ثانياً، تمتلك أجهزة استخبارات نشطة قادرة على التواصل مع أطراف متعددة في المنطقة.
ثالثاً، تحرص القيادة الباكستانية على تعزيز صورتها الدولية كدولة قادرة على المساهمة في حل النزاعات، وليس فقط طرفاً في صراعات إقليمية.
لكن الأهم من ذلك أن الوساطة الباكستانية تخدم أيضاً حسابات واشنطن، لأنها تمنح الولايات المتحدة قناة غير مباشرة للتواصل مع طهران دون الظهور بمظهر الطرف الذي يتراجع أو يقدم تنازلات.
استراتيجية "الوسطاء المسلمين"
إذا نظرنا إلى المشهد الأوسع، نجد أن الولايات المتحدة تميل في السنوات الأخيرة إلى تشجيع وساطات تقودها دول إسلامية أو إقليمية في الأزمات المرتبطة بالعالم الإسلامي.
فمثل هذه الوساطات تحقق عدة أهداف في آن واحد:
1. تخفيف العبء السياسي عن واشنطن، بحيث لا تبدو الولايات المتحدة وكأنها اللاعب الوحيد في المنطقة.
2. منح الحلول المطروحة شرعية إقليمية، إذ يكون من الأسهل قبول مبادرة تقودها دولة مسلمة أو إقليمية مقارنة بمبادرة أميركية مباشرة.
3. تقليل احتمالات التصعيد الشعبي في المنطقة، حيث غالباً ما تواجه المبادرات الأميركية المباشرة شكوكاً أو رفضاً واسعاً.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التحركات الدبلوماسية التي تشارك فيها دول مثل تركيا ومصر وقطر وباكستان كجزء من شبكة وساطات إقليمية غير رسمية تعمل بالتوازي مع الجهود الدولية.
حسابات وقف الحرب
لكن السؤال الأهم هو: هل الهدف الحقيقي من هذه التحركات هو وقف الحرب فعلاً، أم مجرد إدارة الصراع ومنع انفجاره بشكل كامل؟
التاريخ الحديث للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط يوحي بأن واشنطن غالباً ما تسعى إلى إدارة الأزمات أكثر من حلها جذرياً. فاستمرار مستوى معين من التوتر قد يخدم مصالح استراتيجية، مثل الحفاظ على التحالفات العسكرية، وضمان تدفق الطاقة، ومنع ظهور قوة إقليمية مهيمنة.
من هذا المنظور، قد يكون الهدف الفعلي هو منع الحرب من الخروج عن السيطرة، وليس بالضرورة إنهاؤها بالكامل.
وهذا يفسر لماذا تركز الجهود الدبلوماسية الحالية على وقف إطلاق نار مؤقت، أو ترتيبات تهدئة محدودة بدلاً من تسوية سياسية شاملة.
مضيق هرمز كعامل حاسم
لا يمكن فهم هذه التحركات دون النظر إلى أهمية مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. فأي تصعيد يؤدي إلى تعطيل الملاحة في المضيق ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة، خاصة على الدول المستوردة للطاقة في آسيا.
ولهذا السبب، تسعى القوى الكبرى إلى إبقاء خطوط الملاحة مفتوحة، حتى في ظل استمرار التوترات العسكرية.
ومن هنا يصبح الحفاظ على قنوات الحوار – ولو بشكل محدود – أمراً ضرورياً لتجنب انهيار النظام الاقتصادي المرتبط بتدفقات الطاقة العالمية.
انعكاسات على الهند
في الهند، أثارت هذه التطورات نقاشاً متزايداً حول غياب دور دبلوماسي هندي واضح في الأزمة. فالهند، التي تعد من أكبر مستوردي الطاقة في العالم، تتأثر مباشرة بأي اضطراب في منطقة الخليج أو في مضيق هرمز.وبالتالي جاء رد الفعل الهندي الحاد تجاه الحديث عن دور الوساطة الباكستانية خارج الإطار الدبلوماسي المعتاد لعدة أسباب مترابطة، تتعلق بحساسية التنافس الجيوسياسي بين البلدين، وبالاعتبارات الداخلية والخارجية للهند.
أولاً، تنظر الهند تقليدياً إلى باكستان باعتبارها منافساً استراتيجياً في جنوب آسيا، ولذلك فإن أي دور دولي إيجابي لإسلام آباد – خصوصاً في ملفات حساسة مثل الوساطة في أزمات إقليمية – يُنظر إليه في نيودلهي على أنه تعزيز لمكانة باكستان الدولية على حساب الدور الهندي. وهذا ما يفسّر سرعة الرد الهندي ومحاولة التقليل من أهمية هذا الدور.
ثانياً، ترى النخبة السياسية والإعلامية في الهند أن باكستان تحاول توظيف أي تحرك دبلوماسي لإعادة تقديم نفسها كفاعل دولي مسؤول، بعد سنوات من الانتقادات الغربية المرتبطة بقضايا الإرهاب أو عدم الاستقرار الإقليمي. لذلك فإن الاعتراف بدور الوساطة الباكستانية قد يمنحها مكسباً سياسياً ومعنوياً لا ترغب نيودلهي في منحه بسهولة.
ثالثاً، هناك عامل داخلي أيضاً. فالهند في السنوات الأخيرة تسعى إلى تقديم نفسها كقوة صاعدة وفاعل رئيسي في النظام الدولي، خصوصاً بعد استضافتها لقمة مجموعة العشرين وتعزيز علاقاتها مع الغرب. ولذلك فإن بروز باكستان كوسيط في أزمة دولية حساسة قد يثير تساؤلات داخلية حول غياب الدور الهندي في أزمة تمس بشكل مباشر أمن الطاقة وأمن الغذاء والمصالح الاقتصادية للهند.
وأخيراً، يرتبط هذا الرد أيضاً بطبيعة العلاقة المتوترة بين البلدين، حيث غالباً ما تمتد المنافسة بينهما إلى المجال الدبلوماسي والإعلامي. ولهذا السبب، يتحول أي حدث دولي – حتى لو كان مرتبطاً بأزمة في الشرق الأوسط – إلى ساحة جديدة للتنافس على النفوذ والشرعية السياسية بين نيودلهي وإسلام آباد.
لذلك يمكن القول إن رد الفعل الهندي لم يكن مجرد تعليق دبلوماسي عابر، بل انعكاس لحساسية أعمق تتعلق بالتوازن الإقليمي والصورة الدولية لكل من الهند وباكستان.
بين الوساطة والنفوذ
وتكشف قصة الوساطة الباكستانية – سواء نجحت أم فشلت – عن حقيقة مهمة في السياسة الدولية: النفوذ لا يُقاس فقط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضاً بالقدرة على فتح قنوات الحوار عندما تتجه الأمور نحو الحرب.
كما تكشف أن الولايات المتحدة، رغم قوتها الهائلة، باتت تفضل في كثير من الأحيان العمل من خلال شركاء إقليميين بدلاً من الانخراط المباشر في كل أزمة.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ستتمكن هذه الوساطات الإقليمية من تحويل لحظة التصعيد إلى فرصة حقيقية للحوار، أم أنها ليست سوى هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع؟
غير أن السؤال الأكثر حساسية يبقى متعلقاً بما يمكن وصفه بـ "الفيل في الغرفة": هل ستسمح إسرائيل فعلاً بالوصول إلى وقف للحرب قبل أن تحقق أهدافها الاستراتيجية؟ فتل أبيب لا تخفي سعيها إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وإلحاق ضرر كبير ببنيتها التحتية الاستراتيجية، فضلاً عن تقويض شبكة حلفاء طهران الإقليميين الذين يشكلون جزءاً أساسياً من معادلة الردع في المنطقة.
