يتجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو مواجهة تفاوضية معقّدة مع إيران، في ظل ترجيحات متزايدة بانطلاق محادثات بين الطرفين رغم التصريحات المتناقضة بشأنها، وفق تحليل نشره السفير البريطاني السابق ماثيو غولد في صحيفة "التايمز" السبت.
ويرى غولد أن ترامب، الذي يقدّم نفسه كـ"أفضل مفاوض في العالم"، قد يجد نفسه أمام خصم يمتلك خبرة تفاوضية مختلفة جذرياً، تقوم على تحقيق المكاسب عبر إنهاك الطرف الآخر، وليس الوصول إلى حلول وسط.
مفاوضات بلا "رابحَين"
بحسب غولد، فإن النظام الإيراني لا يؤمن بمبدأ "رابح-رابح"، بل يعتبر أن نجاح التفاوض يتحقق عندما يخرج الطرف المقابل "خاسراً"، مشيراً إلى أن أي شعور بالرضا لدى الخصم يُعد دليلاً على عدم الضغط الكافي عليه.
ويستند في ذلك إلى تجربته الشخصية خلال عمله نائباً للسفير البريطاني في طهران عام 2004، عندما احتجزت إيران جنوداً بريطانيين في شط العرب. ويصف كيف تحولت مفاوضات الإفراج عنهم إلى عملية "مساومة متدرجة"، حيث استمرت طهران في إضافة مطالب جديدة كل نصف ساعة، رغم الاتفاق الأولي.
ويضيف أن هذه الاستراتيجية لم تتوقف إلا بعد أن أظهر الجانب البريطاني نوعاً من "الصلابة غير المقصودة"، ما أدى في النهاية إلى إطلاق سراح الجنود.
يؤكد غولد أن الرهانات الحالية أعلى بكثير من حادثة 2004، إذ إن نتائج أي تفاوض أميركي-إيراني ستؤثر على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي، خصوصاً في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.
قدرة تحمل إيرانية أعلى
ويحذر غولد من أن إيران تمتلك "عتبة ألم" أعلى بكثير من الولايات المتحدة، موضحاً أن النظام الإيراني أظهر قدرته على امتصاص الضربات والاستمرار، حتى مع فرض ضغوط داخلية كبيرة على شعبه.
في المقابل، يشير إلى أن أي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي سريعاً إلى ضغوط اقتصادية وسياسية على واشنطن، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية، ما قد يدفع ترامب إلى البحث عن تسوية سريعة.
التصعيد كأداة تفاوض
ويرى غولد أن دعم إيران لفصائل مثل "حماس" و"حزب الله" و"الحوثيين" لا يُفهم فقط في سياق أيديولوجي، بل كأداة ضغط تفاوضي، تتيح لطهران امتلاك أوراق قوة غير مباشرة.
كما يصف ما يسميه "التصعيد الأفقي" — كاستهداف عدة أطراف في المنطقة — بأنه جزء من استراتيجية مدروسة لزيادة النفوذ، حتى وإن بدا ظاهرياً تصرفاً متهوراً.
يؤكد التحليل أن إيران تعتمد على "النَفَس الطويل" في التفاوض، من خلال المماطلة وتبديل المواقف بين الإيجابية والتشدد، بهدف إنهاك الطرف المقابل.
ويشير إلى أن هذه المقاربة تتعارض مع أسلوب ترامب، الذي يفضّل التوصل إلى "صفقات سريعة" يمكن تسويقها كإنجازات سياسية، وهو ما قد يضعه تحت ضغط متزايد مع طول أمد المفاوضات.
اتفاقات غير مضمونة
ويحذر غولد أيضاً من أن إيران لا تلتزم دائماً بما يتم الاتفاق عليه، إذ تستمر — بحسب تعبيره — في "اختبار الحدود" بعد توقيع أي اتفاق، سواء عبر خروقات تدريجية أو إعادة تفسير البنود.
ويربط ذلك بتاريخ من عدم الثقة لدى طهران، وخشيتها من "أجندات خفية" لدى الأطراف الغربية.
رغم ذلك، يرى غولد أن النظام الإيراني ليس بلا نقاط ضعف، إذ يميل إلى "المبالغة في مطالبه" في اللحظات الأخيرة، ما يؤدي أحياناً إلى انهيار المفاوضات.
ويستشهد بمفاوضات عام 1980 بشأن الرهائن الأميركيين، عندما رفعت طهران سقف مطالبها إلى 24 مليار دولار قبل أن تقبل لاحقاً بنحو 12 ملياراً، إضافة إلى تجارب مشابهة مع شركات نفط غربية انسحبت بسبب المطالب المتصاعدة.
فرصة ترامب: الضغط والوحدة الغربية
ويخلص غولد إلى أن نجاح ترامب في التفاوض يعتمد على قدرته على الحفاظ على الضغط، وتقليص نفوذ إيران في مضيق هرمز، إضافة إلى توحيد الموقف الغربي.
ويرى أن أسلوب ترامب القائم على "نظرية الرجل المجنون" قد يمنحه أفضلية نسبية، إذ قد يجد الإيرانيون أنفسهم أمام خصم مستعد لمجاراة تكتيكاتهم أو حتى تجاوزها.
