منذ الأيام الأولى للحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على ايران، تدخَّلت بعض فصائل الحشد الشعبي في العراق الى جانب طهران، ونفذت 136 عملية وفق بيان صادر عنها قبل يومين، وشملت مساندتها إطلاق صواريخ ومُسيرات انتحارية، وكلها استهدفت مراكز ومنشآت ومصالح أميركية داخل العراق وفي إقليم كردستان وفي الكويت وفي بعض الدول العربية المجاورة، ولم تطَل اسرائيل. والأميركيون قصفوا مواقع للحشد، خصوصاً في الحبانية بالأنبار وفي القائم بالقرب من الحدود مع سوريا، ولقي قصفهم استنكاراً من المجلس الوزاري للأمن الوطني الذي اجتمع برئاسة محمد شياع السوداني وأعطى إذناً لفصائل الحشد بالرد على الاستهدافات التي تطالهم، بينما اقتصر ردّ فعل المجلس على الضربات التي طالت مدينة أربيل، على استدعاء السفير الإيراني وابلاغه احتجاج على هذه العمليات.
ويقول بيان وقَّعه مئات الكتَّاب والمُثقفين العراقيين رفضاً لزجّ العراق بالحرب؛ أن حكومة تصريف الأعمال عاجزة عن تحييد العراق، وكذلك عن ضبط الانفلات الأمني الذي يهدِّد بعواقب وخيمة. وقد أشار البيان بوضوح الى محاولات إيران تغيير دور البلاد بالكامل واستثمار الساحة العراقية في حربها. وتركيبة المجلس النيابي الذي انتُخِب في تشرين الثاني/نوفبر 2025، تسهِّل لها مهمتها، حيث غالبية من النواب وصلوا الى مراكزهم بدعم من فصائل مسلحة موالية لإيران، وبدعم مالي إيراني. ومُطلقو البيان الذين يحضرون للائحة تواقيع مليونية؛ طالبوا بإجراء انتخابات مُبكرة، لأن المجلس النيابي الحالي فشل في انتخاب رئيس جمهورية وفي تأليف حكومة جديدة، برغم مضي ما يقارب الـ5 أشهر من ولايته.
عوامل تهديد الاستقرار الداخلي العراقي متوافرة من خلال الاضطرابات القائمة، خصوصاً بعد أن تجاهل المجلس الوزاري للأمن الوطني الضربات المؤلمة التي أصابت إقليم كردستان، وتحرَّك بقوة عندما استهدف القصف مراكز للحشد الشعبي رداً على ضرب السفارة الأميركية في بغداد. وهذه الواقعة أعطت انطباعاً واضحاً على مدى تأثُّر هذا المجلس بالسياسة الإيرانية. وبيانه الذي صدر عن اجتماع 24 آذار/مارس، اعتبر استهداف مقرات الحشد الشعبي عدواناً على العراق، بينما لم يطلق على مئات الصواريخ الايرانية التي استهدفت كردستان ذات التوصيف. وما جرى من تهديدات أطلقتها فصائل في الحشد الشعبي ضد الحكومة السورية بمناسبة الحديث عن إمكانية تدخُّل سوريا ضد حزب الله في لبنان؛ أثار امتعاض لدى المكوِّن "العربي السني". وهذان العاملان قد يُهددان الاستقرار الداخلي للعراق، بصرف النظر عن الاختلال القائم في موازين القوى.
البيان الصادر عن المجموعة السداسية العربية التي تضمّ السعودية وقطر والبحرين والامارات والكويت والأردن؛ كان صريحاً في الطلب من حكومة بغداد منع نشاط الفصائل التي تقوم بإطلاق مُسيّرات وصواريخ من الأراضي العراقية بِحجة استهداف مصالح أميركية في هذه الدولة. ودعوها للوقوف الى جانب الخيار العربي، وليس الى جانب إيران التي تضرب هذه الدول بمئات الصواريخ من دون أن يكون لهذه أي علاقة بالحرب الدائرة، بل وكانوا ضد هذه الحرب منذ اللحظة الأولى، ومجلس وزراء خارجية جامعة الدول العربية الذي اجتمع في 8 آذار/مارس، اعتبر أن الضربات الإيرانية بمثابة عدوان إيراني صارخ على الدول الخليجية، والعراق عضو مؤسس في جامعة الدول العربية، وعليه الالتزام بما تقرِّره الجامعة.
تجهد إيران لتوظيف دول عربية كساحات في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن تعرُّضها للعدوان من هؤلاء؛ لا يبرر بأي شكل من الأشكال استهداف دول عربية، ولا استخدام العراق على وجه التحديد كساحة إلى جانبها في هذه الحرب. واغتيال المرشد الأعلى علي الخامنئي كان بوصفه رئيساً فعلياً للدولة في ايران، ولا يمكن اعتبار هذه الفعلة الشنيعة والتي لا يقرها القانون الدولي، كونها جاءت لأسباب دينية. وهناك فرق بين مرجعية النجف الدينية الخالصة وبين مرجعية قمّ التي تقود ايران، وهي الموجِّه الفعلي للحرس الثوري الإيراني الذي يتحكم بكل مفاصل الحياة السياسية والأمنية في البلاد.
تؤكد الوقائع فشل المقاربة التي اعتمدتها الادارة الأميركية في العراق منذ الغزو في العام 2003، فهي فتحت الطريق واسعاً أمام الانفلاش الإيراني، ووظَّفت البلد العربي كرأس حربة تستخدمه للتعاون احياناً وللخصام مع طهران أحياناً أُخرى، لكن نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، وترشيح نوري المالكي من جديد لرئاسة الحكومة؛ أثبتا أن ايران كانت المستفيد الأول من الدور الذي أعطيَ للعراق كساحة تبادل المنافع أو للتجاذبات بين واشنطن وطهران. وهذا الدور مُرشح لينحو باتجاهاتٍ أكثر سلبية، إذا ما استمرَّت غالبية فصائل الحشد الشعبي على ذات الاندفاعة في عملها لخدمة الاستراتيجية الإيرانية.
مصادر عراقية على اطلاع بما يجري؛ تؤكد أن رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني تعرَّض للتهديد من قبل جهات إيرانية إذا ما أقدم على مضايقة فصائل الحشد الشعبي. كما تؤكد وجود غرفة عمليات واحدة تدير الأعمال العسكرية في ايران وفي العراق وفي لبنان، ولا تُعير أي اهتمام للمصالح الوطنية العراقية، وقد تعرَّض بغداد لعزلة عربية ودولية.
