تعيش منطقة الشرق الأوسط اليوم، مع استمرار العدوان الأميركي-الإسرائيلي، حالة من السيولة السياسة والخطابية الخطرة، والمُتكررة، حيث يتسع الفراغ الذي تتركه النزاعات البينية لتملأه مشاريع الهيمنة الإسرائيلية المدعومة أميركياً، مستغلةً حالة الانكشاف الاستراتيجي العربي والإقليمي
ولم يعُد تجاوز الخلافات الراهنة مجرد خيار دبلوماسي لدى الأنظمة العربية، ومعهم إيران وتركيا، إنما أصبح ضرورة حتمية للوقوف في وجه منظومة تسعى لتفتيت الهويات الوطنية وتحويل المنطقة إلى كانتونات تابعة. فالمأزق الحقيقي، والسبب، بجانب أسباب أخرى فيما وصلنا إليه، يكمن في موات السياسة وقمع المجال العام عبر العقود الماضية، تحديداً ما بعد "الاستقلال" من الاستعمار، ما أدى إلى غياب مشروع إنساني تحرري جامع، واستبداله بثقافة التخوين والكراهية التي تغلغلت بين الشعوب والأحزاب، فيما بدا الصراع الداخلي أولوية تتقدم على مواجهة المشروع الإمبريالي.
بناءً على هذا الواقع، يسعى هذا المقال، وبشكل متداخل ومختلف، عن سابقه، إلى تفكيك هذه العقبات البنيوية، متناولاً جذور التشظي الراهن وكيفية استعادة المساحات العامة المسلوبة لبناء خطاب مقاوم يتجاوز الأطر الأيديولوجية الضيقة، كما سيبحث في آليات حقيقية لإطلاق هذا المشروع؛ تبدأ من صياغة ميثاق تحرري ينبذ التخوين، وتأسيس منصات حوارية عابرة للحدود والجماعات، وصولاً إلى بلورة كتلة ربما تكون تاريخية تجمع بين المثقفين والحركات الاجتماعية تحت راية مشروع إنساني مناهض للهيمنة، حيث نحاول الانتقال من رد الفعل العاطفي إلى الفعل الاستراتيجي المنظم الذي يرى في التحرر من التبعية مدخلاً للحرية، والعكس أيضاً.
تشظي الهوية وموات السياسة
يواجه العقل السياسي العربي اليوم تجليات "الحداثة السائلة" التي صاغها زيجمونت باومان، حيث تتلاشى الروابط الصلبة التي لطالما صهرت المجتمعات حول قضايا العروبة والتحرر القومي، وحتى الإنساني الأممي، لصالح فضاء فارغ لم تعد فيه الحرية والكرامة مرساة للعمل الجماعي، بل تحولت إلى خيارات انتقائية ومصالح فردية ضيقة واستقطابات وكراهية تفتقر إلى قيم ثابتة وجامعة. هذا التجريف الممنهج للمجال العام نقل الجماهير من مربع الفاعل السياسي إلى حيز المستهلك الخاضع لضغوط العيش وقمع الاستبداد، وهو ما يتبدى بوضوح في الحالة المصرية، حيث يفضي الانكشاف الاقتصادي إلى حالة ارتهان بنيوي تكبل الإرادة السياسية، والتي منذ توليها الحكم في منتصف عام 2014، لم يظهر لها أي تجليات من التفكير في إبراز أي مشروعات تحررية كبرى، فهي تتماشى مع مبدأ التزام الحياد في غالبية القضايا والأحداث التي تدور في المنطقة، وكان أبرزها الإبادة في غزة.
ويتعمق المأزق عبر التحول الجذري في بنية الخطاب السياسي العربي الذي هجر الأيدلوجيات والمشاريع النهضوية نحو واقعية "سوقية" وبراغماتية رثة تفتقر إلى الأفق القيمي، حيث أدى اختزال الدولة في الفرد إلى خلط ذهني في الوعي الجمعي تماهت فيه المصلحة الوطنية مع استمرار السلطة، وصار الخطاب السياسي مجرد أداة لإضفاء شرعية رمزية على تقلبات المواقف وتبرير الانكفاء عن الهم القومي، وحتى الإنساني. وفي ظل هذا المشهد، تراجعت القضية الفلسطينية في الخطاب الرسمي من جوهر التحرر الوطني إلى ملف لإدارة الأزمات يُقايض به في أسواق النفوذ الإقليمي، هذا كان من ضمن ما رسخ حالة الاغتراب الأيدلوجي، وربما الوجودي، التي تشل قدرة النخب والجماهير على ممارسة أي فعل تاريخي حقيقي في واقع مضطرب.
التوازنات الإقليمية ومتاهة الانكشاف
تتجسد أزمة الدولة العربية المعاصرة في مأزق الانكشاف الوظيفي بوصفه عجزاً بنيوياً يتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية ليمس جوهر السيادة في تمظهراتها الحيوية الشاملة، بدءاً من تأمين رغيف الخبز وصولاً إلى حماية الفضاء الرقمي، وهو الانكشاف الذي يمثل الثغرة الوجودية التي تنفذ منها الهندسة الجيوسياسية الإسرائيلية الساعية لإعادة صياغة المسرح الإقليمي كلياً. فالمشروع المهيمن لم يعُد يكتفي بأدوات الردع المألوفة، بل يطمح لتكريس مركزيته عبر قوة خشنة مباشرة، وأيضاً ناعمة ذكية وتغلغل مباشر في البنية الاقتصادية والسياسية، حيث يغدو التدمير الممنهج في غزة، والآن في جنوب لبنان وضاحية بيروت، وسيلة فلسفية وعملية لجعل الحياة مستحيلة وتغيير الخرائط بشرياً وجغرافياً ضمن رؤية هندسية تسعى لاحتكار مستقبل الغزيين.
وفي المقابل، تقف حركات المقاومة بنسبية تحالفتها مع بعضها في عام 2025، أمام مفترق طرق وجودي حاسم، فبعد سنوات من التمدد الهجومي استحال الخطاب إلى حالة دفاعية متآكلة تحت وطأة الحروب بالوكالة والاغتيالات النوعية التي طالت النخب القيادية، ما أحدث هشاشة عميقة في قواعد الاشتباك التاريخية وأضعف القدرة على المبادرة الفعلية. ويترافق هذا التعثر مع ارتهان الخطابين الإيراني والتركي والمصري للحسابات القومية الضيقة ولعبة "الاستثمار السياسي"، البراغماتي، حيث تُستدعى فلسطين كعنوان رمزي للتمدد الإقليمي دون التضحية بالمصالح الاستراتيجية الكبرى أو الاتفاقات الدولية، وهذا ما استغلته إسرائيل جيداً بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر (طوفان الأقصى)، ما ولَّد حالة من السيولة الاستراتيجية الناجمة عن تشتت بوصلة التهديد بين من يرى في إسرائيل خطراً وجودياً ومن يرى في التمدد الإقليمي المنافس خطراً متقدماً يستوجب التحالف مع الضد. ومن هنا، انقسمت الخطابات تجاه الأحداث في المنطقة وتجاه الهيمنة الإسرائيلية المُتجددة.
هذا التفتت في تعريف العدو وغياب الإجماع العربي حول مفهوم موحد للأمن القومي، حوّل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لكل أنواع التدخلات الخارجية، وهو ما يتجلى بأبشع صوره في "الجوع" الاستراتيجي الذي يعبر عنه ارتهان لقمة العيش للواردات الخارجية بنسب مخيفة. فالفجوة الواسعة في الميزان التجاري الغذائي، التي تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، تعني تجريد القرار السياسي العربي من سيادته ورهنه للأسواق الدولية والقوى الإمبريالية المتحكمة في سلاسل الإمداد، وهو مأزق ليس قدراً جغرافياً محتماً بقدر ما هو نتاج إخفاق السياسات التنموية الوطنية التي أهملت استثمار الذات والموارد، وركزت على الشعارات الكاذبة والقمع الوحشي، نظام البعثين في سوريا والعراق مثالاً، مما خلق انكشافاً وظيفياً يجعل من أي محاولة للاستقلال التاريخي أو المقاومة المنظمة مغامرة محفوفة بمخاطر الانهيار الاجتماعي الداخلي الشامل.
الكتلة التاريخية وآليات الفعل المقاوم
المخرج من هذا النفق المظلم ليس أمرا هيناً أبداً، لأن شعوب المنطقة وصلت لدرجة يرثى لها في كل المستويات والأفكار، لكن، ربما إذ بدأنا من استعادة مفهوم الكتلة التاريخية كما صاغه غرامشي وطوره الجابري؛ وهي ليست مجرد تحالف حزبي عابر، بل هي ضرورة تاريخية تجمع المثقفين، والحركات الاجتماعية، والقوى الوطنية بمختلف إسلاميتها ويساريتها، حول حد أدنى توافقي يهدف لاستعادة السيادة المستلبة، وهذا يتطلب بناء هذه الكتلة "مثقفين عضويين" ليس بالمعنى الشعاراتيّ فقط، لكن مثقفين يشتبكون مع قضايا المجتمع، مقتدين بنماذج كثيرة من التاريخ غير المُكتمل حلمه، والذين رأوا في المقاومة الثقافية فعلاً يومياً لا ينفصل عن الفعل السياسي، بل ويلتحم بما هو قائم من حركات مقاومة وجماهير وحواضن شعبية.
أما على مستوى الآليات، فقد بدأت تبرز في الواقع، ولاسيما بعد حرب الإبادة في غزة، حركات وتنسيقات تتجاوز رد الفعل اللحظي أثناء الحروب نحو عمل مؤسسي دائم. في تونس، نجد "الحملة الوطنية لدعم المقاومة"، التي تجمع ناشطين وقيادات طلابية من مختلف التيارات السياسية والمدنية في فعاليات مستمرة مثل "قافلة الصمود" وغيرها من الفعاليات. هذه التنسيقات لا تكتفي بالتظاهر، بل تفعّل سلاح المقاطعة الاقتصادية بشكل منهجي، كما نرى في الحملات الشبابية المتصاعدة ضد شركات مثل "كارفور" وغيرها من القوى الاقتصادية الداعمة للاحتلال، سعياً لفك الارتباط بالتبعية الاقتصادية. وفي لبنان، برزت مبادرات مثل "النداء الوطني للمقاومة الشاملة" "والبندقية والكتاب" ومجموعات شبابية أُخرى، تحاول تقديم رؤى تقف ضد الاحتلال والهيمنة، وأيضا تسائل المقاومة عن أخطائها وتلتحم معها في صناعة المسارات المُقاومة، مؤكدين على ضرورة التكامل بين الدولة والشعب والمقاومة، ورافضين محاولات عزل الفعل المقاوم أو محاصرته اجتماعياً ومالياً. هذه المبادرات تسعى لبناء دولة الحق والقانون التي تتجاوز المحاصصة الطائفية والمصلحية، وترى في المقاومة نموذجاً سلوكياً يحاكي قيم العزة والكرامة.
تواجه هذه الديناميكيات الشعبية اليوم تحديات جسيمة تتمثل في حملات التخوين الممنهج والضغط القضائي والإعلامي الذي يسعى لكسر الحراك وتحويله إلى نشاط مشبوه. ففي تونس مثلاً، تزامنت الإيقافات التي طالت نشطاء في أسطول الصمود مع حملات تشويه رقمية ممولة تهدف إلى ضرب المناخ السياسي والشعبي المساند للمقاومة، في محاولة لدمج المنطقة قسرياً في مسار التطبيع. وكذلك، في مصر يتم قمع وتشويه أي نشاط ومبادرات، لذا، فإن المهمة الأساسية للكتلة التاريخية اليوم هي صياغة ميثاق نبذ التخوين الذي يحمي المجال العام من الانقسام، ويحول التضامن من مجرد شعار موسمي إلى فعل ملموس ومستمر يربط بين التحرر من الاستبداد الداخلي والتحرر من الهيمنة الخارجية، كما ضرورة التنسيق مع جهود المجموعات الناشطة في أوروبا وأميركا، لإضفاء أممية خطابية نحو مقاومة إسرائيل وتجاوز، وفي هذه اللحظة، مشاحنات الكراهية والتي أصبحت لغة وخطاب أساسي عند الكثيرين من المقهورين في المنطقة.
نهاية، إن الصراع مع المشروع الصهيوني هو في جوهره، وفي لحظتنا التاريخية، صراع بين الكتلة الصلبة المُتمسكة بالمعنى، وبين السيولة التي ترغب في تذويب الإرادة الجماعية. إن موات السياسة والانكشاف الاستراتيجي هما الوجه الآخر للتفوق الإسرائيلي، ولا يمكن كسر هذه الدائرة إلا بالانتقال من العاطفة اللحظية إلى الفعل الاستراتيجي المنظم. بناء الكتلة التاريخية، وتبني مواثيق نبذ التخوين، ودعم التنسيقات الشعبية والمدنية في تونس ولبنان ومصر وسوريا وبلاد المنفى والاغتراب، على أرض الواقع، والرقمي أيضا، هي اللبنات الأولى لاستعادة السياسية العربية. فالتاريخ لا يصنعه السائلون ولا المشتتون، بل تصنعه الشعوب التي تملك الشجاعة لمواجهة عيوبها البنيوية، ومحاسبة قادتها، وإن كانت قيادة مقاومة، فلا شيء يمنع من محاسبتها ومراجعتها، والقدرة على صياغة مشروع إنساني تحرري يرى في فلسطين بوصلة للتحرر والحرية، وفي السيادة الوطنية والكرامة أساساً لكل نهضة حقيقية.
