الحرب الجارية بين إسرائيل وإيران ليست جوية فقط، كما توحي صور الصواريخ والغارات المتبادلة، بل تحمل أيضاً بعداً بحرياً متزايد الأهمية، وإن كان أقل ظهوراً في الإعلام. فمن خلف واجهة القتال الجوي، تؤدي البحرية الإسرائيلية أدواراً دفاعية وهجومية وردعية، تجعلها جزءاً فاعلاً في إدارة المواجهة، لا مجرد قوة مساندة على الهامش. وفي هذا السياق، تبرز الغواصات الإسرائيلية بوصفها السلاح الأكثر حساسية، لأنها تجمع بين التخفي والقدرة على الردع وإمكانية الضرب من مسافات بعيدة.
البحر جبهة دفاع متقدمة لإسرائيل
أحد الأدوار الأساسية للبحرية الإسرائيلية في الحرب ضد إيران يتمثل في حماية الجبهة البحرية الإسرائيلية من التهديدات القادمة عبر البحر. فإسرائيل لا تواجه فقط احتمال الصواريخ الباليستية أو الهجمات الجوية المباشرة، بل تخشى أيضاً المسيرات والصواريخ الجوالة التي يمكن أن تسلك مسارات بحرية أو تأتي من جبهات بعيدة، مثل البحر الأحمر. لذلك، تحولت القطع البحرية الإسرائيلية، وخصوصاً سفن ساعر 6، إلى جزء من منظومة الدفاع الجوي الشاملة، بعدما زودت بقدرات اعتراض متطورة، من بينها النسخة البحرية من القبة الحديدية.
هذا الدور لا يقتصر على حماية الساحل بالمعنى التقليدي، بل يشمل أيضاً حماية المرافئ والمنشآت الحيوية والبنية التحتية البحرية، وفي مقدمتها منصات الغاز في البحر الأبيض المتوسط التي تعد هدفاً استراتيجياً في أيَّة حرب طويلة أو متعددة الجبهات. كما أن اتساع رقعة التهديدات الإقليمية، من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، يمنح هذا الدور الدفاعي أهمية إضافية، لأنَّ أيَّ اختراق بحري أو هجوم من اتجاه غير متوقع قد يفرض على إسرائيل كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية مرتفعة.
استهداف القدرات البحرية الإيرانية
لكن البحرية الإسرائيلية لا تتحرك في إطار دفاعي فقط. فالمعطيات المعلنة أخيراً تشير إلى أن إسرائيل باتت تتعامل مع القدرات البحرية الإيرانية بوصفها جزءاً من البنية العسكرية التي ينبغي إضعافها خلال الحرب. وهذا يعني أن البحر لم يعد مجرد مجال لحماية الداخل، بل صار أيضاً ساحة ضغط على إيران نفسها، سواء عبر استهداف أصول بحرية، أو تعطيل منشآت مرتبطة بالإسناد والقيادة، أو تقويض قدرة طهران على استخدام البحر كورقة ضغط إقليمية.
هذه المقاربة تنسجم مع طبيعة الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، إذ لطالما اعتمدت طهران على أدوات بحرية غير تقليدية، مثل الزوارق السريعة، والتهديد بالألغام، والقدرة على تعطيل الملاحة، خصوصاً في الممرات الحساسة. ومن هنا، تدرك قيادة البحرية الإسرائيلية أن تحييد القوة البحرية الإيرانية لا يقل أهمية عن ضرب الصواريخ أو الدفاعات الجوية، لأن أي تصعيد في الممرات البحرية قد يوسع الحرب اقتصادياً ويضع المنطقة كلها تحت ضغط إضافي.
لذلك، يمكن القول إن البحرية الإسرائيلية تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تحمي المجال البحري الإسرائيلي، ومن جهة أخرى تساهم استخباراتها في إضعاف قدرة إيران على تحويل البحر إلى ساحة ابتزاز أو تصعيد. وهذه الوظيفة المزدوجة تجعلها لاعباً مهماً في الحرب، حتى إن لم تكن في واجهتها اليومية.
غواصات الدولفين والرؤوس النووية
إذا كانت السفن الصاروخية والكورفيتات تمثل الذراع البحرية الظاهرة نسبياً لاسرائيل، فإن الغواصات الإسرائيلية تمثل الذراع الأكثر خطورة وغموضاً. فغواصات الدولفين لا تقاس أهميتها فقط بما يمكن أن تطلقه من أسلحة، بل بما تفرضه من معادلة ردع. وتذهب تقديرات مراكز بحثية غربية إلى أن بعض هذه الغواصات قد تكون مزودة بصواريخ كروز من طراز بوباي توربو يعتقد أنها قادرة على حمل رؤوس نووية، بما يعزز دورها في ما يعرف بقدرة الضربة الثانية، من دون وجود تأكيد رسمي إسرائيلي على ذلك.
فمجرد وجود غواصات إسرائيلية في البحر، من دون معرفة مكانها بدقة، يعني أن جزءاً من القوة الإسرائيلية يبقى خارج متناول الضربة المباشرة، وقادراً على الرد في أيَّة لحظة. لهذا السبب، تعد الغواصات عنصراً مركزياً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فهي تمنح إسرائيل قدرة على جمع المعلومات الاستخبارية في مناطق بعيدة، ومراقبة التحركات البحرية الإيرانية، وتعقب الأنشطة المرتبطة بالقواعد أو الممرات الحساسة. كما أنها تمنحها، نظرياً على الأقل، قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف بحرية أو ساحلية إذا اتسعت الحرب واتخذت المواجهة طابعاً أشمل.
في المحصلة، لا تبدو البحرية الإسرائيلية رأس الحربة الظاهر في الحرب ضد إيران، لكنها تؤدي دوراً بالغ الأهمية في عمق هذه المواجهة. فهي تحمي الساحل والمنشآت الحيوية، وتشارك في تقويض القدرات البحرية الإيرانية، وتمنح إسرائيل عبر غواصاتها قدرة ردع يصعب قياسها بالصور اليومية للمعارك. وفي حرب مفتوحة على احتمالات التوسع، قد تكون القوة الأقل ظهوراً هي الأكثر تأثيراً في رسم حدود التصعيد.




