نفّذ الحرس الوطني في السويداء حملة اعتقالات طالت عدد من المدنيين والنشطاء السياسيين، خلال إحياء الذكرى الرابعة والأربعين لوفاة قائد الثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، في بلدة القريّا جنوب السويداء، في حادثة تعيد إلى الأذهان قمع نظام الأسد لإحياء هذه الذكرى بما تحمله من رمزية.
أكثر من 35 معتقلاً
بلغت حصيلة المعتقلين، وفق شهود عيان، نحو 36 معتقلاً، بينهم سيدات. وينتمي المعتقلون إلى تيارات سياسية واجتماعية مختلفة، من بينها الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني، والتجمع المدني من أجل سوريا، ورابطة المحاربين القدماء. وعُرف من المعتقلين: حمد أبو حلا، سلمان أبو مغضب، مؤيد فياض، نوفل المتني، عدنان أبو عاصي، سعيد الغضبان، محمد بركة، نضال غزالي، نضال أبو صبح، أيمن نوفل، نعمان أبو فخر، هدى اشتي، هدى أبو حصاص وعادل البعيني. وتتراوح أعمار المعتقلين بين 30 و85 عاماً، وغالبيتهم من المعارضة التقليدية لنظام الأسد، بينهم أطباء ومهندسون ومدرسون وضباط سابقون.
وبعد ساعات من الاعتقال والتحقيق، أفرج الحرس الوطني عن جزء من المعتقلين عبر "القضاء العسكري"، فيما استمر احتجاز ستة منهم على الأقل، عُرف منهم سعيد الغضبان ونضال أبو صبح. وادّعى الحرس الوطني، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن المشاركين أطلقوا شعارات استفزازية ودخلوا في شجار مع بعض الأهالي، ما دفع عناصره للتدخل واعتقال عدد كبير منهم بعد فضّ الشجار. إلا أن الوقائع وشهادات بعض المشاركين والمفرج عنهم تشير إلى نوايا مبيّتة وراء حملة الاعتقالات.
استنفار مسبق
وأكد يامن ش.، من أهالي بلدة القريّا، في اتصال مع "المدن"، أن الحرس الوطني استنفر منذ ساعات الصباح في صرح الباشا ومحيطه، واستدعى تعزيزات من خارج البلدة، وسط أجواء مشحونة ومتوترة. وأوضح أن وفوداً متفرقة بدأت بالوصول إلى الصرح منذ الساعة العاشرة صباحاً، كان أولها وفد من رابطة المحاربين القدماء، يضم مجموعة من الضباط السابقين.
وخلال قراءة أحد أعضاء الرابطة بياناً فوق ضريح الأطرش، وردت عبارات عن نضاله لتوحيد سوريا، وشعار "الدين لله والوطن للجميع"، ليقاطعه عناصر الحرس الوطني بمشادات كلامية تطورت إلى اعتقال جميع أعضاء الوفد، البالغ عددهم 12 ضابطاً متقاعداً.
وبعد أقل من نصف ساعة، وصل وفد آخر بحافلتين يضم نحو 24 شخصاً، بينهم سيدات. ومنذ اللحظات الأولى لوصولهم، تجمع حولهم عناصر الحرس الوطني وعدد من المدنيين الذين رفعوا أمامهم الأعلام الإسرائيلية، مع هتافات استفزازية. وطلب عناصر الحرس من الوفد الثاني الاكتفاء بقراءة الفاتحة فوق الضريح والانصراف فوراً، وهو ما حصل فعلاً. لكن خلال مغادرة الوفد، وُجّهت لهم إهانات واتهامات بالولاء للحكومة السورية، ما أدى إلى جدال بين أعضاء الوفد وأحد العناصر، انتهى باعتقال جميع أعضاء الوفد داخل الحافلتين، واقتيادهم إلى مدينة السويداء.
المكتب الأمني للحرس الوطني
وأكدت الناشطة إلهام ر.، وهي من بين الذين أُطلق سراحهم، في شهادتها لـ"المدن"، أن الوفد الذي كانت برفقته اكتفى بقراءة الفاتحة عند ضريح الأطرش، وأن الحرس الوطني اعتقلهم خلال مغادرتهم بلدة القريّا. وأوضحت أنهم احتُجزوا بداية داخل الحافلتين عند نقطة تفتيش على مدخل البلدة لمدة ساعة تقريباً، تلقوا خلالها شتائم وإهانات واتهامات بالعمالة.
وأضافت أن ثلاث دوريات تابعة للحرس الوطني وصلت من مدينة السويداء، واقتادتهم إلى فرع الأمن العسكري سابقاً، الذي يتخذه الحرس الوطني اليوم مقراً لمكتبه الأمني. وفي المقر، أخضعهم العناصر لتفتيش دقيق، وصادروا هواتفهم المحمولة بعد إجبارهم على فتحها، ثم بدأوا بتسجيل بياناتهم وسط سيل من الإهانات والشتائم.
وبينما احتُجز بعض المعتقلين داخل الزنزانات، جرى تحويل القسم الأكبر إلى مقر القضاء العسكري التابع للحرس الوطني بالقرب من ساحة تشرين. وأوضحت أن التحقيقات أشرف عليها القاضي باسل أبو فخر، مشيرة إلى تحسن المعاملة بعد نقلهم إلى مقر القضاء العسكري. وشملت التحقيقات تسجيل البيانات الشخصية، واستجوابهم حول أسباب توجههم إلى ضريح الباشا، وما إذا كانت لديهم أي علاقات مع أشخاص مرتبطين بالحكومة السورية، قبل أن يُفرج عنهم بعد التوقيع على أقوالهم.
نشطاء قيد الاعتقال
وأكدت مصادر "المدن"، أن الحرس الوطني لم يُفرج عن جميع المعتقلين، إذ استمر احتجاز ستة منهم يواجهون تهمة الانتساب إلى "التيار الثالث". وتشير المصادر إلى أن هؤلاء لا يزالون محتجزين لدى المكتب الأمني التابع للحرس الوطني، وسط مخاوف من استمرار اعتقالهم.
ويُطلق اسم "التيار الثالث" على مبادرة سياسية أعلنتها مجموعة من الناشطين السياسيين من أبناء السويداء في شهر فبراير الماضي، بهدف كسر حالة الاستعصاء السياسي، والبحث عن مخرج للأزمة التي تعيشها المحافظة منذ أحداث تموز الدامية.
وتؤكد المبادرة أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وتدعو إلى الحوار مع دمشق للتوصل إلى حلول ضمن إطار وطني، تضمن عودة المهجّرين إلى قراهم وبيوتهم، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، والإفراج عن جميع المختطفين، وتعويض المتضررين. ورغم أن هذه المبادرة لم تحظَ بتفاعل يُذكر داخل السويداء، فإن طرحها لمسألة الحوار مع دمشق عرّض الموقعين عليها لحملة تخوين واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وباتت بمثابة "تهمة" لدى سلطات الأمر الواقع.
