وجدت دول الخليج العربي ولبنان والأردن نفسها وسط حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي وإيران، لم تعلن الدخول فيها طرفاً، ولم تؤيد فيها طرفاً ضد آخر. وكان بارزاً الجهد الذي بذلته بعض الدول العربية، خصوصاً المملكة العربية السعودية ودولة قطر، لجهة الدعوة لتغليب لغة الحوار والحل السلمي للخلافات، عبر سعيها لدى الإدارة الأميركية للجوء إلى المفاوضات، بدلاً من الحرب التي واظب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على التهديد بشنها. وعلى الرغم من ذلك، تقول الاحصاءات إن نصيب دول الخليج العربي، من الصواريخ والمسيرات الحربية الإيرانية، بلغ أضعاف عدد ما أطلقته إيران على دولة الاحتلال الإسرائيلي. وتُظهر الوقائع، أن الخاسر الأكبر من هذه الحرب هي دول الخليج العربي في استقرارها وأمنها واقتصادها، بعد استهداف إيران منشآتها النفطية والحيوية، وتهديدها المتواصل باستهداف حتى معامل تحلية المياه فيها.
خمس عواصم خليجية
ولهذا السبب، يبدو من غير المفهوم لدى كثيرين، الضربة العسكرية التي وجهتها إيران لمنشآت حقل رأس لفان الغازي القطري، رداً فورياً على الضربة الإسرائيلية التي استهدفت منشآت الطاقة في حقل بارس جنوب إيران، في حين أنه كان بإمكان صواريخها أن تطال المنشآت الغازية الإسرائيلية في البحر المتوسط وتدمرها انتقاماً. وكانت إيران قد بدأت باكراً باستهداف خمس عواصم خليجية، هي الرياض والدوحة وأبو ظبي والكويت والمنامة، منذ اليوم الأول للحرب، في 28 فبراير/ شباط الماضي، ثم مسقط وعمَّان في مرحلة لاحقة، في إطار ردها على الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها. وقد طالت ضرباتها العسكرية، مطارات ومصافي نفط ومواقع عسكرية وفنادق ومواقع مدنية أخرى. إضافة إلى ذلك، ومن أجل خنق اقتصادات دول الخليج وزيادة خسائرها، عملت إيران على إغلاق مضيق هرمز، وهذا ما أوقف شحنات البترول والغاز، وأوقف الإنتاج فيها. ولم يتوقف مسلسل الاستهدافات الإيرانية لدول الخليج، مع كل ضربة عسكرية على إيران، بل تصاعد، وهددت إيران المنشآت الحيوية المدنية في هذه الدول، رداً على التهديدات الأميركية بتصعيد الحرب ضدها. وقد تتوجت تلك التهديدات، بالإشارة الإيرانية المتكررة إلى احتمال أن تطال ضرباتها محطات تحلية المياه في جميع دول الخليج، وهي إن وقعت، ستكون بمثابة جريمة حرب بفعل الكارثة الإنسانية التي يمكن أن تتسبب بها، وقد أدخل هذا التهديد القلق والخوف لدى عموم أبناء تلك الدول وقاطنيها.
ولم ينجُ لبنان من هذه الحرب؛ إذ شنت دولة الاحتلال الإسرائيلي عليه حرباً تدميرية، رداً على إطلاق حزب الله صواريخ على مواقع عسكرية إسرائيلية، ضمن دوره في إسناد إيران، معترفاً على لسان وفيق صفا، عضو مجلسه السياسي في لقاء صحافي: "دخلنا هذه المعركة ثأراً لسماحة القائد"، ويقصد المرشد الأعلى علي خامنئي. وإذ كان الإسرائيليون يحتاجون ذريعة مثل هذه لضرب لبنان، جاء ردهم فورياً، عبر استهداف جميع القرى جنوب نهر الليطاني، وقضاء صور. وتوسعت هجماتهم لتطال الضاحية الجنوبية وأحياء أخرى في بيروت، مع تواصل عمليات الاغتيال لكوادر حزب الله. وقد عمقت هذه الهجمات الأزمات التي تعاني منها الحكومة اللبنانية، خصوصاً بعد تهجير ما يقارب مليون نسمة من الضاحية ومن القرى الجنوبية التي دمرها القصف الإسرائيلي تدميراً كلياً، أو تلك التي حددها الإسرائيليون أهدافاً على لائحة القصف، مع الإعلان عن عزمهم احتلال منطقة حدودية تبلغ مساحتها 10% من مساحة البلاد، لإنشاء منطقة أمنية عازلة فيها.
حرب على الدول العربية
وبالعودة إلى ما لحق دول الخليج من أضرار، وما تلقته من هجمات عبر الصواريخ والمسيرات الإيرانية، فقد أفاد معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، في اليوم الرابع للحرب، أن إيران أطلقت على دول الخليج صواريخ ومسيَّرات، أكثر بمرتين ونصف من تلك التي أطلقتها على دولة الاحتلال. ثم بعد 11 يوماً من بدء الحرب، صدرت إحصائية عن وزارات الدفاع في مجلس التعاون الخليجي، تفيد بأن ما أطلقته إيران من صواريخ ومسيَّرات تجاه دول الخليج يبلغ سبعة أضعاف ما أطلقته على إسرائيل خلال الفترة ذاتها. ثم بعد 22 يوماً من بدء الحرب، ظهرت إحصائية لوسائل إعلام عربية تفيد بأن الفارق تراوح بين خمسة وستة أضعاف. وتكفي هذه الإحصاءات لتوحي أن الحرب هي حرب على الدول العربية، شنتها إيران في إطار ردها الذي أرادت فيه أن توجع الإسرائيليين والأميركيين فأوجعت جيرانها العرب، وأعادت عدم الثقة بين الطرفين إلى ما كان عليه في الأيام الأولى للثورة الإيرانية، حين تبنت عقيدة تصدير الثورة.
وإذ تبرِّر طهران هجماتها على دول الخليج بأنها تستهدف القواعد الأميركية فيها، فإن في هذا عدم احترام لسيادة هذه الدول ولخياراتها فيما يخص حقها بإقامة تحالفات مع قوى دولية لزيادة قدراتها الدفاعية، وهو ما ظهر عبر التصدي الناجح للصواريخ والمسيَّرات الإيرانية التي استهدفت هذه الدول وإسقاط عدد كبير منها. غير أن التبريرات الإيرانية لا يمكن لها أن تنفي التأثيرات المباشرة لهذه الهجمات وتداعياتها على دول الخليج، وإمكانية حدوث تحول استراتيجي عميق في هذه الدول يتعلق بسيادتها، نتيجة تحويلها من منطقة استقرار وجذب اقتصادي، إلى ساحة صراع وحرب مفتوحة تستنزفها، وتؤثر بتداعياتها على العالم أجمع.
جر العرب للحرب
وهنا يبرز السؤال حول الهدف الحقيقي لإيران من وراء استهدافها دول الخليج والإيحاء لحزب الله بدخول الحرب وجر الويلات للبنانيين. إذا كان الهدف هو جر العرب إلى الدخول في الحرب، كما تصور بعض المحللين السياسيين الدوليين، فإن ثمة حكمة أبدتها الدول العربية في الخليج في الامتناع عن ذلك. فقد امتنعت عن الرد على الهجمات الإيرانية التي أخذت شكل المقامرة لفرض هذا الأمر، وهي الهجمات التي كان يمكن أن تتضاعف أكثر لتقويض هذه الدول، وإدخالها في حرب استنزاف طويلة تأتي بمزيد من الدمار لهذه البلدان. ولم يتأخر الإيرانيون في تأكيد هذه الهواجس؛ إذ جاء التأكيد سريعاً على لسان رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، عبر حسابه على منصة "إكس"، في معادلة غريبة، حين قال رداً على تهديد ترامب بتدمير معامل انتاج الطاقة الإيرانية أنه سيتم تدمير البنى التحتية الحيوية والبنى الحيوية للطاقة والنفط على امتداد المنطقة، تدميراً لا يمكن إصلاحها بعده، من دون تبرير دوافع بلاده لاستهداف دولٍ لم تهاجم بلاده.
ولهذا، يحق لدول الخليج والحال هذه، أن تطالب بوجوب مشاركتها في المفاوضات الخاصة بالتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، لتأكيد أن يتضمن شروطاً تخص السياسيات الإيرانية وممارساتها في المنطقة، كما قال أمين عام مجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، قبل أيام. كما يحق لهذه الدول أن تبحث في جميع السبل لحماية أراضيها في وجه المخاطر التي تضمرها إيران، والتي تبين أنها لا تأبه بسيادة هذه الدول، لديها الخطط المعدة سلفاً لتهديد استقرارها، واستنزاف مقدراتها.
