ليس محمد باقر قاليباف مجرد اسم في هرم السلطة الإيرانية، بل هو تكثيف شبه نموذجي لمسار الدولة نفسها: من ثورةٍ حملت السلاح، إلى نظامٍ أعاد إنتاج القوة في مؤسسات، ثم صاغها في لغة إدارةٍ وسياسة. في سيرته، تتجاور الحرب مع البيروقراطية، وتلتقي البراغماتية مع الصرامة، من دون أن تلغي إحداهما الأخرى.
وُلد قاليباف في العام 1961 في مدينة مشهد، في محافظة خراسان شمال شرقي إيران، لأسرة فارسية محافظة تنتمي إلى الطبقة الوسطى. ونشأ في بيئة دينية تقليدية، قبل أن يجد نفسه، مع اندلاع الثورة الإسلامية ثم الحرب مع العراق، داخل المسار الذي حدد هويته السياسية: الحرس الثوري.
جيل الحرب: رأس المال المؤسس
وفي الحرب العراقية–الإيرانية، قاد قاليباف "فرقة نصر الخامسة"، إحدى الوحدات التي خاضت معارك شديدة الكلفة. لم تكن تلك التجربة مجرد خدمة عسكرية، بل شكلت ما يمكن تسميته "رأس المال المؤسس" لجيلٍ كامل داخل النظام، جيل يستمد شرعيته من الجبهة، لا من الصندوق.
هذا الرصيد فتح له الطريق داخل بنية الحرس الثوري، حيث تولى لاحقاً قيادة سلاح الجو، وانخرط في شبكاتها الاقتصادية، خصوصاً في قطاع البناء. ومنذ ذلك الحين، باتت الثنائية التي تحكم مسيرته واضحة: قوة عسكرية، وسلطة تنفيذية.
المدينة كامتداد للأمن
وعندما انتقل إلى رئاسة بلدية طهران (2005–2017)، بدا كأنه يعيد تعريف نفسه. ظهر بوصفه "مديراً حديثاً"، يقود مشاريع بنية تحتية كبرى، أبرزها توسعة شبكة المترو، ويقدم خطاباً أقرب إلى الكفاءة والإنجاز.
لكن هذا التحول لم يكن قطيعة مع ماضيه، بل إعادة صياغة له. فالإدارة عند قاليباف لم تنفصل عن منطق الضبط، بل استندت إليه. المدينة لم تكن فضاءً اجتماعياً مفتوحاً بقدر ما كانت مجالاً يجب تنظيمه، وترتيب حدوده.
وقد تجلى ذلك بوضوح في قرارات ذات طابع اجتماعي، منها توجيهاته في العام 2013 باستبعاد النساء من وظائف إدارية في بلدية طهران — كالسكرتارية والإدارة المكتبية — واستبدالهن برجال، في خطوة عكست تصوراً محافظاً لدور المرأة في المجال العام، بقدر ما عكست نزعة تنظيمية صارمة.
القمع بوصفه ممارسة واعية
وفي لحظات الاحتجاج، تتبدد اللغة الإدارية سريعاً، ويظهر الأساس الذي لم يغادره قاليباف يوماً. وخلال احتجاجات الطلبة عام 1999، كان من بين قادة الحرس الثوري الذين لوحوا بالتدخل المباشر إذا لم تُقمع التظاهرات. لكن ما يميّز موقعه ليس فقط هذا الموقف، بل إقراره العلني لاحقاً بمشاركته الميدانية في القمع، إلى جانب قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، قائلاً إنه كان من الذين "يحملون العصي ويضربون المحتجين"، وإنه "فخور" بذلك.
هذا الاعتراف لا يُقرأ كواقعة منفصلة، بل كمدخل لفهم تصور متكامل: "القوة ليست استثناءً في إدارة الدولة، بل إحدى أدواتها الأصلية".
في هذا السياق، لم يُبدِ قاليباف تردداً في دعم المقاربة الأمنية خلال احتجاجات "مرأة، حياة، لحرية" في العام 2022، منتقداً ما اعتبره تأخراً في فرض قوانين الحجاب. وفي الاحتجاجات الاقتصادية الأخيرة، ذهب أبعد، واصفاً إياها بأنها "شبه انقلاب"، ومرتبطاً في خطابه بين الحراك الشعبي ومفردات "الإرهاب".
الطموح وحدود التوازن
وبالرغم من هذا الحضور داخل النظام، لم يتمكن قاليباف من الوصول إلى الرئاسة، بالرغم من ترشحه المتكرر. وحاول في أكثر من محطة تقديم نفسه كسياسي براغماتي، منفتح على الاقتصاد العالمي، وقادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغة مختلفة.
لكن هذه المحاولات بقيت محكومة بحدود واضحة: صورة أمنية يصعب تجاوزها، وملفات فساد ظلت تلاحقه، من إدارة بلدية طهران إلى فضائح طالت محيطه العائلي.
واليوم، يشغل قاليباف منصب رئيس البرلمان، ويعمل ضمن شبكة معقدة من مراكز القوة، يتقاطع فيها السياسي مع الأمني. علاقاته داخل الحرس الثوري تمنحه موقعاً مؤثراً، لكنه لا يمثل خروجاً عن النظام، بل أحد تجلياته الأكثر وضوحاً.
الرجل الذي يُقرأ من الخارج
في هذا الإطار، برز اسم قاليباف في القراءة الأميركية بوصفه "عنواناً ممكناً" داخل النظام الإيراني. والرهان هنا لا يقوم على كونه الأكثر نفوذاً، بقدر ما يقوم على كونه الأكثر قابلية للاختزال: شخصية واضحة، صلبة، يمكن تصورها كـ"طرف" في معادلة تفاوض.
هذا النوع من القراءة، الذي ميّز مقاربة دونالد ترامب في أكثر من ملف، يميل إلى اختزال الأنظمة المعقدة في شخصيات يُفترض أنها قادرة على اتخاذ القرار. وفي هذا الاختزال، تصبح "القوة" معياراً كافياً للرهان. لكن هذه القوة، في حالة قاليباف، ليست صفة مجردة. إنها حصيلة مسار تشكل في الحرب، وترسخ في الأجهزة الأمنية، وظهر في التعامل مع المجتمع عند أول اختبار.
وهنا، تتشكل مفارقة يصعب تجاوزها: الصفة التي قد تجعل قاليباف مقبولاً كشريك تفاوضي — صلابته — هي نفسها التي تأسست عبر قمع الشارع الذي يُدعى إلى تمكينه.
بين الخطاب والرهان
وفي العلن، يبدو المشهد بسيطاً: دعوة إلى الإيرانيين لاستعادة بلدهم، مقابل بحث عن قناة داخل النظام. لكن في العمق، يتجاور مساران مختلفان: خطاب يتوجه إلى المجتمع، ورهان يتجه إلى الدولة. وبين الاثنين، يقف قاليباف بوصفه نقطة التقاء لا تلغي التناقض، بل تكشفه.
فالرجل الذي قد يُقرأ كـَ "شريك محتمل" هو نفسه الذي أقرّ بمشاركته في قمع المتظاهرين، ودافع عن تشديد الضبط الاجتماعي، ووصف الاحتجاجات بلغة أمنية صريحة. أي إن قناة التفاوض، إن وُجدت ـــ سيما أن قاليباف نفسه نفى وجودهاـــ، تمر عبر أحد أكثر تمثيلات النظام صلابة، لا عبر هوامشه.
بهذا المعنى، لا يقدم قاليباف بوصفه استثناءً داخل الجمهورية الإسلامية، بل كأحد أكثر نماذجها اكتمالاً، رجل خرج من الحرب، وتثبت في الأمن، وتكيف مع السياسة، من دون أن يتخلى عن منطقه الأول.
ولذلك، فإن الرهان عليه لا يطرح فقط سؤالاً عن شخصه، بل عن المقاربة نفسها:
هل يمكن اختزال نظام معقد متعدد الطبقات كالنظام الإيراني في "رجل قوي"؟ أم أن هذا الاختزال، بحد ذاته، يعيد إنتاج المفارقة التي يحاول تجاوزها؟
