حقل ألغام في حرب إسرائيل الدائمة

حلمي موسىالأربعاء 2026/03/25
Image-1774460893
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

تجد إسرائيل نفسها هذه الأيام في حقل ألغام داخلي وخارجي يصعب الخروج منه، على الرغم من أن الجو العام داخل الحكومة والمجتمع الإسرائيلي لا يزال مبتهجاً بما تحقق خلال الحرب على إيران. ويرى البعض في الحديث عن الاتصالات والمفاوضات الإيرانية الأميركية، أحد جوانب حقل الألغام هذا، وربما الجانب الأهم فيها، خصوصاً في ظل الانتقادات الداخلية الأميركية لهذه الحرب واحتمال أن تبحث إدارة الرئيس دونالد ترامب عن مخرج منها. ولكن، وحتى من دون هذا الجانب الأميركي، على أهميته، لا يمكن تجاهل أثر الحلبة الداخلية في حقل الألغام هذا، خصوصاً وأن الموعد النهائي لعرض الميزانية العامة ينفذ نهاية شهر آذار/مارس الجاري. وحسب القانون الإسرائيلي إذا لم تُقرّ الميزانية العامة حتى نهاية هذا الشهر، تنتهي ولاية الكنيست ويصير من الضروري إجراء انتخابات جديدة خلال ثلاثة أشهر.

 

واضح أن المفاوضات الإيرانية-الأميركية، إن جرت، لا تستجيب للمطامح الإسرائيلية التي انطلقت من مبدأ أن هذه الحرب ستقضي على النظام الإيراني ومشروعه النووي وسلاحه الصاروخي وقدرات إيران العلمية. ومجرد بقاء النظام، حتى بعد إضعافه، يعني في نظر خبراء إسرائيليين تعريض الدولة العبرية لانتقام شديد ولو بعد حين. وأكثر ما تخشاه إسرائيل أن يتطلع الرئيس الأميركي عبر المفاوضات، إلى محاولة تحقيق مكسب سياسي سريع للتأثير على الساحة  الاقتصادية العالمية. ويرى الخبراء أن التوصل إلى أي "اتفاق مبدئي" ينقل المعركة من ساحتها العسكرية حيث التفوق وزمام المبادرة أميركي-إسرائيلي، إلى طاولة المفاوضات حيث خبرة وصبر الإيرانيين وقدرتهم على كسب الوقت. والمشكلة الأشدّ لإسرائيل هي أنه إذا كانت لأميركا مصلحة في وقف الحرب، فإن إسرائيل عاجزة ليس فقط عن منع أميركا من ذلك، وإنما أيضا عاجزة عن مواصلة الحرب منفردة.

 

وفي الحلبة الداخلية، ولمنع سقوط الحكومة نهاية هذا الشهر، ستعقد الكنيست جلسة استثنائية اليوم الخميس، للموافقة النهائية على الميزانية قبل خمسة أيام من الموعد النهائي القانوني لإقرارها. ويتوقع أن تمتد الجلسة إلى موعد قريب من منتصف ليل الجمعة/الجمعة، حيث إذا لم تُقرّ تُستأنف المداولات يوم الأحد. وواضح أن الحكومة تحاول من خلال حشر المداولات بين يومي الخميس والجمعة، ضغط الجميع في أضيق وقت لإقرار الميزانية ومنع إشغال الحكومة طويلاً بها في ظل الحرب. وحسب الخطة المعلنة فإن هذا الانعقاد الاستثنائي يتضمن التصويت على الميزانية بالقراءتين الثانية والثالثة، حيث أنه إذا لم تقر نهائياً قبل يوم الثلاثاء المقبل، تسقط الحكومة.

ويبدو أن حكومة نتنياهو التي أفلحت في تمرير الميزانية بالقراءة الأولى في الكنيست ثم في اللجان البرلمانية المختصة، تشعر أن لديها القدرة على تمرير الميزانية بالقراءتين الثانية والثالثة بتفاهم مع الأحزاب الحريدية التي انسحبت من الائتلاف. ويشجع على ذلك نجاح الحكومة في ظل الحرب في تقليص الخلاف حول قانون تجنيد الحريديم من جهة، وتوفير مليارات الشواقل لمؤسساتهم من جهة أخرى. بل أن ما يشجع الحريديم على التصويت لصالح الميزانية أيضاً، ميل حكومة نتنياهو لتلبية طلباتهم، خصوصاً بعدما أقر الائتلاف في الكنيست شطب قرار للمحكمة العليا كان يقيد عمل المحاكم الدينية.

وهكذا ورغم كل المصاعب التي تواجه حكومة نتنياهو، فإنها على الأغلب قادرة على تمرير الميزانية العامة قبل انتهاء المهلة القانونية، وأنه سيكون بيد نتنياهو تحديد موعد الانتخابات. وحسب شالوم يروشلمي في "زمان إسرائيل"، فإن نتنياهو "يضمن أغلبية 65 عضواً في الكنيست لصالح الميزانية، بعد أن خصص للحريديم وشركائه في ائتلاف الصهيونية الدينية أموالاً تزيد عن خمسة مليارات شيكل. هذه المبالغ الضخمة، بالإضافة إلى تمرير قانون توسيع صلاحيات المحاكم الحاخامية لتشمل التحكيم المدني، وهو ما عوّض الحريديم عن مشروع قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية".

 

مقامرة التوقيت

وتعتقد حكومة نتنياهو أن المعارضة لن تتشدد في موقفها ضد الميزانية، خصوصاً لأن الحرب دائرة ولأن أحد المكونات الأساسية للميزانية، هو ميزانية الحرب ذاتها. ولكن ليس بالضرورة أن تتجاوب أحزاب المعارضة مع تقديرات وتمنيات حكومة نتنياهو، إذ أشارت الصحف الإسرائيلية إلى أن المعارضة ستحاول كسب الوقت بعرض تحفظات على بنود الميزانية لتأجيل إقرارها وبالتالي اسقاط الحكومة. وتقول المعارضة إنه يجب منح ثلاثة أيام بين إقرار الميزانية في اللجنة المالية في الكنيست وعرضه للتصويت في الجلسة العامة. وهذا ما لم يحدث، وربما سيثير خلافاً كبيراً، خصوصاً أن الحكومة ارتأت تأجيل التصويت على الميزانية حتى اللحظة الأخيرة، في نوع من المقامرة الواضحة.

وكان يفترض أن تدخل الكنيست في إجازة عيد الفصح هذا الأسبوع، وهو ما لم يحدث بسبب تأجيل العطلة في سابقة تحدث لأول مرة في الكنيست. وقالت عضو الكنيست عن حزب "هناك مستقبل"، ومنسقة كتل المعارضة ميراب بن آري: "لا أتذكر متى في السنوات الأخيرة، تم التصويت على ميزانية الدولة في الأسبوع الذي يسبق عيد الفصح". ولكن رد الحكومة على هذه الاعتراضات جاهز وهي أن تبرير التوقيت ودواعي التأخير، يرتبط أساساً بمجريات الحرب ومتطلباتها.

ولكن الحرب، حتى بوتيرتها الشديدة، ليست على وشك الانتهاء. فما تم تقديره أولاً بالأيام بات يُقدّر بالأسابيع، وربما بالشهور، بعد أن صارت الحرب مع إيران نوعاً من حرب استنزاف واحتمالات توسعها بعد انخراط حزب الله بها وانضمام الحشد الشعبي العراقي إليها، وتهديدات الحوثيين بالتدخل. ورغم بلورة حكومة نتنياهو والجيش الإسرائيلي لنظرية "الحرب الدائمة"، إلا أن ترجمات ذلك على الأرض باتت مكلفة، وربما غير مقدور عليها على المدى المتوسط  أو البعيد. وإذا كانت تكلفة حرب الاثني عشر يوماً الحربية فقط، بلغت 22 مليار شيكل (7 مليار دولار)، فإن التكلفة الحربية لهذه الحرب حتى الآن تتراوح بين 50-60 ميار شيكل (17-20 مليار دولار). والأهم أن هذه التكلفة تضاف إلى ما لم يتم تعويضه حتى الآن من تكلفة الحرب على غزة. وبحسب بنك إسرائيل المركزي، فإن تكلفة الحرب منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى بدء حرب إيران الثانية، تتجاوز 350 مليار شيكل (ما يزيد عن 117 مليار دولار). 

 

زيادة غير كافية

بحسب صحيفة "كالكليست" الاقتصادية، فإن عمليات ترقيع ميزانية الدفاع التي جرت وتجري حتى الآن، غير كافية. وخلافاً للمعونات العسكرية الأميركية، زادت ميزانية الدفاع في إسرائيل مؤخرا لتبلغ 144 مليار شيكل (ما يزيد عن 47 مليار دولار) من ميزانية عامة لا تزيد كثيراً عن 200 مليار دولار. وهذا يعني أن ميزانية الدفاع تقترب من ربع الميزانية العامة الأمر الذي يثقل جداً على ميزانيات الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية على وجه الخصوص. بل أن الجيش، رغم زيادة ميزانيته، مدين للصناعات العسكرية وخصوصا شركتي "ألبيت" والصناعات الجوية، بمليارات الدولارات واجبة السداد. وواضح أن حاجة الجيش للأموال تفوق كل هذه الزيادات لتغطية المتطلبات في الجبهات "سواء تلك المشتعلة والمتصاعدة أو تلك التي تغلي تحت السطح".

 

وقد دفع هذا عدداً من المعلقين الاقتصاديين إلى التنبيه من مخاطر فتح الجبهة الثانية مع حزب الله في لبنان في ظل هذه الأوضاع. إذ تحارب حالياً في الجبهة اللبنانية أربع فرق، على الرغم من أنها لا تزال تعمل براً على نطاق ضيق. وحسب التقديرات، فإن الجيش حالياً بحاجة إلى تمويل إضافي لا يقل عن عشرة مليارات دولار قبل الحديث عن تكلفة عملية برية واسعة في لبنان. ويشعر أغلب المعلقين في إسرائيل بأن تباهي الجيش الإسرائيلي بإنجازاته في لبنان، كان "سابقاً لأوانه"، "لا سيما في ضوء قدرات حزب الله على إعادة الإعمار، والتي كانت أسرع من وتيرة الهجمات عليه".

في كل حال، ووفق التقديرات، فإن تكلفة كل يوم قتال للجيش الإسرائيلي تتراوح ما بين 1.5 و1.7 مليار شيكل. وهذا ما دفع حكومة نتنياهو لإعلان زيادة ميزانية الدفاع قبل نحو أسبوعين مقرونة بتخفيضات شاملة بنسبة 3.5% في ميزانيات كل الوزارات الحكومية. ومن المتوقع، في ظلّ وتيرة العمليات الجوية المكثفة واستهلاك الذخائر، أن يضطرّ المواطن الإسرائيلي إلى التخلي عن المزيد من الخدمات العامة الضرورية، خصوصاً أن الجيش يطالب بـ33 مليار شيكل آخرى ما يرفع ميزانية الدفاع إلى 177 مليار شيكل. 

عموماً، فإن حقل الألغام الفعلي الذي تعيش فيه إسرائيل يكمن في حقيقة أن القوة وحدها ما لم تترافق مع جهد سياسي واقعي، لا يمكن لها أن تخلق بنفسها واقعاً سياسياً بديلاً. وتجربة حرب لبنان الأولى إسرائيلياً هي بين أوضح النتائج كما أن حربي أفغانستان والعراق ليستا أقل دلالة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث