أثار بيان الزعيم الروحي لدروز سوريا الشيخ حكمت الهجري موجة واسعة من الجدل في محافظة السويداء، وانتقادات حادّة من أصوات داخل السويداء، بعد أن وجه رسائل خارجية وداخلية، تمثلت في تأييد للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، وطرح متجدد لقضية "الاستقلال الناجز"، وهذا ما أعاد طرح تساؤلات حول مساعي الهجري للزج بدروز سوريا في "لعبة الأمم"، وهو مصطلح لطالما حذّر منه سياسيون ورجال دين دروز.
هذا الجدل عكس انقساماً واضحاً بين معارضين اعتبروا خطاب الهجري تصعيداً غير محسوب يضع دروز سوريا في قلب صراعات إقليمية تفوق قدرتهم، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع داخل السويداء اقتصادياً وخدمياً، ومؤيدين يرون في الخطاب تعبيراً عن خيار سياسي واقعي في ظل غياب مشروع وطني جامع في سوريا.
تأييد الحرب وخيارات الاصطفاف
الموقف الأكثر إثارة للجدل في بيان الهجري كان إعلانه تأييد الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهو موقف نادر في الخطاب المحلي، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الاصطفافات السياسية التي يسعى لترسيخها، في خطوة فسّرها خصومه بأنها إصرار على الخروج عن الحياد التقليدي الذي كان سمة المجتمع الدرزي في سوريا.
هذا الطرح قوبل بانتقادات حادة، إذ رأى الناشط السياسي طارق الصفدي أن الهجري يتحدث كما لو أنه رئيس دولة مستقلة ومزدهرة، متهماً إياه بالمبالغة في توصيف الواقع وبمحاولة استثمار الضربات الإسرائيلية الأخيرة للحصول على دعم سياسي وأمني، عبر تقديم نفسه حليفاً مباشراً لواشنطن وتل أبيب في وقت يعجز فيه عن تأمين أدنى حد من متطلبات المعيشة للسكان في السويداء.
بينما دافع الأستاذ سعيد الحرفوش عن هذا التوجه، معتبراً أن الوقوف إلى جانب المشروع الإسرائيلي يشكل "خياراً استراتيجياً صحيحاً" في ظل ما يراه تخلياً سورياً وعربياً عن حماية المحافظة، معتبراً أن هذا الموقف يحظى بدعم شريحة واسعة من المجتمع داخل السويداء.
فيما برزت أصوات دينية واجتماعية دعت الهجري إلى الحكمة، حيث حذر الشيخ جمال الدين برغشة من تبعات الابتعاد عن المحيط العربي، مؤكداً أن عزل المكون الدرزي عن بيئته الإقليمية قد يضعه في موقع أكثر هشاشة بدلاً من أن يوفر له الحماية التي يسعى إليها. هذه التحذيرات عكست قلقاً من أن يتحول الخطاب السياسي المتصاعد إلى عبء إضافي على مجتمع يعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وأمنية متراكمة.
الاستقلال الناجز: خطاب يتجاوز الوقائع
إلى جانب الاصطفاف الإقليمي، أعاد الهجري طرح مسألة "الاستقلال الناجز" بوصفها حقاً مشروعاً، وهو طرح اعتبره منتقدوه قفزاً فوق الوقائع الميدانية والسياسية المعقدة التي تعيشها المحافظة.
الصفدي وصف الحديث عن "استقلال ناجز" بأنه محاولة "لذر الرماد في العيون"، متسائلاً عن جدوى الحديث عن كيان مستقل في وقت تعجز فيه المحافظة عن تأمين رواتب موظفيها أو تشغيل أفرانها دون منحة منظمة الغذاء العالمي. واعتبر أن هذا التناقض بين خطاب سياسي مرتفع السقف وواقع خدمي ومعيشي منهار بات ينعكس على نحوٍ سلبي على التفاف الدروز داخل سوريا حول موقف الهجري، ويساهم في تراجع شعبيته.
بينما رأي الحرفوش أنَّ "الاستقلال بكرامة حق مدعوم شعبياً"، وربط ذلك باستمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية على السويداء، معتبراً أن المجتمع المحلي بات مضطراً للبحث عن خيارات خارج إطار الدولة السورية.
انتقادات داخلية: تجاهل للأزمة المعيشية
بعيداً عن القضايا الإقليمية، ركزت غالبية الانتقادات المحلية على ما اعتبرته تجاهلاً واضحاً للأزمات المعيشية والخدمية التي تضغط على سكان السويداء منذ سنوات. ناشط سياسي من داخل المحافظة -فضل عدم ذكر اسمه- وصف البيان بأنه "هروب إلى الأمام"، متهماً الهجري بمحاولة تحويل الأنظار من الفشل في معالجة الملفات الداخلية إلى معارك سياسية خارجية لا تملك السويداء أدوات التأثير فيها. واعتبر أن هذا الخطاب لا يغني من جوع، ولا يجيب على مطالب عشرات الآلاف من المهجرين الذين كان وفد منهم قبل يومين يتساءل من مضافة الهجري عن مصيرهم ومتى يمكنهم العودة إلى بيوتهم، حيث اكتفى الهجري بدعوتهم إلى الصبر وحمّل المسؤولية للدول "الضامنة".
كما اتهم المهندس وعضو المكتب التنفيذي السابق في محافظة السويداء، سامر عامر، الهجري بدفع المحافظة نحو "عزلة سياسية" عبر تبني خطاب انفصالي، مشيراً إلى أنَّ البيان لم يُجب عن أسئلة السويداء العالقة، وكان مجرد تكرار للوعود والتحايا، وإصرار على حشر السويداء في "غيتو درزي منعزل، مع التنكر للتاريخ باستقدام مفردات توراتية". واعتبر عامر أن استحقاقات السويداء اليوم صعبة ما بين النهج الانفصالي، وما بين سلطة تهدر كل الفرص التي تعيد للسوريين ما أهدره الاستبداد من ذاكرة وكرامة وحرية.
بدوره، حذر الباحث ربيع الشريطي في تدوينة على "فايسبوك"، من أن إدخال محافظة صغيرة ومحدودة الموارد في صراعات إقليمية مفتوحة لن يؤدي إلا إلى تعريضها لمخاطر أمنية واقتصادية أكبر.
انقسام يتعمق
بمجمل ردود الفعل، كشف بيان الهجري عن اتساع الفجوة داخل السويداء بين اتجاهين متعارضين: أحدهما يرى أن سلوك الهجري يفاقم العزلة ويعرض المحافظة لمخاطر أكبر من دون أن يقدم حلولاً فعلية لأزماتها اليومية، وآخر يعتبر أن التحالفات الخارجية والحديث عن تقرير المصير يمثلان طوق نجاة.
ومع استمرار غياب أي أفق سياسي واضح لحل أزمة السويداء، وتمسك الهجري بخياراته السياسية وإصراره على عزل المجتمع الدرزي عن محيطه، من دون تقديم أي حلول واقعية للأزمات المتراكمة في السويداء، من قضية المهجرين إلى نقص الطحين والمحروقات والعجز عن توفير الرواتب؛ يبدو أن الانقسام داخل السويداء مرشح للتفاقم، في ظل مؤشرات على تراجع ثقة المجتمع بخيارات الهجري.
