عام 2023، صرّح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، بأنه في حال غزت الصين تايوان، فإن أميركا ستمنع الشحن منها وإليها، خصوصاً ما يتعلق بنفط الشرق الأوسط.
وقد نُقل عنه نفسه قبل عام من هذا التصريح، اعتباره أن واشنطن لا تستطيع الدخول في حرب مباشرة مع بكين كون أن ذلك سيقضي على الطرفين، ما يتطلّب إضعافها عبر منع تدفق الطاقة إليها حتى تنهار.
غراهام الذي زار إسرائيل قبل الحرب للقاء رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال" وتدريبه على كيفية ممارسة الضغوطات على الإدارة الأميركية لإقناعها بضرب إيران، يمكن ربط كل أقواله هذه كما غيرها وحركيته تلك بالأحداث الجارية على الأرض لتفكيك بعض رموزها، خصوصاً إذا ما عطفنا عليها تصريحات أميركية وإسرائيلية أخرى وبعض الأحداث المستجدة.
وقد صرّح وزير الطاقة الأميركي كريس رايت مؤخراً، بأن الحرب مع إيران ثمن زهيد يجب دفعه مقابل انخفاض أسعار الطاقة، وأن الصين على وشك خسارة ثاني مورّد لها من أصل ثلاث موردين للوقود.
ليس خافياً أن الحرب الأميركية على إيران هي في وجهها الأعمق حرب على الصين بالتحديد التي طالبها ترامب باتخاذ الإجراءات لفتح مضيق هرمز كونها متضرّرٌ رئيسيٌّ منه، ثم عاد وأجّل زيارته التي كانت مقررة إليها نهاية الشهر الجاري، إلى خمسة أو ستة أسابيع مقبلة، بعد أن ألمح إلى أن موعد رحلته إليها يعتمد على ما إذا كانت ستساعد في إعادة فتح المضيق. وقد لا يبدو هذا التأجيل تفصيلاً بروتوكولياً عابراً بالمناسبة، بل ربما يحمل دلالة زمنية أعمق، إذ يمكن قراءته على أنه مؤشر إلى سقف الانخراط الأميركي المباشر في الحرب، أو إلى أفق المهلة التي تحتاجها واشنطن قبل الانتقال إلى مرحلة مختلفة من إدارتها للصراع تتضمن تقليص حضورها الميداني أو إعادة تموضعه.
الصين التي عرضت على جارتها تايوان تأمين إمداداتها بما تحتاجه من الطاقة في ظل النقص الذي ينتج عن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، يبدو للكثيرين أنها تستغلّ التخبط الأميركي فيما يتعلق بورطة مضيق هرمز كما يرى غالبية المراقبين لتسرّع في ضمّ تايوان إليها، وهو ضمٌ تتعاطى معه على كونه مسألة خاضعة للوقت فقط وللظرف المناسب.
لكن وبالرغم من كثرة التحليلات والتبعات التي سيقت عن الورطة الأميركية، من المحتمل أن يكون للمشهد وجه آخر مغاير، وجب مراقبته ودراسته لفحص احتمالاته، خصوصاً إذا ما قُرئ تصريح ترامب على أن "أميركا في غنى عن مضيق هرمز لأنها تحصل على نفطها الخاص" وأُخذ في محمل الجد في حرفيته وسياقه. فقد أوردت مجلة "فوربس" مؤخراً أن شركات النفط الصخري في تكساس وداكوتا الشمالية، تحقق أرباحاً خرافية مع تجاوز الأسعار حاجز الـ 100 دولار، مما يعوّض أثر التضخم داخل أميركا. فهل يمكن أن يكون التخبط الأميركي الظاهر جزءاً من خطة عميقة، توهم كل الخصوم والحلفاء بالضعف، وتغرق الصين في أحلام الضم، فيما هي تدير كل حالة التخبط العالمية هذه بما يتناسب ومصالحها في نهاية المطاف؟ وهل التصريحات المتناقضة الإسرائيلية الترامبية فيما يتعلق بالاستهداف الاسرائيلي لمنشآت الطاقة هو جزء من هذه الإدارة الماكرة؟ وهل استدرجت أميركا وإسرائيل ايران لفخ استهداف دول الخليج؟ وهل ستنجح "طبخة" مثيلة في نهاية المطاف أم ستنقلب على طابخها؟
على العكس مما قاله ترامب، تنقل صحيفة "وول ستريت جورنال" أن واشنطن سمحت بالفعل لإسرائيل بتدمير مصادر الطاقة الإيرانية لتركيع منافسيها. وتنقل شبكة "سي إن إن" عن مسؤولين في وزارة الجيش الإسرائيلي، أن تدمير البنية التحتية للطاقة في إيران ليس مجرد هدف عسكري، بل هو استراتيجية لانتزاع أي قدرة إيرانية على المناورة الاقتصادية في المستقبل.
قد لا يكون التخبط الظاهر سوى وجه لعملية أكثر تعقيداً، تُستخدم فيها الفوضى كأداة لإعادة إنتاج النظام، لا كدليل على غيابه. هي عملية تتقاطع فيها الحرب على إيران مع الحرب على الصين، ومع مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة ليس فقط جغرافياً، بل وظيفياً أيضاً.
في هذا السياق، يمكن قراءة ما يجري مؤخراً فيما يتعلق بمشهد الاستهدافات من هنا وهناك لمنشآت الطاقة والغاز، بوصفه هدفاً وفخاً ومحاولة تدريجية لانتزاع ورقة الطاقة من الخليج، لا بمعنى السيطرة المباشرة عليها، بل عبر إدارة ردود الفعل الإيرانية العنيفة عن بُعد، لتفريغ دول الخليج من أوراق قوتها وما لذلك من نتيجة على التأثير السياسي المستقل لها. فحين تتحول الطاقة من أداة قوة بيد الدول المنتجة إلى مورد غير مستقر، مهدد من المحيط، فإنها تفقد جزءاً من وزنها السيادي، وتصبح هذه الدول أكثر قابلية لإعادة التموضع ضمن ترتيبات أمنية جديدة. وهنا تحديداً تبرز الفكرة الأميركية الإسرائيلية لهندسة إقليمية تفضي إلى فرض واقع جديد، يدفع دول الخليج تحت ضغط التهديدات وعدم الاستقرار، إلى الانخراط في منظومة أمنية تقودها إسرائيل، على شكل ما يشبه ناتو شرق أوسطي. وهذا التصور ليس طارئاً بالكامل، إذ تعود جذوره إلى محاولات سابقة. ففي العام 2021 حاولت إسرائيل أن تبحث مع بعض الدول العربية إنشاء تحالف دفاعي إقليمي في مواجهة إيران. هذا عدا أن الصراع لو استكمل بهذه الطريقة فإنه سيفرغ المنطقة كلها لا من مقدرات القوة فقط بل ربما من إمكانيات العيش!
اللافت أن الخطاب السياسي المواكب لهذه المجريات يسير في اتجاه خطير. إذ قال نتنياهو: "نعيش في هذا الحيّز الوحشي الذي يسمى الشرق الأوسط، والإسلام المتطرف السني والشيعي يهدد العالم". هي صياغةٌ فتنوية تستفيد من طبيعة الصراع في المنطقة لتعيد تعريفه.
إدراج هذه السردية إلى جانب الوقائع الميدانية، يوحي بسعي أميركي اسرائيلي مشترك للاستثمار في الاستهدافات المتكررة، وإذكاء الانقسام السني-الشيعي كأداة تفتيت يطمح إليها الطرفان الأميركي والاسرائيلي، إذ لا مانع عندهم في أن تغرق كل المنطقة في أفق أسود، بل ومعها أوروبا حتى، طالما أن ذلك يصبّ في مصلحتهما.
أما مضيق هرمز، الذي يُنظر إليه اليوم بوصفه ورقة ضغط على واشنطن وحلفائها إلى الحد الذي قال فيه جدعون راخمان في الـ "فايننشال تايمز"، إن بإغلاقه اكتشفت إيران رادعاً أهم من النووي، فقد يتحول في هذا الإطار إلى أداة معكوسة. إغلاقه، أو حتى التلويح المستمر بإغلاقه، قد لا يضرّ بالضرورة بالولايات المتحدة في مدة زمنية مدروسة وفق هذا المنظور، والتي باتت أقل اعتماداً عليه، ولا بإسرائيل التي تقع خارج معادلة استيراد الطاقة التقليدية، بقدر ما يضغط على قوى كالصين، وعلى الحلفاء الأوروبيين، بل وحتى على دول الخليج نفسها التي تعتمد على تدفق صادراتها عبره. وهكذا، يصبح الاختناق الاقتصادي إذا ما ظلّ مضبوطاً ومتحكما به عن بُعد، أداة لإعادة ضبط سلوك الجميع، خصوماً وحلفاء، ودفعهم نحو مزيد من الارتهان للمنظومة التي تعتقد أنها تملك مفاتيح إعادة فتح الشرايين الحيوية.
على أن هذا السيناريو قد لا يكتمل بالضرورة ببقاء أميركا في قلبه حتى النهاية. فثمة احتمال آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أن تنسحب واشنطن تدريجياً من مسرح الأحداث بعد أن تضمن تحقق القدر الكافي من الفوضى، تاركةً لإسرائيل استكمال إدارة المواجهة. ورغم أن دونالد ترامب ألمح في تصريح لـ"تايمز أوف إسرائيل"، إلى أن إسرائيل لن تحتاج إلى خوض الحرب وحدها ضد إيران، إلا أن تجربته السابقة تطرح شكوكاً جدية حول ثبات هذا الموقف.
فقد سبق لترامب أن توعّد بالقضاء على الحوثيين، قبل أن يتراجع بعد أسابيع قليلة من انخراطه العسكري، مدركاً كلفة الاستنزاف، ويتركهم في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل. وهو ما يشي بنمط سياسي قائم على الدخول بقوة ثم الانسحاب عند ارتفاع الكلفة، خصوصاً إذا ما ارتبط ذلك بضغوط داخلية أو بتراجع في الشعبية، وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
بناءً على ذلك، لا يبدو مستبعداً أن يتكرر السيناريو نفسه: تدفع الولايات المتحدة نحو تفجير التوازنات، تعيد تشكيل المشهد، ثم تنكفئ تاركةً خلفها واقعاً مشتعلاً تتولى إسرائيل إدارته، ضمن بيئة إقليمية مفككة ومنهكة وأكثر قابلية للانخراط القسري في ترتيبات جديدة. وكأنها بذلك لا تسعى إلى حسم الصراع بقدر ما تعمل على إعادة تأطيره، بحيث يستمر تحت سقف يخدم مصالحها، حتى وإن تُركت كلفته المباشرة على عاتق الآخرين. ولئن جرت الأمور في هذا السياق ونجحت الأفخاخ المنصوبة كما هي السردية، فإن في ذلك إحالة ربما إلى كون هذه الحرب، خلافا للكثير من الكتابات والتحليلات، لا يمكن ربطها بالكامل بشخص ترامب وحده، بل ربما تمثل استراتيجية أوسع لصالح مجمع الصناعات العسكرية وشركات الأسلحة المستفيدة من استمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
وهنا من الجدير ذكره أن بعض المحللين في "فايننشال تايمز"، يرون أن المستفيد الحقيقي من اشتعال الأسعار ليس بالضرورة من يربح الحرب بل من يمتلك البديل. فهل ستنجح المحاولات الأميركية والإسرائيلية في إدارة المشهد عن بُعد دون الغرق في وحله، أم أن أميركا ستجد نفسها بفعل التعقيدات بلا بديل وبلا مخرج، ومعها اسرائيل ربما، ما يحقق للصين بعض أهدافها بأكلافٍ أقل، وما يضع دول الخليج في كل الأحوال أمام فرصة إجراء ترتيبات أمنية ضامنة لها خارج إطار التجاذبات المطروحة؟




