تفتش الولايات المتحدة أثناء حربها على إيران عن حلفاء تحت النار! بينما تعمل طهران طول الوقت على توسيع قاعدة العداء مع الجوار.
التحالفات التي تفتش عنها واشنطن تحت النار، وأثناء المعارك، تبدو ولادتها متعثرة، فهناك دوماً السؤال: لماذا الآن؟ أين كان دورنا وأنتم تدشنون الصراع وتشعلون نار الحرب من دون حتى التشاور معنا؟
قالتها أوروبا، وقالها حلفاء أميركا في الناتو، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يرى الناتو مهماً ولا مؤثراً، ويبدي استخفافاً بحلفاء تاريخيين للولايات المتحدة على مدى أكثر من سبعين عاماً.
توسيع خريطة العداء
وبينما كان ترامب يتجاهل عمداً حلفاءه التاريخيين في الناتو، فلا يدعوهم لحوار ولا يشركهم سوى على طاولات مبعثرة وحول صحون فارغة، ليس بها سوى بقايا في صحاف طعام، كانت إيران تسعى منذ الشرارة الأولى للحرب، إلى توسيع خريطة العداء مع الجوار، باستهداف من نأوا بأنفسهم عن محاربتها، ومن سعوا طول الوقت الى تطويق النزاع، عبر الوساطة، والوسائل الدبلوماسية.
لم تكن صواريخ إيران المفاجأة الوحيدة للحرب، التي حفلت بالمفاجآت التي كان أخطرها وأكبرها استهداف إيران لجوارها العربي المسلم، دون أدنى تقدير لمخاطر ذلك الاستهداف على مستقبل المنطقة برمتها.
كان الاستهداف الإيراني للجوار في البحرين، والإمارات، وقطر والكويت والسعودية، وحتى سلطنة عمان التي طالما اضطلعت مراراً وتكراراً بمهام الوساطة بين ايران والعالم، كأنما انحاز الملالي الجدد في طهران إلى فكرة العداء المزمن مع دول مجلس التعاون الخليجي، والخصومة المطلقة مع حقائق الجغرافيا في الإقليم.
أبرز حقائق الجغرافيا التي يتجاهلها الملالي الجدد في طهران، هي أن الجوار حقيقة لا تقبل التبديل ولا التغيير، وأن من يتجاهل تلك الحقيقة، إنما يصبح كمن أحكم إغلاق الباب على ذراعه، أو حتى على رقبته، أما أن يلح الملالي الجدد على تبني أقصى مستويات العنف في الصراع مع الجوار، غير مبالين بحقائق الجوار واستحقاقاته، فهذا ليس قصوراً في الفهم، ولا قعوداً عن إدراك البديهيات والمسلمات فحسب، إنما هو انتحار قومي، لا يمكن التسامح إزاء من يقررون- بكامل وعيهم- الذهاب إليه.
لا أعرف على وجه الدقة، سبباً وجيهاً يحمل حكام طهران على تبني نهج اصطناع العداء المطلق مع الجيران العرب، ولا أرى منطقاً من أي نوع، وعلى أي مستوى، يسوغ للقيادة الإيرانية الجديدة الخوض في غمار عداء مزمن ومستحكم مع جوار لا يمكنهم الغاء حقائقه، أو تغييرها، فالجوار قائم تحت أي ظرف، والتعايش معه هو أحد حتميات التاريخ، لكن صواريخ إيران التي تستهدف مقومات عربية اقتصادية وبشرية وثقافية وأمنية، توشك أن تقوض ذلك كله، فلا تدع فرصة للتعايش ولا فسحة للسلام.
هل هناك بين حكام طهران من يظن أن بوسعه تغيير حقائق الجغرافيا، أو شطب وقائع التاريخ؟
رهانات النخبة
إن كان هناك من يظن ذلك، فهو غارق في أوهامه، أما إن كان الاندفاع النزق، وغياب الحنكة والحكمة، هو السبب وراء مشهد القصف المتعمد لمطارات أو مشروعات عربية في أي من دول مجلس التعاون الخليجي، فتلك هي نتيجة أفكار النخبة الجديدة التي أفرزتها حملات القصف الأميركية والإسرائيلية، حين جرى عمداً ومع سبق الإصرار والترصد، اغتيال رموز الحرس القديم، من المرشد علي خامنئي وحتى رئيس مجلس الأمن القومي الايراني علي لاريجاني.
رهانات النخبة الحاكمة الجديدة في طهران، لا تبشر بنهاية قريبة للحرب المشتعلة، فليس بينهم من يحمل خبرات اصطناع الحلول الوسط، أو الإمساك بتلابيبها إن حضرت، كذلك فإن صناع التسويات أو صائدي الفرص على الجانب الآخر في واشنطن وتل ابيب، يبدون استسلاماً قدرياً تجاه أزمة يحتكمون فيها الى أساطير ووعود ملتبسة بالدين، فيؤثرون التريث ريثما تكتمل اشتراطات ولادة الوعد الأسطوري، ولهذا تتعثر فرص اصطناع تسويات لم تنضج بعد عوامل بلوغها.
الضغوط التي تفرضها تداعيات الأزمة على النظامين الاقليمي والدولي، مازالت تمثل فرصاً بالنسبة للطرف الثالث (روسيا أو الصين) فكلاهما مازال يستمتع باقتناص المزيد من غنائم الحرب، دون نقطة دم واحدة، فالصين تجرب حلولها على مجريات صراع حقيقي تخوضه الولايات المتحدة بكامل عتادها وعلومها، وروسيا تستمتع باستنزاف الولايات المتحدة في الجوار القريب، بينما تواصل آلتها الحربية تمزيق أوصال أوكرانيا، والضغط على خاصرة أوروبا.
وبسبب ما تتيحه الحرب بين ايران من جهة، وبين تحالف أميركا وإسرائيل من جهة أخرى، من فرص في الصراع الكبير حول مستقبل النظام الدولي القائم، وملامح النظام الدولي القادم، تبدو المهمة صعبة، في البحث عن وسطاء مقبولين يملكون القدرة على وقف إطلاق النار، ونقل الأطراف إلى غرف التفاوض.
مهمة تأهيل وسطاء محتملين مقبولين، لنقل الأزمة من مربع القتل الى مربع التسوية، تبدو صعبة، لكنها حتمية، تفرضها انعكاسات الحرب على التجارة الدولية، وحتى على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في دول تبدو وكأنها بعيدة عن موضوع الصراع، لكن نيران الحرب تلحفها بلهيبها أو تذيبها بحرارتها.
توقف إيران عن توسيع نطاق الحرب، باستهداف أطراف عربية في الخليج، لم تكن طرفاً في أي وقت في حروب مباشرة ضد ايران، هو موقف ينبغي أن تعلنه إيران فوراً، وإلا فإنها تقود المنطقة برمتها إلى حالة عداء مزمن وصراع لا ينتهي.




