أوروبا تتفرج على الحرب.. ومبادئها في العناية المركّزة!

عمّار الجنديالاثنين 2026/03/23
Image-1768814314
الزعماء الأوروبيون لا يعتبرون حرب ترامب على إيران شرعية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد مداولات شائكة على إيقاع تهديدات البيت الأبيض وانتقاداته الحادة وصراخ المستهلكين الذين ضجوا بالشكوى من ارتفاع أسعار الطاقة المتفاقم، قرر قادة دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 ألا يحركوا ساكناً بشأن الحرب التي تتأجج من حولهم. ويبدو عزوفهم في قمتهم المنعقدة بين 19 و20 آذار/ مارس الجاري عن لعب دور فعّال يليق بكتلة تُعدّ من القوى المتوسطة المؤثرة، أشبه بالاستقالة من الحياة. 

 

أنصاف المواقف

لا يكفي أن تندد أوروبا في بيان القمة الختامي باعتداءات إيران على دول الخليج العربي، وتبدي قلقها من احتمالات انهيار أسواق النفط والغاز، واحتمال تعرضها  لـِ  "اجتياحات" مهاجرين إيرانيين شبيهة بتدفق السوريين عليها في 2015. وكان الزعماء الأوروبيون أكدوا، بوضوح متفاوت، في تصريحات مستقلة أن الحرب الأميركية – الإسرائيلية غير قانونية. فلماذا يُشير البيان الرسمي إلى مشاكل شتى ويُبقي جذرها مسكوتاً عنه؟ 

ليس مفاجئاً أن دول القارة لا تعتزم الاستجابة لمطالبات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الملحة بدخول الحرب. كانت التصريحات والتسريبات التي رشحت قبل القمة، تفيد بأن الزعماء جميعاً، بمن فيهم جورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا اليمنية المتطرفة، لا يعتبرون حربه شرعية. لكنهم، باستثناء بيدرو سانشيز رئيس الوزراء الاسباني، اكتفوا بهذه القراءة التي تعتبر "نصف موقف" من دون أن يصلوا إلى نتيجتها المنطقية، وهي شجب الحرب. 

وتراوحت مواقفهم بين تأييد أولي تلته معارضة رخوة، أو صمت ترافق بالتحذير من "استفزاز" ترامب، أو رفض أولي تم التراجع عنه جزئياً تحت ضغط الزعيم الأميركي. أثناء ذلك، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى عدم "ذرف الدموع" على إيران، في "تأييد" مبطن لواشنطن وتل أبيب. وعزت ذلك إلى أن طبيعة النظام الإيراني الاستبدادية تقتضي من الأوروبيين التعامل مع ما يجري ببراغماتية ترى الواقع كما هو وليس بمثالية تنظر إليه كما تريده أن يكون. ولا يُستبعد أن زعماء، منهم المستشار الألماني فريدريك ميرتس وميلوني، يتفقون معها في ذلك..

هكذا استعاضت القمة بعبارات غائمة عن وجوب التزام أطراف الصراع كلها بالقانون، عن الإدانة الواضحة للحرب أو الاتهام الصريح لأميركا وإسرائيل بخرق القانون الدولي.

 

اليوم والبارحة

كم يختلف اليوم عن البارحة! في 2003، وقفت فرنسا وألمانيا بصرامة ضد غزو العراق. وعلى الرغم من تفككها المزمن، كان لأوروبا صوتاً سمعه العالم بقوة قبل الغزو في دوائر صناعة القرار وفي الشارع الذي بقي بالمرصاد للغزاة. في لندن مثلاً، سارت في شوارعها حشود مليونية منددة بالغزو غير القانوني تردد أنها كانت الأكبر من نوعها في بريطانيا حتى ذلك الوقت.

وظلت القارة حاضرة على المسرح الدولي. أدت دوراً محوريا في عملية البحث عن مخرج من أزمة البرنامج النووي الإيراني عبر مجموعة 3+ 3+ 1 (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) + (أميركا وروسيا والصين) + الاتحاد الأوروبي، التي تشكلت في 2006 وتوجت جهودها بإبرام اتفاقية 2015 المهمة.

وفي وقفة شجاعة أخرى، منعت أوروبا عملياً في 2014، ممثلة ببريطانيا، أميركا من شن حملة على سوريا. إلا أنها باتت اليوم عاجزة حتى عن الدفاع عن نفسها إزاء موجة الاتهامات الأميركية التي تأخذ في بعض الأحيان طابعاً شخصياً مثلما حصل مع كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني.

 

احتواء الأزمة

سعت القمة الى تخفيف التصعيد. فقد انتقدت النظام الإيراني من دون أن تدعو إلى إسقاطه، وشددت على ضرورة تخفيف التصعيد العسكري وإتباع طرق دبلوماسية لمعالجة الخلافات. وفي السياق نفسه، استنكرت الضربات التي يوجهها حزب الله اللبناني لإسرائيل. وتدل عبارات "خفض التصعيد" و "ضبط النفس" و "الحلول الدبلوماسية" في البيان الختامي، على رغبة باحتواء الأزمة بدلاً من حسمها. 

وجاءت المطالبة بحماية الممرات البحرية الاستراتيجية، كمضيق هرمز الذي يمر عبره 20 في المئة من النفط العالمي، وتجنب استهداف مرافق النفط والغاز، في طليعة النقاط التي ركزت عليها القمة. لكنها لم توافق على توسيع نطاق مهمة "أسبيدس" لتشمل الخليج العربي ومضيق هرمز بناء على طلب واشنطن. وقررت تعزيز قدرات المجموعة مع التشديد على ضرورة التزامها التفويض الحالي الذي يخولها فقط حماية البحر الأحمر وخليج عمان وبحر العرب، وخصوصاً ضد هجمات الحوثيين. 

الواقع أن أوروبا دأبت على الترويج بحماس لسيادة القانون وقيم العدالة والتعددية، منذ تسعينيات القرن الماضي، كما في اتفاقيتي ماستريخت (1992) لِشبونة (2009)، مثلاً. وإذا بقيت مواقف أوروبا "باهتة" حيال انتهاكات القانون الدولي، لا صوت لها سوى حين تحاول، بلا جدوى، أن تسترضي سيد البيت الأبيض، فهذا يعني التفريط بسيادتها، وبـ "مبادئها التأسيسية" التي تدعم "نظاماً دولياً يقوم على القواعد وليس على القوة"، كما ذكّر سانشيز القارة في معرض معارضته الشجاعة للحرب التي قال إنها "غير شرعية (...) ليست في مصلحة أوروبا." 

هكذا يصبح التأرجح على الهامش كرقصة الموت لأنه يُفرغ الاتحاد الأوروبي من محتواه الأخلاقي ويجرده من هويته! 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث