أشار تحليل أجرته وكالة "رويترز" إضافة لآخر أجراه باحثون أكاديميون أن صاروخ دفاع جوي من منظومة باتريوت الأميركية كان السبب وراء في الانفجار الذي أوقع عشرات الإصابات بين المدنيين ودمّر منازل في حي المهزة في البحرين، وذلك في التاسع من آذار/مارس الماضي.
وحملت البحرين وواشنطن مسؤولية انفجار التاسع من آذار/مارس لإيران، وقالت البحرين إنه أسفر عن إصابة 32 شخصاً بينهم أطفال، بعضهم إصاباتهم خطيرة. وفي تعليق نشرته يوم الهجوم، وادعت القيادة المركزية الأميركية في بيان على منصة "إكس" أن طائرة إيرانية مسيرة استهدفت حيا سكنيا في البحرين.
اعتراف بحريني
ورداً على أسئلة من "رويترز"، اعترفت البحرين أمس السبت، لأول مرة بأن صاروخ باتريوت تسبب في الانفجار الذي وقع في حي المهزة في جزيرة سترة، قبالة العاصمة المنامة، والتي تضم أيضاً مصفاة نفط.
وقال متحدث باسم الحكومة البحرينية في بيان، إن الصاروخ نجح في اعتراض طائرة مسيرة إيرانية في الجو، مما أنقذ أرواحاً.
وأضاف المتحدث أن الأضرار والإصابات لم تكن نتيجة اصطدام مباشر بالأرض من صاروخ اعتراض باتريوت والطائرة الإيرانية المسيرة.
ولم تقدم البحرين أو واشنطن أي دليل على تورط طائرة إيرانية مسيّرة في الواقعة.
الأسلحة المتطورة
وشكل استخدام أسلحة متطورة باهظة الثمن لصد هجمات طائرات مسيرة أرخص ثمناً سمة بارزة في الحرب. وتشير تلك الواقعة إلى مخاطر هذه الاستراتيجية وحدودها، فقد تسبب انفجار صاروخ باتريوت القوي، سواء اعترض طائرة مسيّرة أم لا، في أضرار وإصابات كثيرة بينما عجزت الدفاعات الجوية البحرينية عن صد الضربات التي استهدفت مصفاة النفط القريبة في تلك الليلة، والتي أعلنت حالة القوة القاهرة بعد ساعات.
وأحالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) طلباً من "رويترز" للحصول على تعليق إلى القيادة المركزية، التي لم ترد بعد على الأسئلة.
ورداً على أسئلة وجهت إلى البيت الأبيض، قال مسؤول أميركي رفيع المستوى إن الولايات المتحدة "تسحق" قدرة إيران على إطلاق أو إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ. وأضاف: "سنواصل التصدي لهذه التهديدات التي تواجه بلدنا وحلفاءنا"، زاعماً أن الجيش الأميركي "لا يستهدف المدنيين أبداً". لكنه تنصل من الإجابة على أسئلة محددة حول الواقعة.
وفي 28 شباط/فبراير، وهو أول أيام الضربات الأميركية على إيران، تعرضت مدرسة للبنات في إيران لقصف مباشر. وكانت "رويترز" أول من أورد أن محققين في البنتاغون يعتقدون أن القوات الأميركية هي المسؤولة على الأرجح عن ذلك الهجوم. وقال مصدران أميركيان للوكالة إن ذلك ربما حدث بسبب بيانات استهداف قديمة.
تحقيق بلقطات فيديو
وأظهرت لقطات فيديو لآثار انفجار المهزة في البحرين، وتحققت منها "رويترز"، أنقاضاً حول المنازل وطبقة سميكة من الغبار في الشوارع ورجلا مصابا وسكانا يصرخون.
وتشغل البحرين والولايات المتحدة بطاريات دفاع جوي أميركية من طراز باتريوت في البحرين، التي تستضيف الأسطول الخامس للبحرية الأميركية إلى جانب القيادة البحرية الأميركية في المنطقة.
وفي ليلة الانفجار في المهزة، تعرضت مصفاة النفط في سترة لهجوم إيراني، وفقاً لما أعلنته شركة النفط الوطنية البحرينية بابكو. وأظهرت مقاطع فيديو تصاعد الدخان من المنشأة صباح التاسع من آذار/مارس.
ولم تتمكن "رويترز" من تحديد ما إذا كان سبب الانفجار، الذي وقع خلال ليلة شهدت هجمات إيرانية على سترة، اتضح على الفور للقوات الأميركية والبحرينية. ولم توضح البحرين في بيانها سبب عدم إشارتها إلى مسألة وجود صاروخ اعتراض من نظام باتريوت في ذلك الوقت. ولم ترد البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة بعد على طلب للتعليق على الواقعة.
تحليل حول الصاروخ
يشكل نظام باتريوت، الذي تصنعه رايثيون وهي جزء من شركة (آر.تي.إكس كورب)، نظام اعتراض الطائرات والصواريخ متوسط إلى طويل المدى الرئيسي للجيش الأميركي، وأساس أنظمة الدفاعات الجوية الأميركية وحلفائها. ولم ترد شركة رايثيون بعد على طلب للتعليق على الواقعة.
ورفضت حكومة البحرين الإفصاح عما إذا كان الصاروخ الذي انفجر في التاسع من آذار/مارس قد أطلقته قواتها أو الولايات المتحدة.
لكن الباحثين المشاركين سام لير ومايكل دويتسمان والبروفيسور جيفري لويس من معهد ميدلبري للدراسات الدولية في مونتيري، خلصوا إلى استنتاج بدرجة ثقة متوسطة إلى عالية يفيد بأن الصاروخ المشتبه به أطلق على الأرجح من بطارية باتريوت أميركية تقع على بعد حوالي سبعة كيلومترات إلى الجنوب الغربي من حي المهزة.
واستندت استنتاجات الباحثين الأميركيين الثلاثة المتخصصين في الذخائر والاستخبارات من المصادر المفتوحة، والتي يتم نشرها هنا لأول مرة، إلى مراجعة لصور ولقطات من مصادر مفتوحة وصور الأقمار الصناعية التجارية.
وعرضت "رويترز" تحليل ميدلبري على خبيرين في تحليل الأهداف وباحث في مجال صواريخ نظام باتريوت، ولم يجدوا أي سبب للطعن في ما خلص إليه.
وقال أحدهم وهو ويس براينت المستشار السابق رفيع المستوى في مجال تحديد الأهداف ومحلل سياسات في البنتاغون، إن استنتاجات لير ودويتسمان ولويس "لا يمكن إنكارها".
وشكل مقطع فيديو تم تصويره من مبنى سكني ونشر على وسائل التواصل الاجتماعي عنصراً أساسياً في تحليل ميدلبري. ويظهر الفيديو صاروخ باتريوت المشتبه به وهو يندفع عبر سماء الليل على ارتفاع منخفض في مسار شمالي شرقي، ثم انحرف إلى الأسفل واختفى عن الأنظار. وبدا أن وميضاً من الضوء في الأفق يشير إلى انفجاره بعد 1.3 ثانية.
وراجع هاني فريد الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي والمتخصص في الأدلة الجنائية الرقمية الفيديو بطلب من "رويترز" لتحديد ما إذا كان قد أنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي. ولم يجد "أي دليل واضح على أن الفيديو مزيف".
وحدد لير ودويتسمان ولويس الموقع الجغرافي للفيديو في أحد أحياء الرفاع، ثاني أكبر مدينة في البحرين. وأكدت "رويترز" الموقع الجغرافي. وأول منشور للفيديو تمكنت الوكالة من العثور عليه على الإنترنت حوالي الساعة الثانية صباحاً بالتوقيت المحلي في التاسع من آذار/مارس.
وذكر التحليل أن "موقع منطقة الرفاع واتجاهها يتوافقان مع مسار" صاروخ باتريوت المشتبه به.
وتظهر مقاطع فيديو متعددة نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صباح يوم التاسع من آذار/مارس أضراراً لحقت بمساكن في المربع 602 بحي المهزة. وحدد الباحثون أولا الموقع الجغرافي للصور باستخدام معالم تبدو متطابقة مع صور الأقمار الصناعية التجارية للمنطقة وعناوين الشوارع الظاهرة. وتحققت "رويترز" بشكل مستقل من الموقع الجغرافي.
ثم تتبع الباحثون مسار الصاروخ المشتبه به من المربع 602 مباشرة إلى ما قدروا استناداً إلى صور الأقمار الصناعية التجارية أنه بطارية باتريوت أمريكية تقع على بعد أقل من نصف ميل من المكان الذي سجل فيه مقطع الفيديو من الرفاع للصاروخ في أثناء تحليقه.
وتتكون البطارية من وحدة رادار ومركز قيادة وما يصل إلى ثمانية منصات إطلاق متكاملة للكشف عن الطائرات والصواريخ وتعقبها واعتراضها.
وباستخدام صور الأقمار الصناعية التجارية، توصل الباحثون إلى أن خمس منصات إطلاق كانت مرئية في موقع الرفاع قبل يومين من واقعة التاسع من آذار/مارس.
ووفقاً لصور ملتقطة بالأقمار الصناعية، فإن البطارية موجودة هناك منذ 2009 على الأقل. وذكرت شركة لوكهيد مارتن في بيان صحافي أن قوات الدفاع البحرينية لم تبدأ في تشغيل أنظمة باتريوت الخاصة بها حتى 2024.
وقال الباحثون إن موقع الرفاع يتميز بسمات مميزة لبطاريات باتريوت الأميركية في المنطقة ومختلفة عن تلك الخاصة بالبطاريات المعروفة التي تديرها البحرين، بما في ذلك الجدران الواقية والطرق غير المعبدة وغياب المباني الدائمة. وبناء على هذه العناصر، خلص الباحثون إلى أن البطارية تديرها على الأرجح الولايات المتحدة، التي تستخدم أنظمة باتريوت للدفاع عن مواقعها البحرية في البحرين.
عجز بتحديد سبب الانفجار
ولم يتمكن الباحثون من تحديد سبب انفجار صاروخ باتريوت بشكل مؤكد. لكنهم قالوا إن الأدلة المتاحة، بما في ذلك نمط وانتشار الأضرار على الأرض، تشير إلى أنه انفجر في أثناء التحليق على ما يبدو.
وجاء في التحليل أن الباحثين خلصوا إلى أنه من المحتمل أن صاروخ باتريوت كان يستهدف طائرة مسيرة تحلق على ارتفاع منخفض، وأن انفجار الصاروخ والمسيرة معا زاد من قوة الانفجار.
وقال التحليل: "إذا كان هذا هو الحال، فإن هذه كانت محاولة اعتراض غير مسؤولة لأنها عرضت حياة ومنازل المدنيين في منطقة سكنية بالبلد الحليف للخطر".
ويتطابق هذا السيناريو مع ما قاله المتحدث باسم الحكومة البحرينية عما حدث وهو أن صاروخ باتريوت اعترض طائرة مسيرة إيرانية وانفجر كلاهما في الجو.
ومع ذلك، قال التحليل إن اتجاه الأضرار وغياب الأدلة المتاحة على وجود طائرة مسيرة فوق الحي يشيران إلى سيناريو آخر، وهو أن "الانفجار كان نتيجة تفجير الرأس الحربي والوقود غير المستهلك لصاروخ باتريوت الاعتراضي".
وعلى الرغم مما قالته البحرين، ذكر الباحثون أن احتمال اصطدام الصاروخ بطائرة مسيرة ليس مرجحاً بدرجة كبيرة. ولم تتمكن "رويترز" من التحقق بشكل مستقل من وجود أو عدم وجود طائرة مسيرة إيرانية في أثناء الواقعة.
وأشار التحليل إلى أن مقاطع الفيديو التي التقطت بعد الهجوم والصور التي نشرتها السلطات البحرينية تظهر أن أضرار الانفجار تركزت في أربعة شوارع في المهزة.
ووفق التحليل فإن نشرة إخبارية بثتها قناة تلفزيونية بحرينية في التاسع من آذار/مارس وبيان صحافي حكومي أظهرا منزلاً تعرض لأضرار جسيمة على بعد نحو 120 متراً من مركز منطقة الانفجار الرئيسية، مع صور من داخل المبنى تظهر ثقوبا في الجدار ناتجة عن الشظايا.
وقال روبرت ماهر أخصائي الصوت، الذي راجع الفيديو بناء على طلب "رويترز"، إن تحليله يدعم الموقع التقريبي للانفجار فوق المنازل المتضررة.
في الفيديو، يظهر وميض بعد حوالي ثماني ثوان، لكن لم يسمع صوت انفجار قبل انتهاء المقطع بعد 19 ثانية. وذلك لأن الضوء ينتقل أسرع من الصوت. واستناداً إلى المدة التي يستغرقها الصوت للوصول إلى الشخص الذي صور الفيديو، لا بد أن الانفجار وقع على بعد أكثر من أربعة أميال. وتقع المنازل المتضررة على بعد حوالي 4.6 ميل (7.4 كيلومتر)، وهو ما يتوافق مع التوقيت.
وأشار تحليل ميدلبري إلى أن أخذ كل الأضرار في الاعتبار يجعلها تتطابق مع ما يمكن توقعه في حالة انفجار صاروخ باتريوت في الجو فوق تقاطع طرق في الحي. ووفقاً للتحليل، طارت شظايا الصاروخ بعد ذلك لمسافة 120 متراً تقريباً وأصابت منزلاً آخر.
وقال ماهر إنه لم يسمع في الصوت المصاحب للفيديو أي أزيز مسيرات أو صوت صواريخ أخرى، إلا أن أصواتها ستكون خافتة أو غير مسموعة لو كانت على بعد أكثر من أربعة أميال من مكان تصوير الفيديو.
وأضاف بعد مراجعة تحليل ميدلبري: "لا أرى شيئا يتعارض مع ملاحظاتي من الصوت".
إخفاق باتريوت
ويقول مسؤولون في قطاعي الدفاع والصناعة إن حالات إخفاق صواريخ باتريوت نادرة لكنها تحدث بالفعل، مثل واقعة انطلاق صاروخ بالخطأ في 2007 وسقوطه على مزرعة في قطر.
في منشور على "إكس" في التاسع من آذار/مارس، استنكرت القيادة المركزية الأميركية التقارير الإخبارية الإيرانية والروسية التي قالت إن واقعة المهزة كانت نتيجة فشل صاروخ باتريوت، ووصفت ذلك بأنه "كذبة". وقالت إن طائرة مسيرة إيرانية استهدفت حياً سكنياً.
ولم تتمكن "رويترز" وباحثو ميدلبري من الحصول على أي دليل مرئي على شظايا الصاروخ أو المسيرة أو مراجعته. وحاولت الوكالة الاتصال بشهود في البحرين، لكن عدة أشخاص رفضوا التحدث خشية تعرضهم للأذى. ووثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" اعتقال أشخاص في البحرين خلال الحرب لنشرهم مقاطع فيديو للهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي مقطع الفيديو الذي يظهر الصاروخ المشتبه به في أثناء تحليقه، يبدو أن صاروخ باتريوت يمر بجانب أثر دخان أكثر انحداراً، قال الباحثون إنه على الأرجح ناجم عن صاروخ اعتراضي أطلق قبل ذلك بلحظات.
وغالباً ما تطلق صواريخ باتريوت في أزواج لزيادة فرص إصابة الهدف. ولم يتمكن الباحثون ولا "رويترز" من تحديد مصير الصاروخ الأول.
ولفت الباحثون إلى أن المدى المنخفض للصاروخ الثاني وانحرافه عن مسار الإطلاق السابق قد يكونان علامتين على وجود مشكلة محتملة. لكنهم لم يستبعدوا احتمال أن يكون قد أطلق في ذلك الاتجاه عن قصد.
وقال المتحدث باسم حكومة البحرين إن أي إشارة إلى حدوث خلل أو خطأ في إطلاق صواريخ باتريوت في البحرين "غير صحيحة من الناحية الواقعية".




