صدر مؤخراً تقرير عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا والتابعة للأمم المتحدة، تضمن بين سطوره إشارات متعددة حول استمرار الفوضى بعد سقوط النظام وعدم قدرة الحكّام الجدد على فرض آلية قانونية تحفظ البلاد من الفراغ، في المقابل تحدث التقرير عن تقدم ملحوظ أحرزته السلطات في جوانب عديدة.
في قراءة مركزة للتقرير الذي جاء في أكثر من 40 صفحة، تتضح الإشارة إلى خلل بنيوي في سياق إدارة المرحلة الحالية، ما يقود نحو علامات استفهام تتعلق بطبيعة السلطة نفسها وقدرتها على ضبط موازين القوى داخلياً بعيداً عن الارتماء في دورة عنف داخلية جديدة، ويعلل التقرير الخلل استناداً إلى واقع الحال السوري الخارج من حرب ضروس وحكم عسكري شديد التعسف.
رغم ذلك، يشير التقرير إلى عدم ظهور آلية واضحة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في عهد بشار الأسد أولاً، وفي عهد الشرع ثانياً في إشارة إلى مجازر الساحل والجنوب والتفجيرات والانتهاكات الطائفية والعرقية، وهذا ما يجعل سوريا تعوم على بيئة هشّة من الاستقرار الذي يحجّم دور المؤسسات الرسمية في رسم حدود المعادلة.
اللجنة الدولية برئاسة "باولو بينيرو" اشتغلت تقريرها بحرفية المعايير الدولية الصارمة، أوضحت مكامن الأخطاء، وبيّنت مواضع الصواب، حاولت أن توازن بين الإيجابيات والسلبيات في مرحلة ما بعد الأسد، فقدمت ما لديها بمنهجية البناء لا الهدم.
إيجابيات وسلبيات
يرى الصحفي سام سليمان أن اللجنة الدولية أدانت السلطة أكثر من أن تكون قد خدمتها، "اللجنة تحدثت بوضوح عن انتهاكات واسعة لم تتوقف، وكذلك تحدثت عن عمليات الاعتقال التعسفي والاختطاف وسبي النساء والاستيلاء على الممتلكات، وهذا يعني أن السلطة في موقف المتفرج أمام ما يحصل".
ويضيف: "لم يأتِ التقرير بجديد، فالحديث عن حالة الفصائلية معلومة، وامتلاكها النفوذ الأوسع على الأرض هو من نافلة القول، ولكن المهم في التقرير هو أنه يسلّط الضوء بجدية على قدرة هؤلاء الأشخاص على فرض قوانينهم الخاصة على القواعد المدنية، ليس الأقليات فقط، بل على الأكثرية السنية المعتدلة أيضاً".
على المقلب الآخر، لم يكن التقرير منحازاً في مواجهة شكل حكم السلطة بصورة شمولية، بل مهد الأرضية بوضوح ليقول ما لديه تالياً، فأبرز أن تآكل ثقة السوريين هو حصيلة سنوات من تجاوزات الأسد والميليشيات الموالية له، "نظام الأسد والصراع السوري أديا لأكبر مشاكل سوريا، غياب الحرية والتعددية، النزوح والأزمات الإنسانية، .."، وأضاف التقرير: "تعترف اللجنة بعدة خطوات إيجابية مهمة اتخذتها الحكومة الجديدة نحو التحقيق والمساءلة. تشمل إنشاء لجان تحقيق وطنية للتحقيق في العنف، والالتزامات العامة بإصلاح حقوق الإنسان، والجهود لتحديد مكان المفقودين، وزيادة التعاون مع آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة".
ويقول الخبير الأمني أحمد زاهر لـِ "المدن": "اللجنة لم تأتِ لتقول هذه سلطة مجرمة أو طوباية، هي جاءت لتقيّم وقائع ميدانية مستندة على معطيات ووثائق لا تقبل التشكيك، البعض كان ينتظر منها أن تخرج ببيان تقول سلطة دمشق إرهابية، وآخرون ينتظرون بياناً تقول فيه سلطة دمشق هبطت من السماء، الحقيقة هذا ليس عمل اللجنة، تقريرها كان حيادياً ومنطقياً للغاية، قال ما للحكومة وما عليها، أوضح أين الخلل فيما يجري وأين الصواب وهذا صلب عملها وهدف تشكيلها".
الجانب المظلم
بالرغم من أن اللجنة بدأت حديثها بما خلفه حكم الأسد في البلاد، ومن ثم أشادت بخطوات يمكن وصفها بالإيجابية من قبل السلطات كمثل تشكيل لجان تحقيق محلية، ووعود بالإصلاح، وما يتعلق بحقوق الإنسان والمفقودين، لكنها أيضاً تحدثت عن ملفات الأمن والمخاوف من الهجرة، وقد أفادت بأن تقريرها هذا هو الأشمل لجهة استناده إلى رصد مكثّف ومقابلات حيّة.
وضعت اللجنة تقريرها في 164 بنداً شاملاً، وقد وردت فيه دلائل خطرة كالتي تحدثت عن أن المقاتلين الأجانب ارتكبوا عدة عمليات اختطاف للعلويات، وقد وثقت اللجنة دمج هؤلاء المقاتلين "الفصائل" ضمن وزارة الدفاع. كما "اختطف المقاتلون نساء واحتجزوهم في إدلب. كن يتعرضن للضرب والإجبار على ارتداء النقاب. وقيل لهن إنهن اختطفن 'لأنهن علويات'".
كما أوضحت اللجنة تثبتها من وقوع ما لا يقل عن ثمانية ضحايا للعنف الجنسي أثناء الأسر. "في حالة واحدة، تعرضت امرأة علوية اختطفت من قبل مسلحين مجهولين للاغتصاب والتعذيب. وتم احتجاز امرأة علوية أخرى لفترة وجيزة خارج دمشق، اغتصبها عدد من الجناة. كما عادت امرأتان وفتاة واحدة على الأقل حاملات من الأسر. كما تم اختطاف فتاة علوية قاصر ونقلها إلى مكان مجهول حيث تم احتجازها مع ضحايا آخرين. وقد تعرضت للاغتصاب مراراً وتكراراً وأصبحت حاملاً نتيجة لذلك. وقد بدأت نسوة علويات يرتدين الحجاب خشية معرفة أنهن من الأقليات فيصبحنَ هدفاً".
رسائل قاسية
حاولت اللجنة إحداث توازن بين التقدم الواضح للسلطة والتحديات الجسمية المقابلة، وقد ركزت في سياق عملها الميداني المفتوح على محافظات حمص وحماه واللاذقية وطرطوس على وجه الخصوص، بوصفها معاقل الانتهاكات.
وقد نقلت الأمم المتحدة عن المفوضة بالتقرير منية عمار قولها: "أبرزت زيارتنا الأخيرة عمق التحديات والقوة الاستثنائية للشعب السوري الذي يعمل بلا كلل لإعادة بناء مؤسساته. ونحن نشعر بالارتياح إزاء استعداد الحكومة السورية للانخراط بشكل بنّاء مع منظومة حقوق الإنسان الدولية لضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في الماضي، ومعالجة الانتهاكات التي وقعت مؤخراً". وقد قرأ سوريون في تصريحات مفوضي اللجنة ارتياحاً فعلياً للمساحة التي أتاحتها السلطة لهم في العمل، المساحة التي تعكس جوهر الانفتاح الفعلي بعد عقود من إقفال الأدراج على الملفات.
ولأن التقرير إياه هو الأشمل، وجدت اللجنة نفسها ملزمة بالتذكير بمجازر الساحل التي قالت إنه قضى فيها 1400 مدني على أيدي القوات الحكومية، وجاء في ملخص التقرير: "هناك وجود لأنماط واضحة للاستهداف على أساس الانتماء الديني والعرقي والعمر والجنس، وهذه انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وقد ترقى إلى جرائم حرب، وإذا ما تأكدت هذه العناصر من خلال مزيد من التحقيقات، فقد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية".
الدروز والأكراد حاضرون أيضاً
ولاستكمال ما بدأته اللجنة من استخلاصات كان من الضروري التطرق إلى ملف السويداء، فالتذكير به كما يُقرأ في السياسة يفيد المضمون ويعزز الرسالة التي رآها معنيون على أنها تنبيه لوقوف سوريا على مفترق طرق، مشيرةً إلى أن التوثيقات بمقتل 1500 شخص جنوباً هو أمرٌ مؤكد وسيكون له بحث آخر.
ولم تنسَ اللجنة أن تعرج على موضوع شمال شرق سوريا وملف الأكراد فاكتفت بالقول: "نجري حالياً تحقيقاً في تقارير عن انتهاكات في شمال شرق البلاد، في أعقاب تصاعد الأعمال العدائية مؤخراً بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة. تشمل هذه المزاعم عمليات قتل خارج نطاق القضاء – بما فيها إعدام أفراد كانوا محتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية – فضلاً عن الاعتقالات التعسفية، والعنف الجنسي، وانتهاكات حقوق السكن والأراضي والممتلكات".
ترحيب رسمي بالتقرير
ورحبت وزارة الخارجية السورية بمضمون التقرير الأممي، قائلةً: "ترحب الحكومة السورية بما سجله التقرير حول الجهود المذكورة للدولة، وجهود وزراتي الدفاع والداخلية لحماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، ...".
وأضاف البيان: "وإذ تنظر الحكومة السورية بجدية بالغة إلى ما أورده التقرير من انتهاكات أو تجاوزات، سيما الأحداث المأساوية في الساحل والسويداء وما خلّفته من ألم ومعاناة، فإنها تؤكد مجدداً التزامها العلني والثابت بمحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات، وعدم التساهل مع أي اعتداء على المدنيين أو أي خروج على القانون، بصرف النظر عن الجهة المرتكبة، ..."




