في المادة السابقة من سلسلة تاريخ الحروب في الشرق الأوسط، حاولنا قراءة الحرب الدائرة في فلسطين بوصفها امتداداً لتاريخ طويل من الصراع على الأرض والهوية والسلطة في الشرق الأوسط، لكن تلك الحرب ليست سوى جزءاً من لوحة أوسع بكثير، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة، وتتداخل الحروب المحلية مع حسابات القوى الكبرى.
ففي اللحظة نفسها التي تشتعل فيها فلسطين ولبنان، تقف منطقة الخليج على حافة أزمة أخرى لا تقل خطورة، الضربات الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران تتواصل، ومضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم يقترب من لحظة اختبار غير مسبوقة، ومع كل تصريح سياسي تتأرجح أسعار النفط، في تذكير جديد بأن الشرق الأوسط لا يزال يمسك بمفاتيح الاقتصاد العالمي.
في هذه اللحظة، لا يبدو النفط مجرد سلعة في أسواق الطاقة، بل شرارة يمكن أن تشعل المنطقة بأكملها. فالتوتر حول هرمز لا ينفصل عن الصراعات الدائرة في فلسطين أو لبنان أو العراق، بل هو جزء من منظومة أوسع تتداخل فيها الجغرافيا والطاقة والنفوذ.
ما يجري اليوم ليس وليد اللحظة، بل حلقة جديدة في تاريخ طويل من الأزمات التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط مراراً، لفهم ما يحدث الآن، لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً، إلى زمن كان فيه الخليج مجرد صحراء ومرافئ صغيرة قبل أن يتحول إلى مركز الطاقة العالمي.
شريان العالم المهدد
في آذار/ مارس 2026، بلغت الأزمة واحدة من أخطر مراحلها منذ صدمة النفط العالمية في سبعينيات القرن الماضي، الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران دفعت طهران إلى التصعيد، وكان أخطر ما لوّحت به إعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز.
هذا المضيق الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه أربعة وثلاثين كيلومتراً في أضيق نقطة، ليس مجرد ممر بحري على الخريطة، إنه الشريان الذي يمر عبره نحو خمس النفط المنقول بحراً في العالم، لذلك فإن أي تهديد بإغلاقه لا يُقرأ كخطوة عسكرية فقط، بل كرسالة سياسية موجهة إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
لكن التصعيد لم يبدأ فجأة، فقبل أشهر من ذلك، صوّت البرلمان الإيراني على إمكانية إغلاق المضيق رداً على الضربات الأميركية، ما بدا في حينه تهديداً سياسياً سرعان ما تحول إلى استراتيجية تصعيد تدريجي زوارق سريعة للحرس الثوري، مضايقة ناقلات النفط، قيود على تصاريح العبور، ثم الحديث عن تلغيم المياه.
بهذا المعنى، لا تدور الأزمة حول إيران وحدها، بل حول السيطرة على أحد أهم مفاتيح الطاقة في العالم.
أحد أكثر عناصر الأزمة إثارة للقلق هو احتمال استخدام الألغام البحرية، فهذه الأداة العسكرية البسيطة تختصر منطق الصراع في الخليج كلفة منخفضة وتأثير عالمي.
اللغم البحري قد لا تتجاوز كلفته بضعة آلاف من الدولارات، لكنه قادر على تعطيل ناقلة نفط قيمتها مئات الملايين، غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الانفجار نفسه، بل في الذعر الذي يخلقه، فمجرد الشك بوجود ألغام كفيل بأن يرفع كلفة التأمين على السفن ويجبر شركات الشحن على تغيير مساراتها.
هذا السيناريو ليس جديداً، ففي الثمانينيات، خلال ما عُرف بحرب الناقلات بين العراق وإيران، تحولت مياه الخليج إلى ساحة استهداف للسفن التجارية، ما دفع الولايات المتحدة إلى التدخل لحماية الملاحة النفطية.
اليوم يعود هذا المشهد بصورة مختلفة، لكن في سياق أكثر تعقيداً بكثير، حيث يتداخل الصراع الإقليمي مع التنافس بين القوى الكبرى.
لعبة عضّ الأصابع
في جوهر الأزمة الحالية لا تسعى إيران إلى حسم عسكري مباشر، فهي تدرك الفارق الكبير في القدرات بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، ما تحاول فعله هو تغيير معادلة الكلفة.
الرسالة الإيرانية واضحة إذا تعرضت لضربات عسكرية، فإن الرد لن يكون بالضرورة في ميدان المعركة التقليدي، بل في الاقتصاد العالمي، ومن هنا يأتي التلويح بورقة مضيق هرمز، وربما أيضاً باب المندب عبر الحوثيين في اليمن.
إذا اجتمع هذان الممران في أزمة واحدة، فإن شرايين الطاقة العالمية قد تتعرض لضغط غير مسبوق، وهنا يتحول الصراع من حرب تقليدية إلى لعبة عضّ أصابع اقتصادية.
المفارقة أن الولايات المتحدة قد لا تكون الطرف الأكثر تضرراً مباشرة من إغلاق المضيق، فقد تحولت في السنوات الأخيرة إلى أحد أكبر منتجي النفط في العالم بفضل النفط الصخري.
المتضرر الأكبر سيكون في آسيا، حيث تعتمد اقتصادات مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند بشكل كبير على النفط الخليجي، أما دول الخليج نفسها فتمتلك بعض البدائل الجزئية، مثل خطوط الأنابيب التي تنقل النفط السعودي إلى البحر الأحمر، لكنها لا تستطيع تعويض كل الكميات التي تمر عبر هرمز.
وهذا ما يجعل أي تصعيد في المضيق أزمة عالمية لا إقليمية فقط.
حين غيّر النفط وجه الخليج
لماذا أصبح الخليج مركزاً للصراع الدولي؟ سؤال لتتمكن من الاجابة عليه يجب العودة إلى زمن لم يكن فيه النفط قد غيّر كل شيء بعد.
قبل اكتشاف النفط كانت مدن الخليج مجرد موانئ صغيرة تعتمد على صيد السمك وتجارة اللؤلؤ، الكويت كانت بلدة ساحلية متواضعة، وأبوظبي فيها بضع مئات من البيوت الطينية، والرياض مدينة صحراوية مسوّرة بالكاد تظهر على الخرائط.
لكن اكتشاف النفط غيّر كل ذلك، ومع تدفق العائدات بعد الحرب العالمية الثانية تحولت المنطقة من أطراف منسية إلى قلب الاقتصاد العالمي. ومنذ تلك اللحظة أصبح الخليج ليس فقط خزان طاقة، بل أيضاً ساحة تنافس سياسي وعسكري بين القوى الكبرى.
ظهر هذا التحول بوضوح خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، حين استخدمت الدول العربية النفط كسلاح سياسي عبر حظر تصديره إلى الدول الداعمة لإسرائيل. كانت النتيجة صدمة عالمية تضاعفت أسعار النفط عدة مرات خلال أشهر، ووجدت الدول الصناعية نفسها فجأة رهينة لقرار سياسي صادر من الشرق الأوسط.
ومنذ ذلك الحين أصبح النفط جزءاً من معادلات القوة الدولية. بعد سنوات قليلة من أزمة النفط جاء حدث آخر أعاد تشكيل الشرق الأوسط الثورة الإيرانية.
قيام الجمهورية الإسلامية لم يكن مجرد تغيير في نظام الحكم، بل إعلان مشروع سياسي يقوم على معاداة النفوذ الأمريكي والسعي إلى توسيع الدور الإيراني في المنطقة.
هذا المشروع أصبح لاحقاً أحد العوامل الأساسية في الصراعات الإقليمية، وهو ما يجعل المواجهة الحالية امتداداً لمسار بدأ قبل عقود.
لم تنتهِ تداعيات الثورة الإيرانية عند حدود إيران، بل أطلقت سلسلة من الحروب والأزمات التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط، الحرب العراقية-الإيرانية استنزفت البلدين وعمّقت الانقسام في المنطقة، ثم جاء غزو الكويت ليقود إلى تدخل عسكري دولي وترسيخ الوجود العسكري الأميركي في الخليج، ذلك الوجود لم يبقَ مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة، بل أصبح جزءاً من معادلة القوة في المنطقة، وكان أحد العوامل التي غذّت لاحقاً صعود تنظيم القاعدة، في المسار الذي انتهى بهجمات 11 أيلول/ سبتمبر.
لكن الحلقة التالية من هذا المسار جاءت مع غزو العراق، حين انهارت مؤسسات الدولة وفتحت المنطقة على مرحلة جديدة من الفوضى الإقليمية، في تلك البيئة المضطربة ظهرت تنظيمات متطرفة مثل داعش، بينما توسع النفوذ الإيراني في العراق وسوريا، خلال هذه السنوات بنت طهران شبكة نفوذ تمتد عبر حلفاء محليين في لبنان والعراق وسوريا واليمن، ما منحها عمقاً استراتيجياً واسعاً، لكنه جعل أي مواجهة معها تمتد تلقائياً إلى أكثر من ساحة في الشرق الأوسط.
وبالرغم من الحديث المتزايد عن الطاقة البديلة وتراجع مركزية النفط في الاقتصاد العالمي، فإن الجغرافيا السياسية للخليج ما زالت تفرض حضورها كلما اندلعت أزمة جديدة، ومع اقتراب مضيق هرمز من حافة الإغلاق يبدو التاريخ كأنه يعيد نفسه مرة أخرى، ففي الشرق الأوسط لا تختفي الأزمات، بل تتحول من شكل إلى آخر، كل حرب تترك وراءها بذور الصراع التالي، وكل قرار سياسي يفتح الباب لمسار جديد من التوتر.
لهذا لا يمكن قراءة ما يحدث اليوم بوصفه أزمة عابرة، بل فصلاً جديداً في قصة طويلة بدأت منذ أن تحوّل الرمل إلى ذهب، وأصبح النفط جزءاً من معادلات القوة والصراع في المنطقة.
لكن قصة الشرق الأوسط لا تُكتب بالحروب بين الدول وحدها، ففي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين انفجرت المنطقة من الداخل أيضاً، حين خرجت ملايين الناس إلى الشوارع مطالبة بالحرية والعدالة.
ما بدا في البداية ربيعاً سياسياً سرعان ما تحول إلى حروب أهلية وصراعات إقليمية جديدة.




