قبل شن الحرب الأميركية الإسرائيلية العدوانية على إيران (في 28 شباط/ فبراير 2026)، كشفت تقارير إعلامية وبيانات صادرة عن منظمات حقوق إنسان إسرائيلية أن إسرائيل سلّحت آلاف المستوطنين في الضفة الغربية وزوّدتهم بالزيّ العسكري، ومنحتهم القوة الفتاكة بغياب آليات إشراف ورقابة على تفعيلها، وأن إطلاق النار، والاعتداءات، والتعدّي على الممتلكات والأراضي، والسطو والسرقة، وإتلاف الممتلكات، ليست سوى بعض الأمثلة على الحوادث التي ارتكب فيها مستوطنون إسرائيليون جرائم ضد السكان الفلسطينيين في العامين الماضيين وهم مزودون بالسلاح وبالزي العسكري. ويساعد هذا الشكل من الاعتداءات إسرائيل على تحقيق تطلعاتها إلى وضع يدها على المزيد من أراضي الضفة الغربية وضم هذه الأراضي خالية من سكانها الفلسطينيين.
وبالتزامن مع الحرب على إيران صعّد المستوطنون في الضفة الغربية هجماتهم على الفلسطينيين، في ظل استغلال جليّ لآخر الأوضاع الإقليمية، وللانشغال الدولي بالحرب. ونُشرت في وسائل إعلام إسرائيلية تقارير تحدثت عن موجة اعتداءات جديدة منذ بدء الحرب مع إيران، شملت عمليات إطلاق نار، واقتحامات قرى، وتخريب ممتلكات. بالتوازي مع ذلك اتهمت تقارير حقوقية المستوطنين باستغلال اللحظة لتسريع التهجير والاستيلاء على الأراضي خصوصًا في "مناطق ج".
من المهم التشديد على أن هذا التصعيد لم يبدأ مع الحرب على إيران فقط، بل هو امتداد للارتفاع الكبير في العنف منذ شنّ الحرب على غزة يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث قُتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة خلال تلك الفترة نتيجة عمليات الجيش والمستوطنين. وقبل ذلك مع انطلاق عمل الحكومة الإسرائيلية الحالية في أواخر 2022 وقيامها بالتساهل بل وبتوفير الحماية لمجموعات المستوطنين المسلحة، والذي كان بمثابة المساهم الرئيسي في تصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.
ولا نكشف جديدًا عندما نقول إن ما يحدث هو جزء من سياسة إسرائيلية رسمية لفرض وقائع استيطانية جديدة في الضفة الغربية تعتبر جزءًا من عملية الضم الزاحف لأراضي هذه المنطقة، ولا شك في أن الحرب على إيران أوجدت "نافذة فرص" جديدة للمستوطنين، وتوازت مع التغييرات التي أدخلتها الحكومة على ترتيبات الأراضي في الضفة. ومن هذه التغييرات: إلغاء الحظر على شراء اليهود بصورة خاصة أراضي في الضفة، ورفع السرية عن سجل الأراضي وإلغاء إشراف الإدارة المدنية على صفقات الأراضي، واستئناف تسوية الأراضي وتسجيلها حسب الملكية، وتسريع إعلان مزيد من الأراضي الفلسطينية العامة أو تلك التي لا تتضح صلتها الملكية كـ "أراضي دولة". وتؤدي هذه العناصر مجتمعة إلى توفير مزيد من الأراضي الخالية من الفلسطينيين.
لعلّ الجديد الذي يروّج له المستوطنون في إثر الحرب على إيران فيما يتعلّق بالضفة الغربية هو الذي عبّر عنه القائم بأعمال رئيس "المجلس الإقليمي شومرون"، دافيدي بن تسيون، في إطار مقال نشره في موقع "واينت" التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" (8/3/2026) تحت العنوان الموحي: "بين طهران وجنين"، ويستحث الحكومة الإسرائيلية فيه على الاستمرار في الاستفادة مما وصفه بـ "النظام الإقليمي الآخذ بالتغيّر"، ومما تحظى به إسرائيل من دعم أميركي واضح في مكافحة "الإرهاب"، من أجل معالجة جذور البنية التحتية المسلحة في الضفة الغربية. وبرأيه فإن الوقت الحالي هو الأنسب للتفكير في "خطوة أعمق وأكثر شمولًا تعالج البنية التحتية المسلحة، ومستودعات السلاح، وشبكات التهريب التي قد تنفجر في المستقبل، فكمية السلاح الموجودة في يد الفلسطينيين في الضفة الغربية هائلة". ويحاول بن تسيون استدراج الحكومة إلى مزيد من التفاصيل في هذه القضايا، لكونه يشبه جنيّ القمقم الجاهز في أي وقت للخدمة.
ويستحضر هذا المستوطن ما يقول إنها "نظرية النوافذ المكسورة"، والتي ظهرت في تسعينيات القرن العشرين الماضي في مدينة نيويورك الأميركية، عندما قاد رئيس البلدية آنذاك، رودي جولياني، سياسة تقوم على فكرة بسيطة: إذا تم تجاهل نافذة مكسورة واحدة، فسرعان ما سيبدو الشارع كله وكأنه منطقة مهملة ومفتوحة للفوضى، وكما هو معروف، فإن الثغرة تدعو اللص. ولكن إذا تم التعامل فورًا مع كل علامة صغيرة من علامات الإهمال، فإن الجريمة الكبيرة ستجد صعوبة في النمو. وفي قراءته فإن هذه الطريقة، الآتية من عالم مكافحة الجريمة في المدن، يمكن بل يجب نقلها إلىى مفهوم الأمن لدى إسرائيل. أما الدرس المطلوب من "نظرية النوافذ المكسورة" فواضح: مَن يعالج المشكلة الصغيرة مبكرًا، يمنع الجريمة الكبيرة، و"النافذة الصغيرة في جنين لا تقل أهمية عن المعركة الكبرى التي تخوضها إسرائيل في طهران الآن"!
ويتبنّى بعض المعارضين للسياسة الإسرائيلية الحالية حيال الضفة الغربية، والتي توصف بحق أنها بمثابة ضمّ للضفة حتى من دون إعلان رسمي بغية الإحباط النهائي لما يُعرف باسم حل الدولتين الذي يتضمن إقامة دولة فلسطينية، مقاربةً فحواها أنه على الأقل منذ بدء عمل الحكومة الإسرائيلية الحالية في أواخر العام 2022، فإن حزب "الصهيونية الدينية"، بالرغم من كونه أقلية لا يُتوقع أن تتجاوز نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة، وفقًا لآخر استطلاعات الرأي العام، يفرض رؤيته الأيديولوجية على الدولة بأسرها. وهي رؤية ترمي إلى "تغيير الحمض النووي للضفة الغربية (من تحت الرادار)"، بحسب توصيف أحد هؤلاء المعارضين، والوصول إلى "نقطة اللاعودة" التي لن تسمح لا بالفصل بين الشعبين ولا بقيام دولة فلسطينية. وسبق لزعيم "الصهيونية الدينية"، الوزير بتسلئيل سموتريتش، أن عرض قبل عدة أشهر خطة عمل مفصّلة لتحقيق هذه الرؤية، تتماشى مع "خطة الحسم" التي نشرها في العام 2017، وتتضمن ضمّ 82 بالمائة من أراضي الضفة الغربية بما في ذلك قلقيلية وبيت لحم، وخلق جيوب فلسطينية على شاكلة الكيانات المصطنعة التي أقامها نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا (البانتوستانات).
غير أن الحقيقة تناقض هذه المقاربة، حيث أن المواقف السياسية ناهيك عن الوقائع تثبت أن هدف إحباط إقامة دولة فلسطينية في الأراضي التي احتُلّت في العام 1967 غير مقتصر على اليمين الإسرائيلي الحاكم الآن، بل كان مشترَكًا بين كثيرين في المعسكر المفروض أنه معارض، ومثلما يُشار مرارًا فقد عارض قيامها حتى بعد اتفاقيات أوسلو رؤساء حكومات حزب العمل (محسوب على "اليسار الصهيوني") يتسحاق رابين وشمعون بيريز وإيهود باراك. كما أن اللجوء إلى غاية فصْل سكان قطاع غزة عن سكان الضفة الغربية، باعتبار ذلك الشرط الضروري لإحباط قيام الدولة الفلسطينية، بدأ في تسعينيات القرن العشرين الماضي. أما التهجير وفق مبدأ "أرض أكثر وعرب أقل" فقد كان مرجعًا ودليلًا في الحركة الصهيونية قبل العام 1948، وأيضًا عندما وضعت الخطط الديموغرافية في غزة والضفة الغربية.
وفيما يتعلق بالضفة الغربية تحديدًا، فإنه منذ حزيران/ يونيو 2012 على الأقل تتصرّف حكومات بنيامين نتنياهو بموجب خلاصات ما عرف في حينه بـ "تقرير لجنة فحص البناء الاستيطاني في الضفة الغربية" التي ترأسها قاضي المحكمة العليا المتقاعد إدموند ليفي، والتي جاء فيها أنه لا يوجد احتلال في الضفة، ولا يتعيّن على الدولة التعامل مع نهب أراضي الفلسطينيين وإقامة بؤر استيطانية عشوائية عليها، فهذا من اختصاص المحاكم الإسرائيلية بادعاء أن هذه أراض متنازع عليها. واستند استنتاج هذه اللجنة بأنه "لا يوجد احتلال" إلى أن إسرائيل احتلت الضفة الغربية عندما كانت في يد الأردن، وإلى أنه منذ البداية كان يوجد خلاف في ما يتعلق بسيادة الأردن عليها. وأشار تقرير اللجنة أيضاً إلى أنه في العام 1988 أعلن الأردن فك ارتباطه مع الضفة وتنازل عن أي مطالب إقليمية وجغرافية. بالإضافة إلى ذلك اعتبر التقرير أنه يوجد لدى إسرائيل سبب للادعاء أن الضفة تابعة لها، وفقاً لوعد بلفور، ولأن العرب لم يوافقوا على قرار التقسيم.
وكان واضحاً في حينه أن هذا التقرير يعيش على إرث أو على الأثر المفتوح لاتفاق أوسلو والذي نص على إبقاء مساحة واسعة في الضفة الغربية (أكثر من 60 في المئة) في يد إسرائيل مع أقل عدد من الفلسطينيين، وتولى قطاع المستوطنين وأنصارهم المتزايدون في المؤسسة الإسرائيلية، منذ منتصف التسعينيات، مهمة منع إعادة هذه المساحة من الضفة إلى الفلسطينيين، عبر إقامة بؤر استيطانية متزايدة، والعنف المتصاعد الذي يمارسونه من دون أيّة عقوبة أو ردع، والضغط السياسي الهائل على الإدارة المدنية لمنع أي بناء فلسطيني، وحالياً من خلال قوانين الضم الرسمية التي جرى التقدم بها إلى السلطة التشريعية.




