هل تعيد الحرب على إيران الاهتمام بموقع سوريا الجيواستراتيجي؟

مالك ونوسالخميس 2026/03/19
Image-1773941093
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

أدخلت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، أوروبا ودولاً خارج القارة، في تخبُّطٍ طاقوي، بسبب إغلاق مضيق هرمز واستهداف مصادر الطاقة في دول الخليج العربي، والذي أدى إلى تعطُّل سلاسل توريد الغاز والنفط وغيرهما من السلع. في هذا الوقت، برزت سوريا منطقةً مستقرةً حين كانت نيران تلك الحرب تشتعل قريباً منها، وتصيب ألسنتها جميع الدول المحيطة بها. وإذ يعد هذا الاستقرار ميزةً، فإن استكماله عبر ضبط الأمن داخل البلاد والإصلاحات، يمكن أن يعيد الاهتمام الدولي بموقع سوريا الجيواستراتيجي، ويزيد حماسة الدول المتضررة من الحرب، لاستثمار احتياطي سوريا النفطي والغازي، والاستفادة من موقعها ممراً لخطوط نقل النفط والغاز وخطوط النقل البري، كونها قريبة من أسواق الاستهلاك الشرهة في أوروبا.

 

ولم تقُلّ أهمية سوريا الجيواستراتيجية يوماً، إلا أن حرب نظام الأسد على الشعب السوري، جعلتها خارج الحسابات في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية على مدى السنوات الأربعة عشر الأخيرة. ومن العوامل التي أعطتها تلك الأهمية، موقعها الجغرافي الحساس بين عدة قارات، وكونها تعد مع لبنان وفلسطين المحتلة، ساحل قارة آسيا وبوابتها المطلة على قارة أوروبا، علاوة على قربها من مصادر الطاقة الأساسية في العالم. وهي عوامل جعلتها تصبح ساحةً تقاطعت فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية وتنافست، خصوصاً الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي، فتدخلت فيها عسكرياً وتجارياً، وحتى اجتماعياً أيضاً. كما يبرز دورها المهم في الصراعات الإقليمية والتوازنات الدولية تاريخياً، خصوصاً بالنسبة للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، ودورها المحوري في القضية اللبنانية وفي حروب العراق. وجعل هذا الدور منها عقدةً جيوسياسية كان من الصعب تجاهلها خلال الحرب الأهلية، لكن عاد الاهتمام بها فور سقوط الأسد، في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ما يمكن أن يعيد التنافس الدولي على هذا الدور والموقع. وبالتالي، يمكن تكريس الأهمية الجيواقتصادية لهذه العوامل واستغلالها لزيادة إدماجها في الاقتصادات الإقليمية والدولية، إذا ما تحقق فيها الاستقرار الأمني والسياسي.

 

وقد تعددت الإشارات التي تدل على عودة الاهتمام الدولي بسوريا، بعد سقوط نظام الأسد، فشهدت تقاطراً لمسؤولي أهم دول العالم الذين ربما سارعوا لحجز مكان لهم يؤهلهم الفوز بعقود إعادة البناء المستقبلية الكلية. كما كان لافتاً الدعم السياسي منقطع النظير الذي حازته من الأشقاء والأصدقاء، كذلك مساهمة الجميع في الجهد الرامي لرفع العقوبات الدولية عنها، وإزالة اسمها من لائحة الدول الراعية للإرهاب، علاوة على الدعم المالي العاجل الذي قدمته العربية السعودية ودولة قطر بالتنسيق مع المؤسسات الدولية. 

وفي سياق هذا الدعم، كان لافتاً كلام مسؤولة السياسة الخارجية لدى الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، في ختام اجتماع وزراء خارجية الاتحاد، في 15 كانون الأول/ديسمبر الماضي، وتأكيدها أن الاتحاد يعمل على دعم الحكومة السورية في المجالين الاقتصادي والأمني من أجل الوصول إلى حال من الاستقرار الضروري لقدوم الاستثمارات، ونوهت إلى اهتمام الاتحاد بموضوع الشراكة السياسية مع سوريا. ويظهر هذا أن الأمر يتجاوز موضوع العلاقات السياسية والاقتصادية، ليصل مرحلة الشراكة السياسية، وربما الاقتصادية لاحقاً، وهي فرصة يستحسن بدمشق استغلاها، خصوصاً أن تأكيدات من هذا النوع قد تكررت مراراً. فقد تجدد هذا الدعم، خلال زيارة وفد أوروبيٍّ بارزٍ، مؤلفٍ من رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دمشق، في 9 كانون الثاني/يناير الماضي، ولقائهما الرئيس أحمد الشرع. وتأكيد فون دير لاين، أن أوروبا ستبذل كل ما بوسعها من أجل دعم التعافي وإعادة الإعمار في سوريا.

 

الآن، وفي ظل هذه الحرب، وما سببته من ضررٍ لدول الخليج العربي، نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتوقف عمليات الإنتاج والتصدير فيها، قد تلتفت الدول المتضررة إلى طرق بديلة للتصدير، ومنها أنابيب النقل عبر الأراضي السورية. وينطبق هذا الأمر على أوروبا أيضاً، نتيجة تضررها في مجال الطاقة، إذ أشار محللون أنه وفي سياق بحثها عن بدائل في هذا المجال، وعن طرق بديلة عن الطرق البحرية المعهودة، يمكن أن تزيد من ثقلها من أجل السير في سياق الدعم الذي أبدته لسوريا، من أجل زيادة نفوذها أولاً، وأيضاً زيادة فرص تعافي سوريا، لتحضير الأرضية لانطلاق الأعمال. وتوقع البعض أن تلتفت إلى الاستثمار في التنقيب عن مصادر الطاقة فيها، وأن تزيد مساهمتها في إصلاح البنية التحتية، من طرق برية وأنابيب نقل النفط والغاز والموانئ والمطارات، لتسريع عملية تحضير سوريا لكي تصبح مصدراً للنفط والغاز، وممراً لأنابيب الطاقة أيضاً، وطريقاً لعبور البضائع والسلع من أوروبا نحو أسواق دول الخليج والعراق.

 

هذا كله متوقف على قدرة سلطة دمشق على وضع البلاد على سكة التعافي، وهي التي توفرت لها فرص كثيرة من أجل السير في هذا المسار، غير أنها لم تستغلها. إذ إن الشرط الرئيس لهذا التعافي، كان وما يزال وقفاً على قدرة دمشق على بسط الأمن ووقف التجاوزرات والخطف والانتهاكات بحق الأقليات، والتي لا يمكن أن تتوقف إلا بعد استكمال عملية دمج الفصائل المقاتلة، دمجاً كلياً في الجيش والأجهزة الأمنية. كذلك وقف ظاهرة السلاح المتفلت والقتل المتنقل، والسير بمسار العدالة الانتقالية لوقف عمليات الانتقام وما يسمى عمليات فردية. كذلك السير في العملية التشريعية لانتخاب مجلس نواب يمثل الجميع، وصياغة دستور عصري، يلحظ الإصلاح في المجال القانوني وسن قوانين تخص الاستثمار، ومحاربة الفساد وتحقيق الإصلاح الإداري وفصل السلطات. ومن هنا من الضروري تشكيل حكومة تمثل الجميع، بلا إقصاء لأيٍّ من أبناء المجتمع السوري، للشروع في إعادة البناء، وبناء المساكن لتسهيل عودة النازحين لكي يساهموا في إدارة العجلة الاقتصادية.

هذه المهمات ليست ضرورية من أجل جذب رؤوس الأموال، وإيجاد القدرة على توظيف الاستثمارات بما يساهم في عملية التنمية، فحسب، بل هي ضرورية من أجل إيجاد مناخٍ صحي، يجعل البيئة جاهزة لنمو الأعمال بما يوقف التراجع الهائل في مستوى معيشة السوريين. وقد ازدادت هذه الضرورة بعدما ظهرت الدولة بمظهر العاجز عن تحسين مستوى معيشة الشعب، وأوصلت الجميع إلى حائط مسدود، لا قدرة لها على أخترقه، ولا تفسح المجال للآخرين لفعل ذلك.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث