مع دخول المواجهة العسكرية بين التحالف الأميركي الإسرائيلي وإيران أسبوعها الثالث، كشف تقرير استراتيجية نشرتها صحيفة "معاريف" العبرية عن تحوّل في التفكير العملياتي داخل أروقة صنع القرار في تل أبيب، حيث بدأ المخططون العسكريون برسم ملامح ما يُعرف بـ"المعركة الرابعة" أو "المعركة ما بعد الحرب"، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة القوة الجوية على تحقيق الهدف السياسي الأسمى وهو إسقاط النظام في طهران.
وفي وتقرير للخبير العسكري ألون بن دافيد، نشرته الصحيفة، اليوم الخميس، برزت عدة محاور ترسم المشهد المعقد للصراع الحالي.
قدرة التحمل الإيرانية
يشير بن دافيد إلى أن القيادة الإيرانية استوعبت رسالة "القدرة على تحمل الضربات"، فرغم الهجمات العنيفة، لا يزال النظام الإيراني يواصل المضي قدماً في الدفع بالمسيرات والصواريخ البالستية. وبينما استقر معدل الرشقات الصاروخية تجاه إسرائيل عند نحو عشرين صاروخاً يومياً منذ أسبوع، يبدو أن طهران تعتزم البقاء "على أقدامها" حتى اليوم الأخير، سواء بقي مجتبى خامنئي في السلطة أو من يحل محله.
أهداف غير قابلة للتحقق
وكشف التقرير عن فجوة في تعريف أهداف الحرب، فبينما توخى المخططون العسكريون في تل أبيب وواشنطن الحذر بتعريف الهدف كـ "خلق ظروف عسكرية لتغيير النظام"، ذهب القادة السياسيون، وعلى رأسهم دونالد ترامب، نحو سقف غير قابل للتحقق بوسائل جوية صرفة وهو إسقاط النظام الإيراني المتعمق في مؤسسات متماسكة ومعقدة.
ويؤكد بن دافيد أنه "لا سبيل لإسقاط نظام مستقر نجا من هزات 47 عاماً عبر طائرات "إف ٣٥، أو بي ٥٢" مشيراً إلى أن ذلك يتطلب قوات برية والتحاماً مباشراً مع الشارع، وهو ما يفتقر إليه التحالف حالياً، حيث لم تسفر الرهانات على "اجتياح كردي" أو بناء بنية تحتية ثورية من قبل "الموساد" و"السي آي إيه" عن نتائج ملموسة حتى الآن.
المعركة الرابعة
وفي ظل إدراك الجيش الإسرائيلي بأن "تغيير النظام" يظل أمنية أكثر من كونها هدفاً واقعياً، بدأ التخطيط لـ "المعركة الرابعة". ويسعى الجهد الإسرائيلي حالياً لربط الولايات المتحدة بـ "حصار شامل متواصل" على إيران بحرياً، وجوياً، وبرياً. يهدف لخنق النظام ودفع بذور انهياره حتى بعد توقف المدافع.
ميدانياً، يعمل سلاح الجو الإسرائيلي بسباق مع الزمن، حيث يسير بين قطارين وثلاثة قطارات جوية يومياً أكثر من 100 طائرة لتدمير الحد الأقصى من الأهداف. وبحسب الاستخبارات الإسرائيلية، تم تدمير نحو 80% من "الأهداف الاضطرارية"، الدفاع الجوي، ومنصات الصواريخ، ورموز الحكم، لكن النظام لا يزال يؤدي مهامه رغم الإصابة.
ترامب يلاحق النفط
يطرح التقرير تساؤلاً جوهرياً حول أهداف الرئيس ترامب الحقيقية، فمن خلال ربط ملفات فنزويلا وغرينلاند وإيران، يظهر "النفط" كقاسم مشترك. ويرى بن دافيد أن ترامب يسعى للسيطرة على الطاقة للتحكم في "نقطة ضعف" الصين، المستورد الأكبر للنفط في العالم.
ويشير التقرير إلى أنه إذا نجح ترامب في فرض اتفاق نفطي جديد، فإنه سيؤمن السيطرة على 30% من احتياطات النفط العالمية، مما يمنحه ورقة ضغط استراتيجية حيال طموحات الصين التوسعية، خاصة في ملف تايوان والذكاء الاصطناعي، ويحرر واشنطن من احتكار "أوبك" للأسعار.
الخلافة والثأر
وتظل العقبة الكبرى أمام أي تسوية سياسية هي شخصية الزعيم الحالي مجتبى خامنئي، الذي وصفه التقرير بأنه شخص مدفوع بـ "أمنية ثأر" بعد استهداف عائلته. ومع وجود خلافات داخل النظام الإيراني حول شرعية انتخابه، يظل من المستبعد انتهاء الحرب باتفاق، والأرجح هو الوصول لـ "وقف إطلاق نار من طرف واحد" تفرضه إسرائيل وأمريكا بشروط صارمة.
يخلص التقرير إلى مفارقة لاذعة، فبينما تهدف الحرب لحفظ "النظام" في كلا الجانبين، تجد إسرائيل نفسها في موقع "الفأر على ظهر الفيل"، حيث لا تملك وحدها قرار تحديد وتيرة العمليات أو نقطة النهاية.




