جنرال الوقت ولغم هرمز يضغطان على حرب إسرائيل

حلمي موسىالأربعاء 2026/03/18
Image-1773853956
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمة ما يشبه الإجماع في إسرائيل والولايات المتحدة، على أن الحرب القائمة على إيران انطلقت من دوافع إسرائيلية ومن دون مصلحة أميركية حقيقية. وهذا ما يصمت عنه الإسرائيليون ويتحدث عنه أميركيون بغضب، خصوصاً من الأوساط التي كانت في الأصل مساندة  للرئيس الأميركي دونالد ترامب. وآخرهم مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت، الذي استقال بشكل مفاجئ من منصبه، مُتهماً إسرائيل بشكل مباشر وصريح بجر الولايات المتحدة إلى حرب "غير ضرورية" مع إيران. 

ولم يكن كينت وحيداً حيث أشار مسئولون وإعلاميون إلى أن ترامب انجرّ إلى الحرب بسبب ضغوطات وإغراءات رئيس الحكومة الإسرائيلية المطلوب للجنائية الدولية، بنيامين نتنياهو. وهناك من يؤكد أن اندفاعة نتنياهو للحرب ولجرّ أميركا إليها كانت فقط لصرف الأنظار عن القضية الأصلية وهي المسألة الفلسطينية التي يسعى اليمين الإسرائيلي لدفنها من دون أثر.

 

وكان جلياً أن نقطة الإغراء الأصلية لترامب هي أن بوسع الضربة الافتتاحية القوية للحرب أن تفتح الطريق أمام إسقاط النظام الإيراني، وإنشاء نظام بديل يسمح لأميركا بالإمساك بخناق العالم وإضعاف الصين وروسيا. وكان التقدير الأولي أنه خلال أيام قليلة من الضربات المشتركة القوية ستتوفر ظروف تسمح بإملاء شروط  الاستسلام. ولذلك كان مستغرباً لدى ترامب، وفق ما كشف مبعوثه للمفاوضات ستيف ويتكوف، كيف لم تستلم إيران بعد. وعلى طريقة إسرائيل، تعامل بطريقة من لا يخضع بالعنف يمكن أن يخضع باستخدام المزيد من العنف. لكن، كما يبدو، لم يتصرف جنرال الوقت بالطريقة التي يريدها ترامب ونتنياهو.

ومع ذلك كانت أميركا الرسمية أسرع في إدراك صعوبة تحقيق هدف اسقاط النظام الإيراني حيث أطلق ناطقون باسم ترامب، تصريحات تفيد بأن هذا ليس الهدف وأن المطلوب "تهذيب" النظام وإضعاف قدراته وتحييد خطر مشروعه النووي والصاروخي. ولكن إسرائيل الرسمية ظلت تضخّ في إعلامها ودبلوماسيتها، أن الهدف هو إسقاط النظام الإيراني و"تحرير" الشعب الإيراني من عبوديته. ولذلك تواصل أجهزة الدعاية الإسرائيلية توجيه رسائل باللغة الفارسية تدعو الجنود وموظفي الحكم الإيراني للانقلاب على النظام وإسقاطه.

 

ومع مرور الوقت وتعاظم تكاليف الحرب المالية والسياسية، صار القادة الإسرائيليون يغيرون طريقتهم في الكلام. فهم لم يعودوا يتحدثون عن إسقاط النظام الإيراني بالسرعة التي كانوا يوحون بها. بل أن بعضهم صار يتحدث عن حرب مع إيران تستمر إلى ما بعد عيدي الفصح و"الاستقلال". وهذا يسقط الفرضية الأساس بأن الحرب ستستمر أياماً وربما أسبوعين على أبعد تقدير، وما زاد الطين بلة أن مضيق هرمز بات "لغماً استراتيجياً" في طريق أميركا وإسرائيل لحسم الحرب وأن ما يعانيه العالم قد تُتهم إسرائيل بالتسبب به.

 

ويرى المعلق العسكري في صحيفة "إسرائيل اليوم" اليمينية يواف ليمور، أن كبار المسئولين الإسرائيليين صاروا يعترفون "بأن فرص الإطاحة بالنظام في إيران أقل مما قدروه في البداية، وقد لا يتحقق ذلك حتى مع نهاية الحملة الحالية". كما أن المراسل السياسي لـ"يديعوت أحرونوت" إيتمار آيخنر، كتب أنهم "في إسرائيل، يستعدون لحرب في إيران حتى ليلة عيد الفصح - ويتحدثون بحذر أكبر عن احتمال سقوط النظام، على الأقل في هذه الجولة". ولاحظ أن هذا الموقف يتجلى بوضوح في تصريحات نتنياهو نفسه الأخيرة، الذي بات يردد أن "الأمر في النهاية بيد الشعب الإيراني".  أما المراسل العسكري لصحيفة "معاريف"،  آفي أشكنازي، فكتب أنه "في اليوم السابع عشر للحرب، يجدر بنا استباق الأحداث: على كل من لديه خطط لعيد الفصح، أو حتى لإحياء ذكرى يوم الاستقلال، إعادة النظر في خططه". 

ويصادف عيد الفصح اليهودي بداية شهر نيسان/أبريل فيما يقع عيد ما يسمى "الاستقلال" يوم 22 نيسا. وكان وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميكي زوهار، قد قال قبل بضعة أيام، أن الحرب قد تستمر لأسابيع أخرى، بل هناك احتمال تصاعد وتيرة إطلاق النار في الأيام المقبلة. وقال رداً على سؤال حول إغلاق قطاعي الثقافة والرياضة: "نحن في وضع لا نعرف فيه متى سينتهي، ولسنا متأكدين من سرعة انتهاء هذا الوضع".

 

مأزق متعدد الأبعاد

كما سلف، لم تتحقق التقديرات الأولية بسقوط النظام الإيراني خلال فترة قصيرة وظهرت المشكلة الأكبر في إغلاق مضيق هرمز من جهة وتراجع مخزونات الجيشين الأميركي والإسرائيلي من الذخائر، وخصوصاً الصواريخ الاعتراضية. وأضعف ذلك مكانة الولايات المتحدة لدى حلفائها سواء بسبب رفض أغلب هؤلاء المشاركة في الحرب، أو بسبب سحب منظومات دفاع جوي تحمي تلك البلدان ونقلها لحماية إسرائيل أو حتى بسبب ارتفاع سعر النفط. واضطر مسئولون أمنيون إسرائيليون لإبداء قلقهم من الآثار بعيدة المدى المترتبة على ذلك، خصوصاً "لغم هرمز الاستراتيجي". 

وما يربك إسرائيل أكثر من أي شيء آخر، هو احتمال اندفاع ترامب للبحث عن مخرج من هذه الحرب لا يرضي إسرائيل. ولذلك تحاول تل أبيب تحقيق أكبر قدر ممكن من التدمير للقدرات الاستراتيجية الإيرانية على أمل أن لا تشكل خطراً في أي سيناريو مستقبلي وعلى الأقل لسنوات مقبلة. وتعمل الاستراتيجية الإسرائيلية على إقناع ترامب بضرب مصالح إيران النفطية وخصوصا في جزيرة خرج بل والسيطرة على الجانب الإيراني من مضيق هرمز.

 

من جانب آخر، وعلى صعيد المترتبات الداخلية على كل من ترامب ونتنياهو بسبب هذه الحرب، فإن الصورة مثيرة للاهتمام. ففي حين يظهر الاختلاف في أميركا، حتى بين أنصار ترامب وحزبه الجمهوري، حيث أغلبية الأميركيين ضد الحرب، هناك تقريباً إجماع في إسرائيل حول ضرورة هذه الحرب. وبالرغم من أن كثيرين حتى من خصوم نتنياهو أقروا بفضله في جرّ أميركا لهذه الحرب إلا أن ذلك لم ينعكس كثيراً على شعبيته في استطلاعات الرأي. 

وبحسب "معاريف"، فإنه على عكس الحروب السابقة، على الأقل في الوقت الراهن، لا تُحدث الحرب مع إيران تأثيراً كبيراً على الخريطة السياسية. فبعد تعزيز "رمزي" في بداية الحملة، ومع نهاية الأسبوع الثاني من عملية "زئير الأسد"، خسر الائتلاف في استطلاع الرأي المقعد الوحيد الذي كان كسبه، وتراجع إلى 50 مقعداً. والمهم في الوقت نفسه، أن المعارضة الصهيونية عززت قوتها لتنال 60 مقعداً عدا مقاعد الأحزاب العربية. ويظهر الاستطلاع نوعا من الحركة والتنقل داخل المعسكر الواحد حيث حافظ "الليكود" على واقع كونه الحزب الأكبر، لكن قائمة منافسه اليميني المعارض نفتالي بينت، تكاد تقترب من حجمه. والمفارقة أن الاستطلاع أشار إلى رضى أغلبية الإسرائيليين، إذ يثق 60 إلى 62 في المئة، بقدرة نتنياهو على إدارة الحرب مقابل 33 في المئة لا يثقون به. وأن أغلب الإسرائيليين ليسوا واثقين من أن الحرب الدائرة ستقود إلى تغيير النظام الإيراني.

 

السؤال الذي هزّ البيت الأبيض

كثيرة هي الاسئلة التي يطرحها الأميركيون على رئيسهم بشأن الحرب على إيران ومصلحتهم فيها، ولكن أخطرها كان السؤال لترامب عن إمكانية استخدام إسرائيل للسلاح النووي ضد إيران. وكان أحد مستشاري ترامب اليهودي ديفيد ساكس، قد ألمح سابقاً إلى احتمال أن تضطر إسرائيل إلى استخدام سلاح نووي ضد إيران، مطالباً ترامب بـ"إعلان النصر والانسحاب من الحرب على إيران". وطلب من ترامب التعليق على ذلك فرد: "نعم، بالتأكيد. لكن إسرائيل لن تفعل شيئاً كهذا. لن تفعل ذلك أبداً. نعم، هناك نظرية تقول: لقد قصفتموهم حتى النهاية، والآن يمكنكم الانسحاب، وسيستغرق الأمر منهم عشر سنوات لإعادة تأهيل أنفسهم - وحتى حينها لن يصلوا إلى المستوى الذي هم عليه الآن".

 

وخلا جواب ترامب من أي تحفظ بشأن السلاح النووي الإسرائيلي ومن المحتمل أن يشير ذلك ضمناً إلى نوع بالتهديد بالسماح باستخدام هذا السلاح، إذا ما أصر البعض على انسحاب أميركا من الحرب. ربما لهذا السبب كان ساكس صريحاً عندما قال: "من الصعب تحديد حجم الضرر الذي تتكبده إسرائيل حالياً جراء التعتيم الإعلامي، لكن ما بدأ يتسرب هو أن إسرائيل تتعرض لضربة أقوى من أي وقت مضى في تاريخها". وحذر ساكس، وفق "معاريف"، متابعيه بنبرة كارثية: "لم يمضِ على هذه الحرب سوى أسبوعين. إذا استمرت لأسابيع أو شهور، فقد تُدمر إسرائيل تماماً".

في إسرائيل يرى آفي أشكنازي في "معاريف"، أن نتنياهو كما ثبت في العامين الماضيين، "لا يعرف كيف ينهي حربا". كما أن الجنرال اسحق بريك حذر من أن الانتصار على إيران قد يكون الأخطر لأن المواجهة المقبلة معها ستكون بعد امتلاكها لعشر قنابل نووية ورغبة ساحقة في الانتقام.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث