بعيداً عن التقييم الأوّلي للنتائج العسكرية للحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، برز في السياق الاستراتيجي للصراع رابحون رئيسيون، في مقدمتهم روسيا والصين، المصنَّفان استراتيجياً -هنا تكمن المفارقة- في خانة خصوم الولايات المتحدة.
فبكين وموسكو تُعَدّان المستفيدتين الأكبر ممّا يجري، لا سيما مع ارتفاع الفاتورة العسكرية لواشنطن بشكل خرافي، إضافةً إلى التراجع الكبير في مخزون الصواريخ الاعتراضية التي يتم استهلاكها بشكل متسارع، هذا عدا عن تخطّي سعر برميل النفط الـ100 دولار، وهذه أمور تصبّ جميعاً في مصلحة هذين البلدين.
الإنفاق العسكري الأميركي بالأرقام
عملياً، تضاربت المعلومات حول الأرقام الحقيقية للحرب، ففي حين كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأربعاء الماضي، أن مسؤولين في البنتاغون أبلغوا أعضاء الكونغرس خلال إحاطة مغلقة، أن التكلفة المالية تجاوزت 11.3 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى فقط، وفقاً لثلاثة مصادر مطّلعة على تفاصيل الإحاطة. لفتت إلى أن الرقم لا يشمل العديد من المصاريف الأخرى المرتبطة بالتحضير للضربات، ما يشير إلى أن التكلفة النهائية للأسبوع الأول قد ارتفعت بشكل كبير.
الجدير بالذكر أن إحاطات سابقة للكونغرس، أوضحت أن الجيش الأميركي استعمل ذخائر بقيمة 5.6 مليارات دولار خلال أول يومين من الحرب، لا سيّما أن القصف الأولي شمل استخدام أسلحة مثل القنابل الانزلاقية من طراز "AGM-154"، التي تتراوح كلفة الواحدة منها بين 578 و836 ألف دولار، والكلام هنا لصحيفة "واشنطن بوست".
بالمقابل، ذكر موقع "بوليتيكو" أن المشرّعين يسمعون سراً أن تكلفة الصراع تصل إلى ملياري دولار يومياً. أما مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) (وهو مركز أبحاث للأمن القومي يضمّ أعضاءً من الحزبين)، فقدّر إنفاق 3.1 مليار دولار على الأسلحة في أول 100 ساعة من الحرب وحدها، كما قيّم المركز النفقات بنحو 758 مليون دولار يومياً.
لكن هذه الأرقام على اختلافها لا تتضمن الأصول العسكرية التي خسرها الجيش الأميركي والتي بلغت قيمتها أكثر من 600 مليون دولار، وأبرزها: ثلاث طائرات "إف-15" سترايك إيغل كانت أُسقطت في حادثة نيران صديقة في الكويت، فضلا عن حوالي 11 طائرة مسيّرة من طراز "إم كيو-9 ريبر".
روسيا وفرصة ملء خزائنها المالية
في الواقع، يتزامن الاستنزاف المالي لواشنطن مع اقتراب الدين الوطني الأميركي من 39 تريليون دولار، وهذا بدوره سيؤدي إلى عرقلة جهود الولايات المتحدة لمنافسة الصين أولاً، وروسيا بشكل أقل.
بالنسبة لموسكو، اعتُبرت الحرب بمثابة هدية هبطت عليها من السماء، استناداً إلى الوقائع التالية:
أولاً: إصدار وزارة الخزانة الأميركية مساء الخميس الماضي، إعفاءً يسمح لروسيا ببدء بيع نحو 128 مليون برميل من النفط، يُرجح أنها كانت قد حُمِّلت بالفعل على ناقلات كانت خاضعة سابقاً للعقوبات الأميركية.
اللافت أن هذه الخطوة ستوفّر دفعة مالية هائلة لروسيا، التي يقول الخبراء إنها تتلقّى بالفعل نحو 150 مليون دولار يومياً من زيادة مبيعات النفط، وبالتالي هذا سيساهم بإعادة ملء خزائن الكرملين المستنزفة ومواصلة حربه ضد أوكرانيا.
ثانياً: أدّى شلّ إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز إلى زيادة الاهتمام باستخدام طريق البحر الشمالي الروسي في القطب الشمالي للتجارة بين أوروبا وآسيا.
ثالثاً: تراجع مخزونات صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية (بشهادات المسؤولين الأميركيين أنفسهم)، التي تشتدّ الحاجة إليها في أوكرانيا. وتعليقاً على ذلك قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي، إن "عدد صواريخ باتريوت المستهلكة خلال ثلاثة أيام فقط من القتال مع إيران يفوق ما استخدمته أوكرانيا منذ عام 2022".
رابعاً: أتاحت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران لموسكو إبراز ما يُسمّى التكافؤ الأخلاقي بين ما تفعله واشنطن وتل أبيب من قصف على الداخل الإيراني، وبين الهجمات الصاروخية الروسية على كييف.
ماذا عن الصين؟
أدّى الانشغال العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، إلى صرف انتباهها وتركيزها الاستراتيجي والأمني عن منطقة المحيط الهادئ من خلال سحب بعض قواتها العسكرية منها، وهو ما يمنح بكين فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها العسكري وحتى الاقتصادي في أكثر من منطقة بالعالم.
أكثر من ذلك، سيساعد الهجوم على إيران، الصين على السير بمسار مختلف لحماية مصالحها. فإذا طبّقت بكين حجج الرئيس دونالد ترامب المتعلقة بخطر البرنامج الصاروخي لإيران على أميركا، فسيعطيها ذلك ذريعة لعبور مضيق تايوان ومهاجمة الجزيرة في أي وقت بدعوى الدفاع عن النفس، وهو ما يخشاه البنتاغون الذي قال إن "بكين تواصل إحراز تقدّم مطّرد نحو هدف شي جين بينغ المتمثّل في أن تكون قادرة على خوض حرب ضد تايوان والانتصار فيها بحلول نهاية عام 2027".
أمّا على صعيد الطاقة، فإن سنوات من الاستثمار الصيني المستمر والمتزايد في هذا القطاع، تركت لديها قدرة كبيرة على امتصاص صدمة ارتفاع أسعار النفط عالمياً، مع الأخذ في الاعتبار أن بكين، لغاية الآن، لم تتأثر كغيرها من الدول بهذه الزيادة، خصوصاً وأن احتياطياتها النفطية تفوق بكثير تلك الموجودة في الولايات المتحدة، إذ يُقدَّر أنها تبلغ نحو 1.3 مليار برميل وفقاً لشركة التحليلات "Kpler". وهذه الكمية تكفي لتعويض أكثر من ستة أشهر من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.
علاوةً على ذلك، لا يزال بيع النفط إلى الصين يشكّل المصدر الرئيسي لدخل إيران، الأمر الذي سيعطي الأخيرة حافزاً كبيراً لإيجاد استثناء يسمح باستمرار التصدير إلى بكين إذا نفدت مخزوناتها الحالية أو تعذّر تسليمها عبر القنوات المعتادة.
إشارة الى أن نحو ثلث إجمالي استهلاك الطاقة في الصين، يأتي الآن من الكهرباء ـــ بحسب مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا ـــ وهو مستوى يزيد بنحو 50% عن المتوسط العالمي.
ليس من المستبعد أن تتمثل المصلحة الصينية-الروسية بعدم انتصار أيٍّ من الطرفين الأميركي والإيراني، لكن سيبقى دعمهما المقنَّن والمدروس لطهران مفتوحاً من خلال استمرار بيعها الأسلحة والمكوّنات الحربية، دون التورّط المباشر في الحرب.




