تكشف التطورات الأخيرة أن كييف تحولت تدريجياً إلى عنصر أساسي في المواجهة مع إيران. فمع ظهور تقارير عن تقديم روسيا دعماً استخبارياً لإيران خلال الحرب، بدأت واشنطن ترسل رسالة واضحة: أي مساعدة روسية لطهران قد تُقابل بتصعيد عسكري غربي في أوكرانيا.
بهذه الطريقة تصبح الحربان، في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، جزءاً من معادلة واحدة. فالدولة التي تخوض منذ أربع سنوات حرباً مع روسيا، تحولت في الوقت نفسه إلى أداة ضغط على موسكو في حال قررت دعم إيران، وإلى مصدر خبرة عسكرية يسعى الغرب للاستفادة منه في مواجهة السلاح الإيراني.
أوكرانيا كأداة ردع ضد روسيا
المعادلة ظهرت بوضوح عندما سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تقارير تحدثت عن قيام موسكو بتزويد طهران بمعلومات استخبارية حول مواقع أميركية في الشرق الأوسط. ترامب حاول التقليل من أهمية هذه التقارير، قائلاً إن الأمر لا يحدث فرقاً كبيراً، وملمحاً في الوقت نفسه إلى أن الولايات المتحدة نفسها تقدم معلومات استخبارية لأوكرانيا لضرب أهداف روسية.
هذا التصريح بدا وكأنه اعتراف ضمني بأن التبادل قائم بالفعل: روسيا تساعد إيران، والغرب يساعد أوكرانيا.
لكن الرسالة الأكثر وضوحاً جاءت من وزارة الدفاع الأميركية. فقد حذّر وزير الدفاع بيت هيغسيث، موسكو من أن أي دعم لإيران "سيُواجه بقوة". ورغم أن التصريح لم يحدد طبيعة الرد، إلا أن التوقيت أعطى مؤشراً واضحاً على المقصود.
فبعد يوم واحد فقط من هذه التصريحات، نفذت أوكرانيا هجوماً لافتاً باستخدام صواريخ أميركية وبريطانية بعيدة المدى استهدف منشأة روسية في منطقة دونيتسك الخاضعة للاحتلال الروسي. المنشأة كانت تُستخدم، وفق تقارير أوكرانية وغربية، لتخزين أو تشغيل طائرات مسيّرة من طراز "شاهد" الإيرانية.
الهجوم استخدم صواريخ "ATACMS" الأميركية وصواريخ كروز بريطانية، وأدى إلى تدمير المبنى بالكامل تقريباً. وبالتالي، بدلاً من مواجهة موسكو مباشرة في الشرق الأوسط، تستطيع واشنطن زيادة كلفة أي دعم روسي لطهران عبر السماح لأوكرانيا بضرب أهداف روسية أكثر حساسية.
مختبر الحرب ضد المسيّرات الإيرانية
لكن أهمية أوكرانيا في الحرب مع إيران لا تقتصر على هذا الدور. فكييف تمتلك اليوم أيضاً ما يمكن اعتباره أكبر خبرة عسكرية في العالم في مواجهة المسيّرات الإيرانية.
منذ عام 2022 استخدمت روسيا آلاف الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" لضرب البنية التحتية الأوكرانية ومحطات الطاقة والمدن الكبرى. هذه المسيّرات تحولت إلى أحد أهم أسلحة الحرب الروسية لأنها رخيصة نسبياً وسهلة الإنتاج وقادرة على قطع مسافات طويلة.
بين أيلول/سبتمبر 2022 ونهاية عام 2024، استخدمت روسيا ما يقارب الـ15 ألف مسيّرة من هذا النوع. لكن التجربة الأوكرانية في مواجهتها تحولت مع الوقت إلى مختبر حقيقي للحرب ضد هذا السلاح.
القوات الأوكرانية طورت خلال سنوات الحرب مجموعة واسعة من التكتيكات لإسقاط هذه المسيّرات، بدءاً من أنظمة الدفاع الجوي التقليدية وصولاً إلى استخدام المسيّرات الاعتراضية والأسلحة الرخيصة نسبياً مقارنة بالصواريخ المكلفة. وتكشف الأرقام المفارقة الاقتصادية، فالمسيّرة الإيرانية الواحدة قد لا تتجاوز كلفتها 35 ألف دولار، بينما قد يصل ثمن صاروخ اعتراض من نظام باتريوت إلى ثلاثة ملايين دولار.
خبرة تحتاجها واشنطن والشرق الأوسط
هذه الخبرة العسكرية أصبحت اليوم ذات قيمة كبيرة للغرب في المواجهة مع إيران. فالحرب الحالية تشير إلى أن طهران تعتمد بشكل كبير على المسيّرات والصواريخ منخفضة الكلفة نسبياً، وهو النمط نفسه الذي واجهته أوكرانيا طوال السنوات الماضية.
لهذا السبب بدأت الولايات المتحدة ودول أوروبية بالبحث في الاستفادة من التجربة الأوكرانية، سواء عبر التعاون العسكري أو حتى شراء أنظمة اعتراض طورتها كييف خصيصاً لمواجهة المسيّرات الإيرانية.
الاهتمام بهذه الخبرة لا يقتصر على الغرب. فدول في الشرق الأوسط، بينها السعودية والإمارات، تتابع أيضاً التجربة الأوكرانية في مواجهة المسيّرات، في ظل التهديدات الإيرانية المتزايدة في المنطقة.
بهذا المعنى تتحول أوكرانيا من مجرد دولة تتلقى الدعم العسكري إلى شريك يملك معرفة قتالية يحتاجها الآخرون.
من ردع روسيا إلى إضعاف إيران
لكن الدور الأوسع لأوكرانيا في الحرب مع إيران يرتبط أيضاً بحسابات استراتيجية تتجاوز ساحة المعركة المباشرة.
فردع روسيا عن دعم إيران يعني عملياً تقليص قدرة طهران على الصمود في مواجهة الضغط العسكري الغربي. وكلما تراجع الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه إيران من موسكو، أصبح من الأسهل على الولايات المتحدة وحلفائها إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً تلك المرتبطة بالصواريخ والمسيّرات.
إضعاف هذه القدرات يفتح بدوره الباب أمام هدف استراتيجي أكبر يتمثل في تحييد قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
هذا المضيق يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي تهديد له يؤدي فوراً إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز. وقد حدث ذلك بالفعل خلال الأسابيع الأخيرة، حيث تجاوز سعر النفط عتبة مئة دولار للبرميل مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط.
ويمنح ارتفاع الأسعار روسيا في المقابل متنفساً اقتصادياً مهماً، لأن عائدات الطاقة تبقى المصدر الأساسي لتمويل حربها الطويلة في أوكرانيا.
لكن إذا نجح الغرب في تقليص قدرة إيران على تهديد مضيق هرمز، فإن استقرار إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى تراجع الأسعار، ما يضعف أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية لروسيا.
بهذا الشكل تصبح المعادلة أوضح: ردع روسيا عن دعم إيران قد يؤدي إلى إضعاف طهران، وتأمين هرمز، وتقليص الموارد الاقتصادية التي تسمح لموسكو بمواصلة حربها في أوروبا. هذا في وقت تحذر فيه دوائر غربية من أن موسكو تسعى إلى تعزيز نفوذها العسكري في منطقة البلطيق ومحاولة تغيير ميزان القوى هناك.
في ضوء هذه الحسابات، تبدو الحربان، في أوكرانيا وإيران، أقل انفصالاً مما قد يبدو للوهلة الأولى. فالجبهة الأوكرانية لم تعد مجرد صراع إقليمي بين كييف وموسكو، بل تحولت في الوقت نفسه إلى ورقة استراتيجية يستخدمها الغرب في مواجهة إيران، وإلى مختبر عسكري يوفر الخبرة في الحرب ضد أحد أهم أسلحة طهران.
