العراق ومأزق الحرب في إيران

Image-1772628871
الجغرافيا العراقية تحولت سريعاً إلى ساحة حرب واسعة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

آخر شيء يمكن أن يتمناه العراقيون هو أن يجدوا بلدهم طرفاً في حرب، يتفق كثيرون أن لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فالبلاد لم تتمكن حتى الآن من الخروج من داومة أزمة عدم تشكيل حكومة جديدة بالرغم من مرور أكثر من أربعة أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية.

مع اندلاع المواجهة بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، تحولت الجغرافيا العراقية سريعاً إلى ساحة حرب واسعة. ولم تشفع كل التحذيرات التي أطلقت قبل اندلاع هذه المواجهة من أكثر من جهة والتي حذرت من عواقب وتداعيات جر العراق ليكون طرفاً في هذه المواجهة. وعبثاً سعت الحكومية للحيلولة دون جر العراق إلى هذه الحرب، ودخول فصائل مسلحة عراقية إلى هذه المواجهة

فمنذ اليوم الأول لتفجر المواجهة أعلنت قوى مسلحة عراقية مقربة من إيران، أنها لن تقف متفرجة إزاء ما يجري وأن كل الأهداف والمصالح الأميركية والإسرائيلية ستكون هدفاً لها سواء كانت داخل العراق أو خارجه.

 

الموقف الحكومي

دانت الحكومة العراقية ما يحدث، سواء الضربات الجوية العديدة التي جاءت من خارج الحدود وأدت الى سقوط العشرات، أو التي نفذتها الفصائل من داخل العراق واستهدف بعضها دول الجوار

لم تستهدف الضربات الجوية الأميركية مواقع تابعة للفصائل فحسب، بل شملت مواقع اُخرى تابعة للحشد الشعبي. وهو تطور عقد كثيراً المشهد الداخلي العراق وأحرج حكومة بغداد باعتبار أن الحشد مؤسسة أمنية حكومية. وإذا كانت الحكومة قد غضت الطرف عما يجري والضربات الجوية الأميركية التي جاءت رداً على عمليات طالت مصالحها ونفذتها فصائل مسلحة، فانها لم يكن لتفعل الشيء نفسه مع إستهداف مواقع تابعة للحشد

وصف مكتب رئيس الوزراء في بيان هذه الضربات بانها إعتداءات سافرة وعدوان ممنهج ومتكرر. وقال البيان إن ما يجري هو استهدف لمواقع ومقرات "دون تمييز" وأن الحكومة لن تسمح بتحويل العراق الى ساحة لتصفية الحسابات.

مثلَ تكرار هذه العمليات وتصاعد وتيرتها وثأثيرها علامة مميزة لسير هذه المواجهة على الأرض العراقية. واذا كانت الحكومة قد نجحت في حرب الإثني عشر يوماً التي جرت في إكتوبر الماضي من إبعاد العراق عنها، إلا أن محاولاتها هذه المرة لم تنفع، ولم تشفع تعهداتها في حماية المصالح الأميركية والمواقع الاقتصادية من هذه الضربات.

وهكذا وجدت حكومة تصريف الأعمال التي يرأسها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نفسها في موقف صعب جداً وفي فترة زمنية حرجة للغاية وهي التي توصف دستورياً بأنها حكومة تصريف أعمال. وهي بهذا الوصف أضحت منذ عدة أشهر مجردة من كثير من الصلاحيات، وفق القانون والدستور العراقي. يضاف إلى هذا الحسابات السياسية الداخلية المشابكة والمتقاطعة جداً على خلفية أزمة عدم تشكيل حكومة عراقية جديدة

ولم يكن البيان الذي أعلنه مكتب المتحدث باسم الخارجية الأميركية قبل أيام سوى ترجمة واقعية لهذا الحال. فقد قال البيان إن الوزير ماركو روبيو دانَ خلال إتصال هاتفي مع رئيس الوزراء العراقي ما وصفها "الهجمات الارهابية التي تنفذها إيران والمليشيات العراقية المتحالفة معها في العراق". موقف لم يترك لرئيس الوزراء من خيار في بيان صدر عن مكتبه سوى التعهد مرة اُخرى بـِ "التزام العراق بحماية البعثات العاملة في العراق مع التاكيد بضرورة ضمان عدم إستخدام الأجواء والأراضي العراقية والمياه العراقية باي عمل عسكري يستهدف دول الجوار أو المنطقة ورفض محاولات الزج بالعراق في هذه الحرب"، من أي جهة.

 

الحشد و "فصائل المقاومة"

لم تتردد الفصائل المنضوية تحت مسمى "المقاومة الإسلامية في العراق" من تبني العديد من الهجمات التي نفذتها داخل وخارج العراق والتي قالت إنها أدت إلى مقتل العديد من الأميركان الذين كانوا متواجدين فيها.

طالت هذه الضربات مواقع عديدة في بغداد وأربيل ومناطق اخرى في عدد المحافظات. شمل القصف مبنى السفارة الأميركية في بغداد ومطار بغداد حيث يقع مركز الدعم اللوجستي التابع للسفارة الأميركية بالقرب من المطار. وفي أرييل طال القصف مطار أربيل وقاعدة حرير القريبة من المطالر والتي تضم قوات أميركية.

ومع تصاعد الموقف وتصاعد وتيرة الاستهدافات، حذر أكرم الكعبي وهو زعيم حركة النجباء، أحد أبرز الفصائل العراقية المسلحة، من وصفهم الواشين من "تسريب معلومات عن المجاهدين للمخابرات القبرصية والأردنية".

أما أبو علي العسكري، وهو المسؤول الأمني لكتائب حزب الله في العراق فقال إن حركته "تسجل كافة المواقف المعادية للاُمة في هذه الحرب". وتوعد في بيان "كل تطاول بلسانه أو يده سواء كان في الداخل أو الخارج بأنه سيكون لنا معه موقف حازم آتٍ لا مَحالة".

تسببت هذه الاستهدافات وخاصة التي طالت مواقع تابعة للحشد ردود فعل غاضبة داخلية باعتباره مؤسسة أمنية تابعة للقائد العام للقوات المسلحة العراقية.

 

تداعيات الحرب   

إقتصاديا:

تسببت هذه المواجهة باعلان إيران غلق مضيق هرمز. ويعتبر غلق المضيق ضربة موجعة جداً للإقتصاد العراقي المتداعي. ومع إنطلاق المواجهة أعلن العراق وقف تصديره للنفط، بعد أن كان يصدر نحو ثلاثة ونصف مليون برميل باليوم، تسعين بالمائة من هذه الكمية كان يمر عبر مضيق هرمز.

 يعتمد الاقتصاد العراقي على النفط بشكل كبير، وتشكل وارادات النفط نحو تسعين بالمائة من الدخل القومى للبلاد. وقد تجد الحكومة العراقية نفسها عاجزة عن تأمين رواتب موظفيها إذا استمرت الحرب لشهرين قادمين، إضافة الى تأثر سلالسل التوريد العراقية كثيراً وخاصة تلك التي كانت تأتي من الجنوب

تظهر الأرقام الرسمية، أن حكومة بغداد تحتاج إلى مايقارب سبعة مليارات دولار شهرياً لتامين دفع رواتب الموظفين في عموم البلاد.

 

أمنياً:

يعتقد كثير من المراقبين أن الموقف الذي اتخذته الفصائل العراقية المسلحة وإستهدافها للمصالح الأميركية داخل وخارج العراق سيكون سبباً لدفع الإدارة الأميركية إلى إتخاذ المزيد من العقوبات مستقبلاً ضد هذه الفصائل وأيضاً امتداتها السياسية. وقد ينسحب هذا الأمر ليطال الحكومة العراقية بعد أن عجزت في لجم هذه الفصائل وبات واضحاً فشل الدولة في إحتكار السلاح، وهذا تطور سيكون مكلفاً جداً لأي حكومة عراقية قادمة.

إن احتمال إستمرار الضربات الجوية التي تنفذها القوات الأميركية ضد هذه الفصائل وأيضاً ضد قوات الحشد الشعبي، يبقى احتمالاً قائماً، وهو تطور سيربك كثيراً الداخل العراقي الذي يعاني من انقسامات حادة بالمواقف نتيجة إستمرار أزمة تشكيل حكومة جديدة. وسيجد رئيس الوزراء القادم نفسه أمام استحقاقات معادلة داخلية وإقليمية، سيكون من الصعب جداً مواجهة استحقاقاتها.

 

سياسياً:

تسببت هذه الحرب بتآكل العلاقة بين العراق ومحيطه العربي بشكل واضح وخاصة مع دول الخليج العربي والأردن. وعبرت بعض هذه الدول عن انزعاجها بسبب الهجمات التي نفذتها الفصائل العراقية في أراضيها. ومن شأن هذا الأمر أن يتسبب بتداعي العلاقات بين العراق وهذه الدول مستقبلاً.

داخلياَ، فان الإعتقاد السائد هو إستمرار الإنقسام السياسي الحاد بين القوى العراقية. فكثير من القوى العراقية وخاصة الكردية، عبرت عن رفضها ما يجري ودعت الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات ملموسة تضمن وقف إستهداف أراضي الأقليم وهو مالم يحدث رغم كل ما إتخذته الحكومة من إجراءات بهذا الصدد

إن الخلاف بين القوى العراقية بشان بقاء هذه الفصائل وإستمرار إمتلاكها للسلاح خارج سيطرة الدولة وتداعياتها سيبقى قائماً وستتصاعد المواقف السياسية بشأنه كثيراً، خاصة بعد أن فشلت كل التحذيرات التي أطلقتها العديد من القوى السياسية العراقية والتي دعت إلى تجنب الأنزلاق في هذه الحرب وتحويل الأرض العراقية إلى ساحة مواجهة مسلحة، وهذا ماحدث.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث