لم يعد التصعيد الأميركي الإسرائيلي الجاري ضد إيران مجرد مواجهة عسكرية محصورة بالغارات الجوية والردود الصاروخية، بل بات يكشف عن طبقة أعمق من الصراع، تتداخل فيها الاستخبارات مع الحسابات الجيوسياسية، ويتحول فيها الخليج إلى ساحة اختبار جديدة للاشتباك بين روسيا والولايات المتحدة، على نحو يتجاوز حدود الحرب الإقليمية المباشرة.
فمنذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما الجوية الواسعة ضد إيران في 28 شباط/ فبراير، أخذت طهران توسع ردها تدريجياً على امتداد الخليج. ولم تعد الهجمات الإيرانية تقتصر على توجيه رسائل ردعية عامة أو استعراض القدرة على الضرب، بل بدأت تعكس، في نظر مراقبين، مستوى أعلى من المعرفة بالأهداف الحساسة ومواقعها، ما أثار تساؤلات متزايدة في واشنطن وعواصم غربية بشأن الجهة التي قد تساعد إيران على تحسين دقة الاستهداف.
شبهات دعم استخباري
في هذا السياق، برز العامل الروسي بقوة وليس الصيني. فقد كانت صحيفة واشنطن بوست أول من نقل عن مسؤولين أميركيين اعتقادهم بأن موسكو قدمت لطهران معلومات استخبارية عن مواقع أصول عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، بينها سفن حربية وطائرات. وبحسب هذا التقدير، يرجح أن تكون روسيا قد زودت إيران باستخبارات إلكترونية تشمل إشارات الرادار والترددات اللاسلكية، فضلاً عن معلومات استهداف ديناميكية وفورية تتيح إطلاق المسيرات والصواريخ خلال مهلة قصيرة.
وحتى الآن، لم يصدر تأكيد أميركي علني وحاسم مدعوم بملف استخباري كامل، لكن مجرد تداول هذه المعطيات على هذا المستوى يعكس حجم القلق الغربي من احتمال وجود دعم روسي غير مباشر لإيران.
وكان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف قد أشار إلى أن واشنطن أثارت هذه المسألة مباشرة مع موسكو، موضحاً أنه حذر المسؤولين الروس من مشاركة مثل هذه المعلومات مع طهران، في حين نفى الجانب الروسي تلك الاتهامات. غير أن هذا النفي لم يبدد الشكوك، بل زاد من أهمية السؤال المطروح، هل تحاول موسكو إطالة أمد المواجهة في الخليج لاستنزاف الولايات المتحدة وتشتيت قدراتها؟
موسكو والإرباك غير المباشر
الفرضية تبدو منطقية، فروسيا لا مصلحة لها في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل دفاعاً عن إيران، لكنها تملك مصلحة واضحة في إرباك الحملة الأميركية الإسرائيلية، ورفع كلفتها، واستنزاف جزء من الموارد العسكرية الغربية في لحظة لا تزال فيها الحرب في أوكرانيا تستنزف الجميع.
ومن هذا المنظور، لا تحتاج موسكو إلى إرسال قوات أو أسلحة هجومية نوعية كي تؤثر في المشهد العسكري، بل يكفي أن تمرر معلومات مرتبطة بالاستهداف أو بإشارات إلكترونية أو بتقييم نتائج الضربات، بما يساعد إيران على تحسين فعالية هجماتها من دون أن تتجاوز روسيا خطاً أحمر قد يستجلب رداً أميركياً واسعاً. وبذلك، تستطيع موسكو إضعاف واشنطن، من دون أن تتحمل كلفة الانخراط المباشر في الحرب. فكل ضغط إضافي تتعرض له واشنطن في الشرق الأوسط يعني، عملياً، مزيداً من التشتت في توزيع الموارد والاهتمام السياسي والعسكري.
أهداف نوعية تحت النار
وهنا تبرز أهمية خاصة لبعض الضربات الإيرانية الأخيرة. فالهجوم الذي استهدف السفارة الأميركية في الرياض، وتسبب بحريق محدود وأضرار مادية طفيفة من دون تسجيل إصابات، لا تكمن دلالته الأساسية في حجمه، بقدر ما تكمن في طبيعته والرسالة التي حملها. فالأكثر أهمية كان الهدف الظاهر للهجوم، محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية المعنية بالسعودية. ويشير استهداف منشأة دبلوماسية أميركية بالغة الحساسية في قلب السعودية إلى أن بنك الأهداف الإيراني لم يعد محصوراً بالمواقع المكشوفة أو السهلة، بل اتجه نحو أهداف أشد حساسية وأكثر رمزية، الأمر الذي عزز الشكوك في وجود دعم استخباري خارجي.
لهذا، تبدو اليوم الحرب الأميركية الإسرائيلية الجوية على إيران أكثر من مجرد مواجهة إقليمية. إنها ساحة جديدة لحرب الاستنزاف المتبادلة بين القوى الكبرى، حيث لا يكون التدخل بالضرورة عبر الجيوش والأسلحة الثقيلة، بل عبر المعلومات، والتوجيه، والتصعيد المحسوب. وبالنسبة إلى موسكو، فإن أفضل استثمار في هذه اللحظة قد يكون إطالة ارتباك واشنطن لا الدخول في الحرب نفسها.
أما الرسالة الأوضح، فهي أن الظل الروسي قد يكون حاضراً في هذه المواجهة أكثر مما تعترف به موسكو علناً، وأن أي تحسن في دقة الضربات الإيرانية لن يقرأ فقط بوصفه تطوراً عسكرياً ميدانياً، بل أيضاً باعتباره مؤشراً إلى اتساع ساحة الاشتباك بين روسيا والغرب، من أوكرانيا إلى الخليج.
