في ظل تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، أعلنت وزارة الدفاع التركية نشر منظومة الدفاع الجوي الأميركية (باتريوت) في ولاية ملاطيا جنوب شرقي تركيا، في خطوة تعكس رفع مستوى الجاهزية الدفاعية لأنقرة وتعزيز قدرتها على مواجهة التهديدات الصاروخية المحتملة في المنطقة.
وجاء الإعلان في بيان نشرته وزارة الدفاع التركية، أكدت فيه أن نشر المنظومة يأتي في إطار إجراءات حلف شمال الأطلسي (ناتو) لتعزيز قدرات الدفاع الجوي لتركيا بوصفها دولة عضو في الحلف، وذلك على خلفية التطورات الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط.
وأوضح البيان أن أنقرة وفي ضوء المستجدات الأخيرة، تتخذ جميع التدابير اللازمة لضمان أمن حدودها ومجالها الجوي، مشيراً إلى استمرار المشاورات مع "الناتو" بشأن تعزيز منظومة الدفاع الجوي والصاروخي.
وأضافت الوزارة أن نشر "باتريوت" يأتي إلى جانب التدابير الوطنية التي اتخذتها تركيا مسبقاً، في إطار شبكة دفاعية أوسع تهدف إلى حماية المجال الجوي التركي من أيّة تهديدات محتملة قد تنجم عن تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة.
أهمية استراتيجية لملاطيا
ويكتسب اختيار ولاية ملاطيا لنشر المنظومة أهمية خاصة، نظراً لموقعها الاستراتيجي شرق تركيا وقربها النسبي من بؤر التوتر في الشرق الأوسط. كما تحتضن ملاطيا قاعدة عسكرية مهمة تضم منظومة إنذار مبكر ورادارات متطورة، تستخدم ضمن شبكة الدفاع الصاروخي التابعة لـ"الناتو".
ويرى مراقبون أن نشر "باتريوت" في هذه المنطقة يعزز قدرتها على رصد الصواريخ المعادية واعتراضها في مراحل مبكرة، ما يساهم في توسيع المظلة الدفاعية التركية، ويمنح أنقرة هامشاً أكبر في التعامل مع التهديدات الجوية المحتملة.
ويشير محللون إلى أن الخطوة تعكس أيضا توجهاً تركياً واضحاً لرفع مستوى الاستعداد الدفاعي وعدم انتظار وقوع التهديدات، بل العمل على مواجهتها بشكل استباقي في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار.
تعاون متجدد مع "الناتو"
ويقول المحلل السياسي التركي هشام جوناي، لـِ "المدن"، إن "إعلان وزارة الدفاع التركية نشر منظومة (باتريوت) في ملاطيا يمثل خطوة ذات دلالات أمنية وعسكرية مهمة. فهي تأتي في إطار تنسيق مع الناتو لتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي لتركيا، في مواجهة أي تهديدات محتملة قد تطال المجال الجوي التركي مع اتساع دائرة التصعيد في المنطقة".
واعتبر أن "هذه الخطوة تعكس حرص أنقرة على رفع مستوى الجاهزية الدفاعية وتحصين حدودها الجنوبية والشرقية، خصوصاً في ظل المخاوف من انتقال تداعيات المواجهة الإقليمية إلى محيط تركيا، وفي الوقت نفسه، تحمل الرسالة بُعداً سياسياً يؤكد استمرار التعاون العسكري بين تركيا وحلف الناتو في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة".
قلق تركي من اتساع الحرب
من جهته، يرى الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، سمير العبد الله، لـِ "المدن"، أن "تركيا بدأت تشعر بالقلق من امتداد الحرب أو أثارها إليها، خصوصاً بعد إسقاط صاروخ إيران في مجالها الجوي للمرة الثانية، وكذلك بعد استهداف قبرص والتهديد الإيراني بامتداد القصف أبعد من ذلك"، معتبراً أن "هذا هو سبب التحرك من الناتو ومن تركيا لإقامة احتياطات دفاعاً عن تركيا العضو في الحلف"، لافتاً إلى أن "نصب منظومة باتريوت في ملاطية سيساهم في حمايتها ورصد كل الصواريخ الإيرانية مما يساهم في صدها".
ويضيف أن "تركيا، وإن كانت تميل للضغط لإيقاف الحرب، لكنها تخشى من أثارها عليها، خصوصاً بعد الأخبار عن رغبة في تحريك أكراد إيران ضد النظام الإيراني، لذلك تريد الانخراط بحجة الدفاع عن نفسها بشكل تدريجي في الحرب حفظا للمصالح التركية في حال اسقاط أو انهيار النظام الإيراني".
تعزيز الوجود العسكري شمالي قبرص
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع التركية أيضا، عن تعزيز وجودها العسكري شمالي قبرص عبر نشر ست مقاتلات من طراز "إف-16"، إلى جانب أنظمة دفاع جوي، في خطوة قالت إنها تهدف إلى حماية الأتراك في المنطقة في ظل التصعيد الإقليمي. وأوضحت أن هذا الانتشار يأتي ضمن خطة تدريجية لتعزيز أمن "جمهورية شمالي قبرص التركية"، مؤكدة أن أنقرة مستعدة لاتخاذ مزيد من الإجراءات الدفاعية وفقاً لتطورات الأوضاع.
كما يأتي هذا التحرك، في وقت أعلنت فيه فرنسا مطلع آذار/مارس الجاري، عزمها إرسال أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ والطائرات المسيرة إلى قبرص، بعد تعرض قاعدة "أكروتيري" الجوية الخاضعة للسيادة البريطانية، لهجوم بطائرات مسيرة في حادثتين منفصلتين.
إلى جانب المخاوف العسكرية المباشرة، تراقب تركيا عن كثب تطورات الوضع الداخلي في إيران، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية حدوث اضطرابات سياسية أو اجتماعية في حال استمرار الحرب أو اتساعها.
ويعود هذا القلق إلى مخاوف تركيا من سيناريوهات الفوضى التي قد تؤدي إلى موجات لجوء كبيرة نحو أراضيها، في حال تدهورت الأوضاع داخل إيران، خصوصاً أن عدد سكانها يتجاوز الـ80 مليون نسمة، ما قد يجعل أي أزمة داخلية فيها ذات تأثير إقليمي واسع.
كما تنظر أنقرة بقلق إلى احتمال استغلال بعض القوى الكردية داخل إيران لأي حالة ضعف في بنية الدولة الإيرانية، ما قد يفتح الباب أمام مشاريع انفصالية جديدة في المنطقة. وتخشى أن يؤدي ذلك إلى إعادة إحياء ملف الانفصال الكردي، بعد سنوات من الجهود التي بذلتها لإضعافه والوصول إلى تسويات سياسية وأمنية بشأنه.
وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أن تركيا تراقب عن كثب تحركات حزب العمال الكردستاني في إيران، مشيرا إلى أن أنقرة تقوم بتحليل مختلف السيناريوهات المحتملة المتعلقة بدور الحزب في حال تصاعدت الاضطرابات الداخلية هناك.
توازن بين الردع والدبلوماسية
ويرى الباحث في مركز عمران للدراسات محمد زكوان كوكة، في حديث لـِ "المدن"، أنَّ "تركيا لم تكن منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب، بمعزل عن تداعياتها على مختلف الصعد"، لافتاً إلى أن إجراء نشر المنظومات الدفاعية في ملاطيا، "يمثل إعادة تفعيل لمنظومة الدفاع تحت مظلة الناتو والتي شهدت حالة برود في السنوات الأخيرة".
وأوضح أن "الرسالة هنا باتجاهين: الأول تأكيد قدرة تركيا على حماية مجالها الحيوي في شرق المتوسط، ويظهر الثاني استعداد أنقرة للتعامل مع تداعيات أي تصعيد إقليمي واسع، وبذلك تحاول أنقرة تحقيق توازن دقيق بين حماية أمنها القومي وتعزيز موقعها كركيزة أساسية في البنية الدفاعية للناتو. كما أن هذا الإجراء ذو الطابع الردعي يُبقي تركيا في موقع يتيح لها لعب دور دبلوماسي في التهدئة إذا سنحت الظروف".
ووسط كل ذلك، يعكس نشر منظومة "باتريوت" في ملاطيا، توجها تركياً واضحاً لتعزيز جاهزيتها الدفاعية في مواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي، مع الحرص في الوقت ذاته على الحفاظ على توازن دقيق بين الردع العسكري والانخراط في الجهود الدبلوماسية الرامي إلى احتواء الحرب ومنع اتساعها في المنطقة.
