بدأت إسرائيل وأميركا الحرب على إيران في ظل تقديرات متفائلة بأنها لن تستغرق طويل وقت، وسينتفض الشعب الإيراني على نظام آيات الله، وتنشأ حكومة سرعان ما تستجيب للاشتراطات الأميركية الإسرائيلية. وحينها يمكن إعلان النصر واعتبار أن كل التكاليف والخسائر في جانب المعتدي ستكون ضئيلة مقارنة بحجم المكاسب السياسية والاقتصادية على الصعيدين الإقليمي والعالمي. لكن الأمور لم تسِر وفق هذه الحسابات، لا من ناحية الوقت ولا من ناحية التكاليف، خصوصا أن إيران لجأت إلى استخدام ما يُعتبر "سلاح يوم القيامة"، وهو استهداف مضيق هرمز والدول العربية الخليجية الأساسية في مجال النفط. وسرعان ما ارتفع سعر النفط بحوالي النصف ناقلاً الحرب من ساحتها المحلية إلى كل بيت تقريباً في أميركا وأوروبا. كما أن طول مدة الحرب وعدم ظهور أفق واضح لنهايتها جعل تكلفتها مرتفعة، خصوصا على إسرائيل المبادرة إليها والمستعدة لدفع ثمن كبير لها.
ولنبدأ من آخر الأنباء، حيث بعد مرور عشرة أيام فقط على بدء هذه الحرب نقل موقع بلومبرغ عن مسئول إسرائيلي، قوله أن الحكومة تعتزم زيادة ميزانية الدفاع بنحو 13 مليار دولار لتمويل الحرب مع إيران. كما أن صحيفة "معاريف" أشارت في اليوم الحادي عشر للحرب، إلى التوتر بين الأوساط المهنية والسياسية بشأن تمويل الحرب وتقاسم أعبائها. وقالت أن المؤسسة الاقتصادية ترى أنه بالنظر إلى نفقات الحرب وضرورة الحفاظ على إطار ميزانية مسؤول، ثمة حاجة لخفض حقيقي في تمويل مخصصات الائتلاف. وجاء ذلك على خلفية امتناع القيادة السياسية، برئاسة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، عن اتخاذ خطوة جذرية من هذا القبيل. وبدا عملياً، أن الحكومة تحاول في آنٍ واحد تلبية احتياجات الحرب، واستقرار الائتلاف، ومطالب الشركاء السياسيين.
وفي هذا السياق، عُقد في اليوم الحادي عشر للحرب اجتماع بين رئيس الحكومة المطلوب للجنائية الدولية، بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب إسرائيل كاتس، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش. وتم في ختام هذا الاجتماع الاتفاق على إضافة 28 مليار شيكل (أكثر من 9 مليار دولار) إلى ميزانية الدفاع، بالإضافة إلى مبلغ احتياطي قدره 10 مليارات شيكل (أكثر من 3 مليار دولار) مخصص لسيناريوهات أمنية إضافية. وليس معلوماً كيف ستتم تغطية هذا المبلغ، هل عبر زيادة عجز الميزانية أم عبر توزيع العبء على مجمل قطاعات الاقتصاد والوزارات وزيادة الأعباء الضريبية على الجمهور. ونشر أن بين الخيارات تقليص ميزانية الوزارات والخدمات السنوية بحوالي 3 في المئة لتغطية هذه التكاليف الإضافية.
لكن المسألة ليست فقط تكلفة الحرب عسكرياً ضمن ميزانية الدفاع، وإنما هناك تكاليف جوهرية أخرى على باقي قطاعات ومناحي الحياة في إسرائيل. وهكذا مثلاً، بعد كل تلك النشوة عن استقرار وازدهار الاقتصاد الإسرائيلي، ازداد الحديث عن تراجعات حادة في البورصة الإسرائيلية جراء ارتفاع أسعار النفط. وكتب الخبير الاقتصادي يهودا شاروني في "معاريف"، أن بورصة تل أبيب انفصلت في بداية الحرب عن نظيراتها الأميركية وتصرفت كأنها بورصة سويسرية. وأشار إلى أنه "لم تُقدَّم تفسيرات اقتصادية عملية لانفصال مستوى الأسعار في بورصة تل أبيب عن بقية العالم، بينما كثرت التفسيرات النفسية. ومن بين هذه التفسيرات، تفاؤلٌ مفرطٌ بشأن ما يُمكن توقعه في الشرق الأوسط في حال هزيمة إيران وسقوط نظامها. يُثار الحديث عن شرق أوسط جديد، وسلام مع السعودية ودول الخليج، واتفاق سلام مع إيران، وما يترتب على ذلك من نتائج اقتصادية إيجابية". لكن سرعان ما عادت الأمور إلى أرض الواقع. إذ لا يزال النظام الإيراني "مُتمسكاً بموقفه. وقد انضم حزب الله إلى الحرب، مُثبتاً براعته في استخدام الطائرات المُسيّرة للضغط. وتطلق صافرات الإنذار في جميع أنحاء البلاد، كما تُسجَّل خسائر بشرية. ولا يبدو أن نهاية الحرب باتت وشيكة في هذه المرحلة"، وفق رأيه.
فما هي تكاليف الحرب إسرائيلياً؟
حاول أرييل فيجلين في "معاريف" عرض التكاليف الاقتصادية بالأرقام مقسماً الإجابة إلى ثلاثة مناحي: التكاليف العسكرية، وخسائر الإنتاج الاقتصادي، والأضرار التي تلحق بالممتلكات. وإدراكه بصعوبة الحديث تحديداً عن مجريات هذه الحرب نظراً للسرية والتكتم الذي تتعامل بهما الرقابة العسكرية. حاول اعتماد أرقام نُشرت في حرب الاثني عشر يوماً مع إيران في حزيران/يونيو الفائت. وأشار إلى أن التكلفة تقدر بعشرات المليارات من الشواقل.
وفي حساب التكلفة العسكرية، وهي الأسهل، وتشمل صواريخ الاعتراض والأسلحة وساعات الطيران وأيام الاحتياط. ويُقدّر مركز "تاوب" للدراسات أن الهجوم الصاروخي الإيراني في نيسان 2024، كلّف إسرائيل ما بين 4 و5 مليارات شيكل. أما حرب الاثني عشر يوما في حزيران 2025، قُدّرت تكلفتها بنحو 20 مليار شيكل، أي ما يعادل حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لإسرائيل.
وفي الحرب الحالية، ووفقاً لتقارير الجيش الإسرائيلي، أُلقيت على إيران في الأسبوع الأول وحده كمية من الذخائر تفوق ما أُلقي خلال حرب الاثني عشر يوما مجتمعة. ومع ذلك، كان عدد الصواريخ التي أطلقتها إيران أقلّ، وبالتالي من المرجح أن يكون عدد الصواريخ الاعتراضية التي أُطلقت أقل أيضاً. ويُقدّر أن التكلفة المباشرة للقتال الحالي ستتراوح بين 15 و25 مليار شيكل.
أما خسائر الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصاد، والناتجة عن تضرر النشاط الاقتصادي نفسه. ووفقاً لتقديرات كبير الاقتصاديين في وزارة المالية، في ظل قيود شديدة على النشاط الاقتصادي، كما كان الحال في بداية العملية، تصل خسائر الاقتصاد إلى حوالي 9 مليارات شيكل أسبوعياً. ويشمل ذلك خسائر توقف النظام التعليمي وأثر تعبئة قوات الاحتياطي. ولهذا السبب دعت وزارة المالية إلى تخفيف القيود وفتح الباب أمام عودة الاقتصاد إلى حياة طبيعية، على أمل أن يقلص ذلك الخسائر أسبوعياً من 9 مليار شيكل إلى خمسة مليار فقط. لكن سرعان ما ازداد تساقط الصواريخ من إيران ولبنان ما استدعى إعادة إغلاق الحياة الاقتصادية.
وأخيراً، هناك الأضرار المباشرة في الممتلكات. وواضح مما ينشر في الإعلام الإسرائيلي وجود محاولة لمنع نشر أو إظهار مثل هذه الخسائر. وحتى الآن نُشر فقط عن حوالي عشرة آلاف دعوى مطالبة تعويض مقارنة ب50 ألف دعوى تعويض في حرب الاثني عشر يوماً. وفي تلك الحرب قدرت الأضرار المباشرة للممتلكات بحوالي 5 إلى 10 مليار شيكل فقط، بالرغم من أن الخسائر المعلنة لأضرار كل من معهد نيتسيونا للأبحاث قدرت بحوالي نصف مليار دولار، وكذلك الحال مع أضرار مستشفى سوروكا.
عموماً، وبتقديرات متواضعة، فإن تكلفة عشرة أيام من القتال مقارنة بحرب الاثني عشر يوما تتراوح ما بين 35 مليار إلى 45 مليار شيكل (أي حوالي 10-15 مليار دولار). ومن المؤكد أن هذه التكلفة ترتفع مع مرور كل يوم إضافي في هذه الحرب، خصوصاً عند معرفة أن إغلاق الاقتصاد الإسرائيلي ليوم واحد يكلف ما يقرب من نصف مليار دولار. وكان الرئيس الأميركي بنيامين نتيناهو، قد أعلن أن تقديراته للحرب هي أنها ستستمر أربعة أسابيع أو أكثر. كذلك فإن الجيش الإسرائيلي أعلن مؤخراً، أنه استعد لحرب تستمر شهراً ولكن لا أحد يعرف مدى صدق هذه التقديرات، خصوصاً بسبب التكاليف الباهظة لاستمرارها.
منذ الأسبوع الأول للحرب، تصاعدت في إسرائيل الانتقادات لإدارتها المالية والاقتصادية. وأشار معلقون كثر إلى أن وزارة المالية الإسرائيلية تحديداً تحاول خلق صورة زائفة عن أداء الاقتصاد. وربما أن أكبر دليل على ذلك إصرار وزارة المالية على محاولة إعادة فتح الاقتصاد وإعادته إلى طبيعته خلافاً توجيهات قيادة الجبهة الداخلية. وهكذا من أجل تقليص تكلفة إغلاق الاقتصاد، طالبت وزارة المالية بتسهيلات لفتحه من دون وضع أية خطة لتعويض المتضررين. وبحسب أحد التقارير، فإنه سُمح للشركات بالعودة للعمل شرط توفير مساحة آمنة، لكن من يدخلون المراكز لتجارية والمطاعم يرون أن الرفوف ممتلئة لكن الزبائن لا يأتون. فالجمهور يعيش حالة قلق ولا يشعر بأي نوع من اليقين الأمني أو الاقتصادي. وثمة من يعتقد أن الدافع وراء محاولة إعادة فتح الاقتصاد، خلق صورة زائفة ومخادعة: إذا كان الاقتصاد مفتوحاً فمعناه أنه لم يتضرر ولذلك لا حاجة لدفع تعويضات له.
على كل حال، من الواضح أن الجمهور الإسرائيلي الذي أيد هذه الحرب بشدة كبيرة، بدأ يشهد أثر هذه الحرب وتكاليفها على جيبه وعلى حياته العامة. ومن المؤكد أنه مع ارتفاع فاتورة التكلفة فإن مستقبله بات أقل إشراقاً مما اعتقد على الأقل في السنوات القريبة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط ومع إغلاق منصات إنتاج الغاز البحرية.
