في لحظات الحروب الكبرى، لا تُختبر الدول فقط بمدى قوة ترسانتها العسكرية، بل أيضاً بقدرة مؤسساتها على البقاء حين تضرب في الرأس. ومن هنا تبرز عقيدة إيران في الدفاع الفسيفسائي، وهي عقيدة صممت لليوم الذي تُستهدف فيه القيادة العليا، وتنقطع فيه الاتصالات، وتتحول فيه المعركة من مواجهة تقليدية إلى اختبار قاسٍ لقدرة النظام على الصمود من الداخل.
بعد الحملة الجوية الأميركية الإسرائيلية التي بدأت في 28 شباط/فبراير الماضي، وما رافقها من استهداف للقيادة الإيرانية العليا، بدا واضحاً أن طهران لم تجد بديلاً سوى اللجوء إلى عقيدة الطوارئ التي أعدتها مسبقاً لمثل هذا المشهد، هنا يظهر الدفاع الفسيفسائي، لا بوصفه مجرد خطة عسكرية، بل كآلية بقاء لنظام يعرف أن أخطر ما يمكن أن يواجهه في زمن الحرب هو الشلل المركزي.
لامركزية مقصودة لحماية الدولة
تقوم هذه العقيدة على مبدأ تفكيك مركزية القرار العسكري وتوزيعه على المستويات الأدنى. فبدلاً من ربط كل حركة ميدانية بالقيادة المركزية في طهران، جرى، منذ سنوات، إعادة تنظيم الحرس الثوري الإيراني ضمن 31 هيكل قيادة، واحد للعاصمة وواحد لكل محافظة. والهدف من ذلك ضمان أن يبقى لكل منطقة رأسها الأمني التنفيذي وقدرتها على المبادرة، حتى لو انهارت حلقة الاتصال مع المركز أو جرى استهداف القيادة العليا.
في الظروف العادية، قد تبدو هذه الصيغة أقل كفاءة من النظام المركزي الصارم، لكنها في ظروف الحرب الشاملة تتحول إلى وسيلة دفاعية ثمينة. فالجيش الذي تُصاب قيادته المركزية قد يُشلّ بالكامل، أما الجيش الذي وزع سلطاته سلفاً، فيصبح أكثر قدرة على امتصاص الضربة ومواصلة العمل. وهذا ما تحاول إيران البناء عليه اليوم، تشكيلات الحرس الثوري والباسيج تتحرك وفق تعليمات عامة موضوعة مسبقاً، فيما تستمر الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة رغم خسارة قمة الهرم العسكري والسياسي. الراسالة واضحة: المنظومة ضربت، لكنها لم تنهَر.
سلاح ذو حدين
غير أن هذه المرونة ليست ميزة إيجابية صافية، بل هي في جوهرها، سلاح ذو حدين. فالعقيدة التي تمنح الوحدات المحلية حرية الحركة والاستمرار، تسحب منها في المقابل عناصر أخرى لا تقل أهمية، الانضباط العسكري، ووحدة القرار والتماسك الاستراتيجي. فالوحدات التي يصعب على الأميركيين والإسرائليين القضاء عليها لأنها موزعة ومبعثرة، هي نفسها وحدات أكثر عرضة للتصرف خارج الإيقاع العام، أو لاتخاذ قرارات مبنية على قراءة جزئية للمشهد، أو للمضي في عمليات تتجاوز مكاسبها العسكرية كلفتها السياسية، وهو ما حصل بقصف دول الجوار.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فكلما توسعت اللامركزية، زادت قدرة إيران على منع الانهيار العسكري السريع، لكنها في الوقت نفسه تزيد احتمالات التفتت داخل ساحة القتال. إذ يصبح من الصعب جمع القوة في ضربة مركزة، أو تنسيق العمليات بين الجبهات، أو ضبط حدود التصعيد بدقة. ومع انتقال القرار من المركز إلى المحافظات والميدان، تزداد مساحة الاجتهاد الفردي، ومعها يزداد خطر الخطأ.
من الردع إلى الانزلاق
إذن، خطر الانزلاق لم يعُد نظرياً. فالأنباء تحدثت عن اعتداءات كبيرة على دول الخليج العربية وإطلاق صواريخ إيرانية باتجاه المجال الجوي التركي، واتهامات أذربيجان لطهران بتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة قرب مطار ناخيتشيفان، تكشف مدى سهولة أن تتحول الحرب اللامركزية إلى نزاع يتجاوز ساحته الأصلية. عندما تتوزع منصات إطلاق الصواريخ والمسيرات على وحدات معزولة نسبياً عن المركز، يصبح هامش الخطأ أكبر، وتصبح احتمالات التوسع غير المقصود للصراع أكثر واقعية.
اللامركزية لا تعوض الاستنزاف
ثمة جوانب أخرى لهذه العقيدة تتعلق بالواقع المادي للحرب. فالدفاع الفسيفسائي يستطيع توزيع القرار، لكنه لا يستطيع تعويض الاستنزاف في السلاح والبنية التحتية. إيران لا تزال تعتمد، في قدرتها على الرد، على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، أي على أدوات تحتاج إلى مخزون، وإلى منصات إطلاق، وإلى منشآت إنتاج وصيانة. وإذا نجحت الضربات الأميركية-الإسرائيلية المتواصلة في تدمير هذه القواعد أو تقليص قدرتها على التجدد، فإن اللامركزية ستتحول من ميزة عملياتية إلى مجرد وسيلة لتأخير التراجع.
لهذا، لا ينبغي قراءة الدفاع الفسيفسائي الإيراني بوصفه دليلاً على القوة، بل اعتراف ضمني بأن طهران توقعت سيناريو استهداف القيادة، واستعدت له بتوزيع القرار قبل وقوعه. صحيح أن هذه العقيدة تجعل من الصعب إسقاط إيران بسرعة أو شلّها بضربة مركزية واحدة، لكنها تجعل المشهد الأمني الإيراني في المقابل، أكثر التباساً وأقل قابلية للضبط. فهي تحمي النظام من الانهيار الفوري، لكنها قد تدفع المنطقة كلها إلى حالة أكثر خطورة من الفوضى وسوء التقدير والانزلاق إلى حرب أوسع.
لهذا تحديداً، يبدو الدفاع الفسيفسائي الإيراني سلاحاً ذو حدين، يحفظ القدرة على البقاء، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة البقاء ومخاطره.
