تحولات الخطاب الإعلامي في سوريا.. نقدٌ لا يجرح ولا يداوي

مالك ونوسالسبت 2026/03/07
Image-1772827365
الإعلام في سوريا بات إعلام سلطة وليس إعلام دولة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أدت التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها التدهور الحاد في الوضع المعيشي للسوريين، والزيادة الكبيرة في تعرفة الكهرباء، ثم كارثة الفيضانات التي أغرقت خيام النازحين في الشمال، إلى إرباك البيئة المؤيدة لسلطة دمشق. ففئة واسعة من المؤيدين آثرت الصمت، وهي التي كانت شديدة المعارضة لنظام الأسد، خشية أن يفهم أي نقد توجهه لهذه السلطة خدمةً لروايات ما يسمى "الفلول" و"الانفصاليين". لكن فئة أخرى، أجبرتها تلك التطورات على تخفيف لهجتها المؤيدة للسلطة، وتوجيه النقد الجزئي، وتسليط الضوء على ما تسميه "بعض الأخطاء"، من دون مقاربة جذورها البنيوية. وفي هذا الوقت بدا واضحاً أن السلطة تعيد، عبر إعلامها، استخدام أدوات التبرير نفسها التي كانت متبعة خلال حكم الأسد. ويجري في هذا السياق توظيف شبكة من الصحافيين الذين يتقنون أسلوب التبرير، ويتطوع معهم عدد لا يستهان به من المثقفين أو الصحافيين. ويظهر هذا الأمر على نحوٍ واضح تحولات الخطاب الإعلامي في البلاد، على عكس ما كان مأمولاً به بعد سقوط رمز الاستبداد.

في ظل التحولات الكبيرة التي شهدتها سوريا، كان من المتوقع ظهور إعلام جديدٍ، ترعاه سلطة تقدم نفسها بديلاً عن نظام الأسد القمعي، فتعمل لكي يصبح إعلامها بديلاً عن إعلام الأسد، وتزداد لديه الجرأة، فلا يسعى لطمأنتها، بقدر ما يشير إلى هفواتها، ويصبح في مرحلة متقدمة سلطة تهدف للمساءلة. إعلامٌ يقترب من الجمهور أكثر لكي يعمق من معارفه وليزيد من وعيه، ويمنحه القدرة على القراءة الصحيحة والنقد، بما يتفق مع المرحلة الجديدة التي تريد أن تقطع مع مرحلة الأسد وإعلامه التدجيني الذي سعى دائما من أجل أنتاج إنسانٍ طيِّعٍ. فهل سعت السلطة لذلك، وهل نجح الصحافيون في مهمة من قبيل هذه؟

 

إعلام سلطة

بدايةً، يتضح للمراقب أن الإعلام في سوريا، وعلى عكس المرجو، بات إعلام سلطةٍ وليس إعلام دولة. وفي قراءة متأنية للخطاب الإعلامي الذي ظهر بعد سقوط الأسد، والذي خرج عبر "وكالة سانا" و"الإخبارية السورية" وجريدة "الثورة السورية"، تشعر أنك في حضرة الإعلام القديم، لكن مع تبدلٍ في الاصطفافات التي طرأت بعد تغيير النظام. أما على مستوى الإعلام البديل؛ أي المنصات الرقمية، وصفحات بعض المثقفين والصحافيين التي يستخدمونها لنشر مواد صحافية، يظهر فيها بوضوح ولاءهم لسلطة دمشق. ولا يخفي هؤلاء في ما ينشرونه، بل يعترفون وهم في كامل وعيهم، أنهم ملكيون أكثر من الملك، ويوكلون لأنفسهم مهمة الدفاع عن السلطة طواعيةً. ولدى الاطلاع على كتابات لصحافيين وناشطين، كانوا من أكثر الناس دقة في تشريح سياسات النظام البائد، تجد من يعبر عن حيرة أصابته بعدما شاهده على أرض الواقع. وكثيرٌ ممن يتجرؤون في كتاباتهم على ذكر بعض العوامل التي تعيق بناء الدولة، لا يرون في عودة الفساد والمحسوبيات والإقصاء وتعيين غير الكفؤين، ولا في الفلتان الأمني وانتشار السلاح الذي يشل البلاد ويرهب أبناءها، عوامل تعيق ذلك البناء.

 

ظاهرة "النق"

وبينما لا ينسى معظم هؤلاء أن يختتم كلامه بلازمة تؤكد أن انتقاداته تهدف إلى تصحيح المسار ومنع عودة الاستبداد، يركز على التنويه أنها تختلف عن انتقادات يوجهها آخرون يقول إنها نابعة من حقد وكراهية تجاه السلطة. مع العلم أن الفارق بين الفئتين يكمن في أن المتهمين بأنهم حاقدون أو كارهون، هم ببساطة محايدون يشيرون إلى أسباب المشكلات وجذورها وكيفية حلها، ولا يكتفون بعرضها أو تفسيرها فحسب. وهنا تحضر إلى الذاكرة ظاهرة "النق" "أي ترداد الانتقادات الشكلية من دون أي مطالبة بالمعالجة"، التي كانت تلك الظاهرة سائدة بين موالي سلطة بشار الأسد. كان أولئك يوجهون الانتقادات إلى ما يرونه "الأخطاء"، لكنهم لم يكونوا يتقبلون الانتقادات التي تشير إلى جذر المشكلات، ويشتمون أصحابها ويتهمونهم بالخيانة. 

كما أن لدينا أولئك الذين كانوا يعملون في وسائل إعلام النظام، ثم نقلوا البندقية من كتف إلى كتفٍ آخر بعد سقوطه. هؤلاء واصلوا عملهم في الكتابة عن خلل هنا وأخطاء هناك في إطار التقليل من أهميتها، في الوقت الذي يسوقون فيه لبعض الخدمات على أنها إنجازات كبيرة. كما لا ينسون التهويل من التحديات والمخاطر الخارجية، وإظهار الأقلام الناقدة بشكل سلبي. إن نقد هؤلاء لا يشخص المشكلات فلا يجرح ولا يفضح، ولا يقدم النصائح من أجل الإصلاحات فلا يداوي. وهذا كله انطلاقنا من افتراض أن "قائدنا يعرف مصلحتنا"، حتى لو كان رفع أسعار الخدمات لدرجة أنها باتت تستنزف المداخيل، لكن هذا يصب في مصلحة الناس من دون أن يدرون. 

هناك خطورة حقيقية في أن تبقى مشكلات السوريين معلقة بلا حل، إذا ما انكفأ بعض المعارضين من الكتاب والصحافيين والمثقفين، وتوقفوا عن تناولها نتيجة التهجم عليهم، وحروب الذباب الإلكتروني التي تطالهم وتهدف إلى إسكاتهم. فحين يسود إرهاب الأصوات الحرة، ستستمر عندئذ معاناة الناس، ويُحجم كثيرون عن نقلها عبر الصورة أو الصوت أو الكلمة. 

لقد كشفت الفيضانات التي طالت مخيمات النازحين في الشمال السوري حجم المأساة، وساد تعاطف كبير مع سكانها، ورميت المسؤولية عنها على الحكومة السورية التي لم تجد لهم المأوى، وامتنعت عن إعادة إعمار مدنهم ومساكنهم المتضررة. حينها خرجت أصوات تتهم من يتحدث عن الفيضان وعن مشكلة النازحين، أنه إنما يريد "تسجيل نقاط" على سلطة الرئيس أحمد الشرع. وهكذا يتحول الدفاع عن الضحايا إلى تهمة، وهذا ما دفع كثيرين إلى الصمت، وربما التريث والاكتفاء بالمراقبة، إذ يبدو أن الأمر قد تجاوز مطالبتهم بالسكوت، وربما وصل إلى مرحلة التهديد.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث