كشفت موجة الضربات العسكرية التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، عن حملة عسكرية واسعة تستهدف بنية النظام الإيراني السياسية والعسكرية والأمنية والنووية، في ما وصفته صحيفة "نيويورك تايمز" بأنه أحد أكثر فترات القصف كثافة التي تشارك فيها القوات الأميركية منذ عقود.
ووفق التقرير، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفتا خلال أسبوع واحد من الحرب نحو أربعة آلاف هدف داخل إيران، عبر عمليات من البر والجو والبحر. وتشير هذه الحملة إلى استراتيجية شاملة تهدف إلى إضعاف قبضة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي يعتمد عليها النظام الإيراني في السيطرة الداخلية، وربما إسقاط الحكومة التي تحكم البلاد، إلى جانب القضاء على قدرة إيران على إنتاج الصواريخ وإطلاقها، وإلحاق أضرار كبيرة بقواتها البحرية، ومنعها من امتلاك أسلحة نووية.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إن الحرب ستستمر حتى "الاستسلام غير المشروط لإيران"، وهو ما اعتبرته الصحيفة مؤشراً على أن الصراع قد يكون في بداياته فقط. وبالرغم من كثافة الضربات، فإن إيران لم تُظهر حتى الآن مؤشرات على الانهيار، إذ ما زالت قواتها العسكرية تطلق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، وكذلك نحو دول في المنطقة تنتشر فيها قوات أميركية.
وتشير الصحيفة إلى أنه على الرغم من مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، فإن النظام الإسلامي الذي يحكم البلاد منذ العام 1979، لا يزال قائماً. كما يبدو أن الأجهزة الأمنية الإيرانية الواسعة ما زالت تعمل، في حين لا يزال حجم الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني غير واضح بالكامل، بالرغم من استهداف أحد أهم مراكزه.
استهداف القيادة الإيرانية
وتقول "نيويورك تايمز" إن إسرائيل سعت منذ اللحظات الأولى للحرب إلى شلّ سلسلة القيادة في إيران، ففي الدقائق الأولى من العمليات، أطلقت الطائرات الحربية الإسرائيلية وابلاً من الصواريخ استهدف مجمع القيادة الإيرانية في وسط طهران.
وفي ذلك الوقت، كان عدد من كبار مسؤولي الأمن القومي الإيراني مجتمعين في أحد مباني المجمع، في حين كان المرشد علي خامنئي موجوداً في مبنىً آخر داخل الموقع نفسه.
ووفق الصحيفة، فإن الهجوم الذي وقع في نهاية الأسبوع الماضي، أسفر عن مقتل خامنئي إلى جانب عدد من كبار المسؤولين. كما لاحقت إسرائيل لاحقاً أحد كبار القادة الإيرانيين المسؤولين عن العمليات في لبنان، وتمكنت من قتله في طهران.
وتشير الصحيفة إلى أن ترامب قال إن عدة مرشحين محتملين لخلافة خامنئي قُتلوا أيضاً خلال الضربات، مضيفاً أنه يريد أن يكون لواشنطن رأي في اختيار الزعيم الإيراني المقبل. وترى الصحيفة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تبحثان على الأرجح عن فرص لاغتيال مزيد من المسؤولين الإيرانيين الذين تسعيان إلى إخراجهم من المشهد السياسي والعسكري.
ومن بين كبار المسؤولين العسكريين الذين قُتلوا في الضربات، وفق التقرير، محمد باكبور القائد العام للحرس الثوري الإيراني، وعلي شمخاني رئيس المجلس الأعلى للدفاع، وعزيز نصير زاده وزير الدفاع، وعبد الرحيم موسوي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة.
ضرب أجهزة الأمن والاستخبارات
ولم تقتصر الحملة العسكرية على القيادات السياسية والعسكرية، بل استهدفت أيضاً الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي يعتمد عليها النظام الإيراني لقمع المعارضة الداخلية.
وذكرت الصحيفة أن الضربات استهدفت خصوصاً الحرس الثوري الإيراني، الذي يعد أقوى قوة عسكرية في البلاد، إضافة إلى ميليشيا الباسيج، وهي قوة شبه عسكرية بملابس مدنية مرتبطة بالحرس الثوري.
وأعلنت إسرائيل أنها استخدمت عشرات الطائرات الحربية في إحدى الضربات لقصف مجمع في شرق طهران كان يضم مقرات للباسيج والحرس الثوري، وكذلك فيلق القدس، وهو الذراع الخارجية للحرس الثوري المسؤول عن العمليات العسكرية خارج إيران.
وتقدّر إسرائيل، وفق ما نقلت الصحيفة، إن مئات من عناصر الحرس الثوري والباسيج قُتلوا في تلك الضربات، إضافة إلى آلاف من أفراد الأجهزة الأمنية الأخرى.
كما أعلن البنتاغون أنه قصف مواقع مرتبطة بالحرس الثوري، مشيراً إلى أن هذه القوة وشبكاتها الحليفة نفذت هجمات عديدة استهدفت الأميركيين خلال العقود الماضية. وشملت الضربات أيضاً مراكز احتجاز ومنشآت إعلامية ومحطات بث تلفزيوني وإذاعي داخل إيران.
استهداف الصواريخ والدفاعات الجوية
وتوضح الصحيفة أن أحد أهم عناصر الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية يتمثل في تحقيق التفوق الجوي فوق إيران، وذلك عبر ضرب الدفاعات الجوية الإيرانية ومستودعات الصواريخ ومنصات إطلاقها والقواعد الجوية.
وقال الجيش الإسرائيلي إن الضربات تمكنت من تعطيل أكثر من 300 منصة إطلاق صواريخ إيرانية، إضافة إلى نحو 150 منظومة دفاع جوي، مؤكداً أن العمليات مستمرة لاستهداف الصواريخ الباليستية ومواقع إطلاقها.
وفي البحر، أعلنت الولايات المتحدة أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالبحرية الإيرانية، حيث تم تدمير 30 سفينة بينها غواصة. كما استخدم الجيش الأميركي غواصة لإطلاق طوربيد أغرق سفينة حربية إيرانية في المحيط الهندي.
وتهدف العمليات البحرية، وفق التقرير، إلى تقليص قدرة إيران على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.
ضرب قلب البرنامج النووي الإيراني
وتؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل، وفق الصحيفة، أنهما عازمتان على منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وفي حزيران/ يونيو الماضي، نفذ البلدان هجمات قال ترامب إنها "دمّرت الإمكانات النووية لإيران". لكن القوات الأميركية والإسرائيلية عادت لاحقاً لاستهداف البنية التحتية النووية الإيرانية.
ومن أبرز الأهداف، موقع نطنز النووي، الذي تنتج فيه إيران معظم وقودها النووي، ويُعدّ القلب الرئيسي لبرنامجها النووي. وتُظهر صور الأقمار الصناعية، وفق ما نقلته الصحيفة، أن الضربات الأخيرة دمّرت مداخل كهف تحت الأرض في نطنز كان يضم أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت منشأتان نوويتان أخريان هما أصفهان وفوردو، اللتان تعرضتا للقصف خلال حرب استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو، قد استُهدفتا مجدداً.
كما أعلنت إسرائيل هذا الأسبوع أنها دمرت منشأة سرية تحت الأرض في منطقة منزادهَي شمال شرق طهران، قالت إنها كانت تُستخدم لتطوير مكونات سلاح نووي.
ونقلت الصحيفة عن السفير الإسرائيلي في واشنطن يخيئيل لايتر، قوله إن إيران كانت تعتزم في تلك المنشأة ربط اليورانيوم المخصب بنظام إطلاق صاروخي.




