إعادة الاعتبار لعيد الاستقلال السوري

محمد الأرناؤوطالسبت 2026/03/07
Image-1771613557
النظام الجديد في سوريا يعيد الاعتبار للوطنية السورية ( Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد المرسوم 188 الذي أصدره رئيس الجمهورية أحمد الشرع في 5/10/2025، الذي شمل قائمة بالأعياد الرسمية المعتمدة خلال الفترة الانتقالية، إلى أن يبّت الأمر فيها بعد تبلور النظام الجديد ومؤسّساته الدستورية، يُلاحظ أن أعياد المسلمين والمسيحيين شملت 8 من أصل 13 عيداً (عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الميلاد وعيد الفصح... الخ) واحتفظت ببعض الأعياد السابقة (عيد الأم وعيد العمال وعيد الجلاء)، بينما حذفت بعض الأعياد السابقة (عيد الشهداء وحرب تشرين وثورة 8 آذار)، وأضافت عيدين جديدين (عيد الثورة السورية في 18 آذار/مارس، وعيد التحرير في 8 كانون الأول/ديسمبر).

ويلاحظ هنا أن العيد الوطني المُجمع عليه بقي عيد الجلاء الذي احتُفل به لأول مرة في 17 نيسان/أبريل 1946، وهو يمثل إشكالية في غياب عيد للاستقلال ، بينما تمّ تجاهل الاحتفال بيوم الاستقلال في 8 آذار 1920 الذي بقي يُحتفل به حتى 1962، بينما اختفى مع الانقلاب العسكري الذي حدث في ذلك اليوم عام 1963، الذي شاركت فيه فصائل عسكرية يقودها ضباط مستقلون وناصريون وبعثيون، وتحوّل بعد فشل محاولة الانقلاب التي قادها العقيد الناصري جاسم علوان في 18 تموز/يوليو 1963، إلى "ثورة 8 آذار" التي دشّنت انفراد حزب البعث بالحكم ثم انتهت إلى حكم الأسدين الأب والابن خلال 1970-2024.

 

وبعبارة أخرى فقد غطّت "ثورة آذار" أكثر من ستين سنة على استذكار "يوم الاستقلال" في 8 آذار، الذي بقي الاحتفال به مستمراً حتى 1962، وهي الفترة التي وُلد ونشأ فيها جيلان جديدان منقطعان عن الإرث الدستوري والمؤسساتي لدولة الاستقلال الأول، والتي قفز فيها عدد السكان في "الجمهورية العربية السورية" من حوالي خمسة ملايين إلى حوالي 25 مليون نسمة.

وقد أُثيرت هذه المسألة في ندوة "كيف نكتب تاريخ سوريا: إشكاليات التأريخ ومنهجيات إعادة القراءة"، التي نظّمها "مركز دراسات تاريخ سوريا المعاصرة" في دمشق خلال 10-11 كانون الثاني/يناير الماضي، بمشاركة مؤرخين سوريين أكاديميين وغير أكاديميين (محمد حرب فرزات وعبد الرحمن البيطار وجمال باروت وغيرهم). فقد كان إعلان استقلال "المملكة السورية العربية" في 8 آذار 1920 بقرار من المؤتمر السوري الذي نصّب الأمير فيصل بن الحسين "ملكاً دستورياً" بعد أن كان قد اقترح في تقريره للجنة كينغ- كرين في 3 تموز 1919، بأن "تكون حكومة هذه البلاد السورية ملكية، مدنية، نيابية، تدار مقاطعاتها على طريقة اللامركزية الواسعة، وتُحفظ فيها حقوق الأقليات، على أن يكون ملك هذه البلاد الأمير فيصل". وقد أُثير هذا الموضوع في المؤتمر السوري الذي اجتمع في 7 آذار 1920 لصياغة قرار إعلان الاستقلال، حيث كانت لمداخلة الشيخ رشيد رضا دورها في حسم طابع الحكم الجديد ليكون "على الأساس المدني وحفظ حقوق الأقلية".

 

وفي المقابل جاءت كلمة الأمير/ الملك لتشير إلى ملامح النظام الجديد، حيث ورد فيها أن "دولتنا الجديدة التي قام أساسها على وطنية أبنائها هي في حاجة اليوم إلى تقرير شكلها أولا ووضع دستور لها يُعيّن لكل منا –آمراً ومأموراً- حقوقه ووظائفه". وفي ردّ المؤتمر السوري على هذه الكلمة، جاء أن أعضاء المؤتمر قرروا "بإجماع الرأي" مبايعة الملك فيصل بعد ظهر 8 آذار على أن تقوم في سوريا "حكومة ملكية مدنية مسؤولة تجاه مجلس الأمة".

وهكذا مع تحوّل المؤتمر السوري إلى جمعية تأسيسية تقوم بوضع دستور للدولة الجديدة، وإلى مجلس نيابي يراقب عمل الحكومة الجديدة التي اقترحها الملك فيصل برئاسة رضا الركابي، وجاءت جلسة 27 آذار 1920 لتشهد أمراً غير مسبوق في المنطقة ألا وهو تقدّم رئيس الحكومة ببيان عن حكومته لينال الثقة باعتبار أن الحكومة أصبحت مسؤولة أمام مجلس الأمة. وفي جملة تُسمع لأول مرة قال الركابي إن "هيئة الوزارة سعيدة جداً بكونها أول وزارة وطنية دستورية ظهرت أمام مجلس ممثل للأمة تقرأ بيانها وتبسط خطتها"، وتمنى فيها على المجلس أن يسرع بإقرار مشروع الدستور المعروض عليه.

 

وقد تأخر البدء في مناقشة وإقرار مشروع الدستور بسبب التطورات العاصفة (مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920 وقرارات الحلفاء بفرض الانتداب على الكيانات الجديدة)، ولم تُعقد أول جلسة لمناقشة وإقرار مشروع الدستور إلا في 20 أيار 1920. ويُلاحظ هنا أن المؤتمر لم يناقش مشروع الدستور بحسب تسلسل مواده، بل قفز إلى القسم الأخير المتعلق باللامركزية لقطع الطريق على تدخل بريطانيا وفرنسا لفرض الكيانات الجديدة باسم حماية الأقليات، ولكن هذا القسم من مشروع الدستور أخذ وقتاً طويلاً امتد لشهرين تقريباً في الوقت الذي كانت فيه القوات الفرنسية تقترب من ميسلون.

وهكذا لم يبدأ المؤتمر بمناقشة وإقرار القسم الأهم (نظام الحكم) إلا في جلسة 12 تموز 1920، حيث أُقرّت أهم مادتين. فقد تُليت أولا المادة الأولى من مشروع الدستور للمرة الثانية وقُبلت على حالها "إن حكومة المملكة السورية العربية حكومة ملكية مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين ملكها الإسلام"، ثم تُليت المادة الثانية وقُبلت على حالها بعد مناقشة مطولة "المملكة السورية تتألف من مقاطعات ذات وحدة سياسية لا تقبل التجزئة".

 

وبهذا الحسم السريع حول أهم مادتين (نظام الحكم والعلاقة بين الدين والدولة، والوحدة السياسية للدولة مع تطبيق اللامركزية)، حمل ما نسمّيه "دستور 1920" أو ما أُقرّ منه حتى تعليق عمل المؤتمر في 20 تموز 1920، نواةً دستورية غير مسبوقة في المنطقة، وهي ما استمرت في البلاد بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920 والاحتلال/ الانتداب الفرنسي حيث تبنّت الحركة الوطنية السورية الجديدة عبر الجمعية التأسيسية المنتخبة في 1928 برئاسة هاشم الأتاسي، اقتراح لجنة الدستور برئاسة ابراهيم هنانو بإقرار المادة الأهم بشكل يعكس واقع الحال الجديد "سوريا جمهورية نيابية دينها الإسلام وعاصمتها دمشق"، على حين أن دستور 1950 الذي جاء بعد الانقلابات العسكرية، اعتمد المادة الأقرب إلى دستور 1920 "دين رئيس الجمهورية الإسلام، وحرية الاعتقاد مصونة والدولة تحترم جميع الأديان السماوية...".

ومع أن حافظ الأسد شكّل لجنة لوضع دستور لحكمه الجديد، ومع أن أعضاء اللجنة كان أمامهم الكثير من الدساتير السورية (ومنها دستور1920 كما قال لي أحدهم) والعربية، إلا أن مشروع الدستور الذي طُرح للاستفتاء في 1973 وحكم بموجبه سورية حتى وفاته عام 2000، وفّر له نظام حكم رئاسي واسع لا سابق له في تاريخ سوريا، وهو ما استمر في عهد ابنه بشار الأسد الذي حكم بموجبه حتى سقوطه في 8 كانون الأول 2024، على الرغم من التعديلات الشكلية التي أدخلت عليه في 2012.

 

ومع سقوط النظام الأسدي الذي حكم سوريا أكثر من نصف عمر الدولة السورية بغطاء إديولوجي باسم القومية العربية، يُلاحظ أن النظام الجديد يعيد الاعتبار للوطنية السورية، التي يُفترض أن يكون من مكوّناتها الإرث الدستوري والمؤسساتي لدولة الاستقلال الأول. ومع التقدير لما أُنجز حتى الآن، ومن ذلك الإعلان الدستوري الذي يحكم توجّهات النظام الانتقالي الجديد، إلا أن الملاحظات التي أثيرت حوله والأوضاع التي تسود في المنطقة الآن لا تمنح الامتياز للسوريين بانتظار عدة سنوات أخرى لوضع دستور جديد ينال موافقتهم . فالظروف التي سادت في 1919-1920 كانت أسوأ بكثير مما هي عليه الآن، ومع ذلك فإن النخبة السورية تمكنت خلال شهور من وضع مشروع دستور وعدة شهور أخرى لمناقشة وإقرار أهم المواد في هذا الدستور في الوقت الذي كانت فيه القوات الفرنسية تقترب من ميسلون لتدخل بعدها دمشق في 25 تموز 1920.

 

ومن يقارن النخبة السورية التي  كانت موجودة في 1919-1920 بالنخبة السورية الآن الموجودة في سوريا وخارجها من خبراء دستوريين ومشتغلين في التاريخ الدستوري وما نُشروه عن التجربة الدستورية في سوريا، ومن هؤلاء د.ابراهيم الدراجي في كتابه "الآباء الدستوريون"، يفترض أن تكون سوريا الجديدة أكثر انفتاحاً على خبرات هؤلاء وأسرع من 1920 لوضع وإقرار دستور جديد يضمن الاستقرار لسوريا من التحديات التي تحيط بها. وفي هذا السياق سيكون من الأولويات إعادة الاعتبار لعيد الاستقلال السوري، والاحتفال به كما كان يجري حتى 1962، لأن هذا يمثل أحد ركائز الهوية الوطنية السورية المنشودة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث