"إيّاكم والنسيان وخيانة دم الأرواح الطاهرة".. عبارة دوّنها جمال على صفحته في الذكرى الأولى لمجازر الساحل، بعد أن سالت دماء والده وأخويه أمام ناظريه. منذ ذلك اليوم، يرتدي خاتم والده في يده، وغادر الساحل إلى غير رجعة.
يعيش هذا الشاب، المثقل بذاكرة مريرة، اليوم في بيروت التي ترزح بدورها تحت نيران الحرب. عبارة جمال ليست الوحيدة، فوسائل التواصل الاجتماعي تغصّ بفيديوهات لنحيب الأمهات في المقابر وصور الضحايا.
مناخٌ مشحون يسبق الذكرى الأولى لمجازر الساحل، خطاباتٌ محمّلة بمفردات الوجود والأمن والكرامة ورفض التهميش، بدت في بنيتها المباشرة خطاباتٍ دفاعية تركّز على ضمانات الحماية والشراكة، وعلى عدم تحويل المجتمع إلى ورقة تفاوض.
ومع حلول الذكرى الأولى، تتحوّل أي مفردة تتصل بالدم أو العدالة أو الكرامة إلى محفّز وجداني مباشر. في بيئاتٍ لم تبرد جراحها بعد، يصبح الإيحاء أقوى من التصريح، ويغدو الرمز أكثر قابلية للاشتعال من الموقف السياسي المعلن.
يخرج الشيخ غزال غزال بخطاب يقول فيه: "أيها العلويون، يا حملة الأمانة منذ فجر التاريخ إلى يوم الدين… يوم السابع من آذار يوم سُقيت الأرض فيه من دماء طاهرة، يوم تُحفَر أحداثه في ذاكرة الأجيال نقشًا من نور. وهو بداية النصر الذي مَنَّ الله علينا بالشهادة… إنه الخلود الذي لا تمحوه السنين. نستشهد فنحيا، ونُحاصَر فنزداد رسوخاً… ما كان وجودنا يومًا عبثاً".
ويضيف بلغة تستعيد ما سبق إطلاق الرصاص: "حين نُسأل قبل القتل: من نكون؟ فنختم حياتنا بأطيب الخواتيم… بالاعتراف الذي لا نساوم عليه: علويّو العقيدة واليقين. وكل خطاب يلبس الإرهاب ثوب القداسة هو تزوير متعمّد وإساءة إلى الله… غداً يوم حداد، فليكن حدادنا عملاً نابضاً بالرحمة: لقمة تسدّ جوع محتاج، بكسرة خبز".
كيف تُصنع مواسم الذاكرة؟
قبل الذكريات الدامية بأسابيع، يبدأ ما يمكن تسميته "التحضير الوجداني" للذكرى. لا يحدث ذلك دفعة واحدة، بل يتشكّل تدريجياً عبر موجات متتالية من الاستدعاء العاطفي: إعادة نشر صور الضحايا، تداول شهادات مصوّرة لذويهم، إحياء تسجيلات قديمة.
هذه العملية، في ظاهرها، تبدو عفوية نابعة من حاجة اجتماعية إلى التذكّر والحداد، غير أنّها، في كثير من الأحيان، تُدار إعلامياً أو تُغذّى رقمياً لتكثيف المناخ العاطفي العام، تمهيداً لتحرّكات سياسية أو شعبية محتملة. فالذاكرة، حين تُستدعى بهذا الزخم، لا تبقى فعلاً إنسانياً خالصاً، بل تتحوّل تدريجياً إلى طاقة تعبئة قابلة للتوجيه.
الذكرى الأولى، تحديداً، مغرية لأطراف متعددة، لأن جرحها ما زال طريّاً وسرديتها لم تستقر بعد. فلول النظام السابق قد ترى فيها فرصة لإحياء خطاب الخوف الوجودي، وإعادة إنتاج سردية "الحامي الذي سقط"، خصوم السلطة الجديدة قد يوظّفون أي توتر لإظهار فشلها أمنياً في إدارة المرحلة. قوى خارجية قد تستثمر اضطراب الساحل جيوسياسياً ضمن صراعات النفوذ الأوسع، وفي الداخل نفسه، قد تدفع بعض الأطراف باتجاه تحويل الذاكرة إلى مطالب سياسية كالفيدرالية أو الحماية الذاتية، بوصفها استجابة وقائية للخوف لا مشروعاً أيديولوجياً مكتمل البناء.
بهذا المعنى، لا تعود الذكرى مجرّد محطة نستعيدها… بل مساحة مفتوحة يتداخل فيها الشعور بالخسارة مع حسابات الحاضر، مكان تختلط فيه الذاكرة بالسياسة، والحداد بما يُراد له أن يقال أو يخفى.
فهذا الطابع الحدادي لا يبقى ساكناً طويلاً، سرعان ما تبدأ الشعارات بالاتّساع، ويتحوّل الإحياء الرمزي إلى منصّة مطالب، من العدالة للضحايا، إلى ضمانات عدم التكرار، إلى حماية أمنية خاصة، وصولاً إلى مطالب بالتمثيل السياسي الأوسع داخل بنية السلطة الجديدة، هنا تحديداً يبدأ الانتقال من الحداد إلى الفعل السياسي، ومن الذاكرة كاستذكار إلى الذاكرة كأداة ضغط.
خطورة هذا التحوّل لا تكمن في الاحتجاج نفسه، بل في البيئة التي يجري داخلها، فالساحل في عامه الأوّل بعد المجازر ما زال يعيش فوق طبقات غير معالجة من الخوف والتوتّر. وفي بيئة كهذه، يكفي حادث واحد لإحياء ذاكرة العنف فوراً: احتكاك عابر على حاجز، إطلاق نار عشوائي غير محسوب، إشاعة متداولة عن استهداف طائفي، أو حتى سقوط ضحية واحدة في سياق ملتبس.
عندها لا يبقى المشهد محصوراً في حدود الاحتجاج، تتسارع الخطوات من تجمّع رمزي إلى اشتباك محدود، ومن اشتباك محدود إلى توتّر أوسع ينعكس في الشوارع والوجوه.
وفي الذكرى الأولى، لا تبدو الهتافات مجرّد تعبير عن المل... بل مساحة مفتوحة على كل احتمالات التصعيد، بقدر ما هي مساحة يرفع فيها الناس صوتهم طلباً للعدالة.
اختبار السلطة
على الرغم من أن الرئيس أحمد الشرع أمر بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لتقصي الانتهاكات التي رافقت العمليات العسكرية، وتم بالفعل إحالة عدد من العناصر الميدانيين إلى محاكمات وُصفت رسمياً بأنها جزء من هذا المسار، فإن نطاق هذه المحاكمات ــ وفقاً لأهالي الضحايا ــ بقي محدوداً من حيث المستوى القيادي وطبيعة الاتهامات، إذ طاول منفّذين صغاراً أكثر مما اقترب من سلاسل القيادة أو دوائر القرار العملياتي، وهذا ما أبقى شعوراً واسعاً داخل الأوساط المتضررة بأن العدالة تحقّقت إجرائياً لا في أساس المشكلة، وأن المحاسبة تناولت النتائج أكثر مما تناولت البنية التي أفضت إليها.
في هذا التوقيت المشحون، تواجه الحكومة السورية اختباراً مركّباً يتجاوز البعد الأمني المباشر إلى مستوى إدارة الذاكرة نفسها: كيف يمكن حماية حقّ التذكّر بوصفه حقاً إنسانياً وجماعياً، من دون أن يُترك ليتحوّل إلى لحظة انفجار؟
المعضلة هنا دقيقة، فالاستجابة الأمنية الصرفة، مهما بلغت جاهزيتها، لا تكفي لضبط أثر الذكرى، لأن الذاكرة لا تُدار بالحواجز، وفي المقابل، فإن الخطاب السياسي التطميني، مهما كان متقدّماً لغوياً، لا يكفي وحده لاحتواء الخوف المتراكم، المطلوب مقاربة مركّبة تجمع بين الحماية الميدانية، والطمأنة السياسية، وخطوات العدالة الفعلية القابلة للقياس، بما يعيد بناء الثقة تدريجياً بين الدولة والمجتمعات المتضرّرة.
مع اقتراب الذكرى الأولى، تقف المنطقة أمام حزمة سيناريوهات مفتوحة، تتدرّج من الرمزي إلى الميداني: إحياء حدادي هادئ مضبوط الإيقاع، احتجاجات واسعة ذات طابع سلمي، احتكاكات أمنية محدودة قابلة للاحتواء، أو تصعيد مسلّح موضعي قد يتوسّع إن لم يُحاصَر سريعاً.
العامل الحاسم في ترجيح أيٍّ من هذه السيناريوهات لن يكون الذكرى نفسها، بل طريقة إدارتها سياسياً وأمنياً وخطابياً، فطريقة انتشار القوى الأمنية، ونبرة التصريحات الرسمية، وسرعة التفاعل مع أي حادث طارئ، جميعها عناصر قادرة إمّا على تبريد اللحظة أو دفعها نحو التوتّر.
يقترب الساحل، وهو يستعيد ذكرى مجازره الأولى، من أكثر من مجرد مناسبة زمنية، يقترب من مرآة ثقيلة يرى فيها ما جرى، وما تغيّر منذ ذلك اليوم، وما لم يتغيّر بعد، وفي المسافة الفاصلة بين الحداد وإدارة الواقع، بين الذاكرة والسياسة، سيتحدد ما إذا كانت الذكرى ستمرّ كعبء صامت… أم كاختبار جديد لهشاشة السلم الأهلي.




