رأى "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي، أن قرار الرئيس دونالد ترامب باستمرار الحملة ضد إيران أو أوقفها، يعتمد على الموازنة بين صورته كمنتصر وصانع صفقات، وبين الضغوط الداخلية والاقتصادية، فيما شدد على أن إسرائيل يجب أن تناور بحذر تجاه هذا الواقع غير اليقيني.
رسائل متناقضة
وقال المعهد في تقرير، إن ترامب يتبنى خطاً علنياً متشدداً للغاية باعتباره دفاعاً ضرورياً عن المصالح الأميركية، وإزالة تهديدات مباشرة صادرة عن إيران، فيما تُمثل دعوته للشعب الإيراني إلى اغتنام الفرصة وإحداث تغيير ببنية النظام الداخلي، تصعيداً بالحرب النفسية ضد النظام الإيراني.
غير أن تصريحات كبار المسؤولين في إدارته بشأن أهداف الحملة تكشف عن تناقضات في نيات التحرك، وتثير الشك فيما إذا كان هناك خطة عملياتية منظّمة لتغيير النظام تتجاوز الخطاب العلني.
كما يمكن الاستنتاج أنه لم يكن هناك استعدادات مسبقة لإرفاق التحرك العسكري بخطة سياسية، بما في ذلك دعم تموضُع قيادة بديلة، على غرار ما يبدو أنه سبق العملية الأميركية لإزاحة رئيس فنزويلا.
ورأى التقرير أن إدارة ترامب تعمل في فضاء من الرسائل متناقضة، إذ تصر على مواصلة ضربات "ثقيلة ودقيقة" من دون حد زمني، بينما تبدي من جهة أخرى إشارات إلى الانفتاح على اتصالات دبلوماسية وتصريحات بشأن "تقدُّم سريع" تمهّد لإنهاء مبكر. إضافة إلى ذلك، أظهر ترامب في مقابلات صحافية عدم الاتساق بشأن المدة المحتملة للحرب.
الغموض ليس عشوائياً
واعتبر أن الغموض الأميركي ليس عشوائياً، ويهدف على الأرجح إلى الحفاظ على الردع إزاء إيران، مع إبقاء هامش مناورة سياسي، خصوصاً أن الرأي العام الأميركي لم يُهيَّأ لحملة عسكرية طويلة. لكن في الوقت ذاته، قد يعكس شكوكاً داخل دوائر الإدارة، وربما لدى الرئيس نفسه، بشأن حجم الإنجاز المطلوب والثمن الذي سيكون مستعداً لدفعه من أجل تحقيق الأهداف المعلنة.
وتكمن المعضلة الاستراتيجية، بحسب التقرير، بتعريف "الهدف الواقعي"، إذ أن قرار ترامب في المديَين القصير والمتوسط لن يُحدَّد فقط وفق التطورات التكتيكية في مواجهة إيران فقط، إنما وفق تعريف الإدارة لـ"نقطة التوقف" المثلى من منظورها.
غير أن النقاش الداخلي داخل واشنطن يشهد توتراً بين هدفين متكاملين، أولهما الضغط العسكري الأقصى، للدفع نحو استمرار الحملة حتى تحقيق ضرر عميق وغير قابل للإصلاح في قدرات إيران الأساسية على رأسها، برنامج الصواريخ، المشروع النووي، البحرية الإيرانية وآليات إسقاط القوة عبر الوكلاء في المنطقة، وبالتالي وصفه بالحسم التاريخ.
أما الهدف الثاني، فيكمن باحتواء المخاطر، والتركيز على منع التصعيد الواسع ربما يرفع التكلفة الاقتصادية والسياسية. وهذه المقاربة تستند إلى النفور العميق من الحروب الطويلة، في ظل تجربة العراق وأفغانستان، والخشية من "الاستنزاف" في الشرق الأوسط، وبالتالي إضعاف شرعية ترامب لدى قاعدته في الحزب الجمهوري، وهو ما انعكس في تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس، بشأن عدم نية الرئيس بشأن الانخراط في حرب طويلة.
متى تُعلن واشنطن النصر؟
ووفق التقرير، فإن النقاش داخل إدارة ترامب ينصب على تعريف "الهدف الواقعي" الذي يبرر استمرار الحملة، ويحدد نقطة التوقف، وبالتالي منح ترامب الإعلان عن إنجاز من دون أن يبدو كأنه انجرف نحو حرب مفتوحة.
في نهاية المطاف، سينصبّ النقاش داخل الإدارة على تعريف "الهدف الواقعي" الذي يبرر استمرار الحملة، و"نقطة التوقف" التي تمكّن ترامب من إعلان إنجاز من دون أن يبدو كأنه انجرف إلى حرب مفتوحة.
لكن السؤال بحسب التقرير، بأنه هل يكفي الاستنزاف الكبير للقدرات الإيرانية لإعلان النصر، أم يجب الاستمرار حتى تحقيق نتيجة حاسمة أكثر تُظهر أن هدف تغيير النظام أصبح عملياً، حتى لو أدى ذلك إلى إطالة أمد الصراع واضطراب إقليمي مستمر؟
بالنسبة لترامب، فإنه سيقيس النجاح بمفهوم "إغلاق الملف"، وبالتالي إذا أشارت التقديرات إلى ضرر حاسم بقدرات الإطلاق، وبمنظومة القيادة والسيطرة لدى الحرس الثوري، فسيزداد الدافع إلى إعلان النصر، في حين الفشل في تحييد التهديدات، أو الرد الإيراني القاسي، سيضعه أمام معضلة بين مواصلة الحملة، أو الاعتراف بحدود القوة.
وهناك عوامل قد تضغط على الإدارة الأميركية لتحديد موعد إيقاف الحملة، هي الخسائر الأميركية الثقيلة بالجنود أو توجيه ضربة قوية للقواعد الأميركية، والعامل الاقتصادي وإغلاق مضيق هرمز، والمتغيّر الإقليمي وضغط دول الخليج مع استمرار الضربات الإيرانية لمنشآت الطاقة أو الأهداف المدنية، وذلك إلى جانب استنزاف الذخائر الدقيقة، والجبهة الداخلية الأميركية وتحالف "أميركا أولاً" الذي بدأت تخرج أصوات متطرفة تنتقد الانخراط العسكري الأميركي باعتباره يخدم مصالح إسرائيل.
وقد يسعى ترامب لاستباق تصاعُد هذه الضغوط بعرض إنجاز سريع وملموس يتيح له الانسحاب من موقع قوة، كما يمكن لإدارته الإعلان عن "صورة نصر"، بإلحاق ضرر كبير بقيادة النظام (بما في ذلك المرشد علي الخامنئي)؛ وتحييد الدفاعات الجوية؛ وضرب البرنامج النووي؛ وإضعاف القدرات الصاروخية والبحرية، غير أنه لكن في ظل غياب قيادة بديلة جاهزة داخل إيران، ربما يفضل ترامب تجميد الوضع، مع التهديد باستئناف القتال إذا عادت طهران إلى نشاطاتها.
كما يمكن لترامب تقديم نفسه كـ"صانع صفقات" بإجبار إيران على العودة لطاولة المفاوضات تحت الضغط العسكري، وبالتالي إظهار نفسه بأنه حقق بالقوة ما عجز أسلافه عن تحقيقه دبلوماسياً.
توسيع الحملة ضد إيران
وأمام هذه الحال، قد يضطر ترامب لتوسيع الحملة في حال وقوع أضرار جسيمة بأصول أميركية، أو إغلاق كامل لمسارات التجارة البحرية، أو اندلاع مواجهة واسعة بين إيران ودول الخليج، بما في ذلك الحصول على تفويض من الكونغرس للدفع بقوات برية بأعداد كبيرة.
التداعيات على إسرائيل
بالنسبة لإسرائيل، فإنها أمام فرصة لتحويل الضغط الأميركي- الإسرائيلي إلى إنجاز استراتيجي طويل الأمد ضد إيران، واستنزاف حقيقي لقدراتها الأساسية، وتعزيز الردع، وتقليص هامش إعادة بناء القوة الإيرانية، كذلك ربما تتيح الحملة تعميق التنسيق الإقليمي، وبشكل خاص مع دول الخليج، في مجالات حرية الملاحة والدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة، ضمن إطار يخدم الاستقرار الإقليمي والمصلحة الأميركية المباشرة.
وفي حال أدى إضعاف النظام إلى سقوطه، فسيُعَدّ ذلك مكسباً لإسرائيل، حتى لو لم يظهر نظام بديل أكثر اعتدالاً، بينما الولايات المتحدة، قد ترى في الفراغ السلطوي تحدياً إقليمياً فورياً.
لكن ثمة مخاطر ضد إسرائيل، إذ أن "إغلاق الملف" سريعاً من جانب الولايات المتحدة لدوافع سياسية، أو اقتصادية، سيزيد احتمال تحميل إسرائيل مسؤولية استمرار الحرب، وتآكل الشرعية الدولية، وتوسّع المهمة إلى أهداف سياسية غامضة، مثل تغيير النظام، من دون بنية موثوق بها.
توصيات لإسرائيل
ودعا "المعهد الإسرائيلي"، صنّاع القرار في تل أبيب، إلى مواصلة التنسيق الاستراتيجي الوثيق لضمان تعريف مشترك للنصر مع واشنطن، ونقطة التوقف، ومنع إعلان أميركي أحادي يترك إسرائيل عرضةً لرد إيراني، وتأطير المصلحة الأميركية في الخطاب مع الإدارة والكونغرس والجمهور الأميركي، والتأكيد أن الحملة تخدم مصالح أميركية مباشرة، إضافة إلى الاستعداد لوقف مفاجئ، عبر إعداد بدائل عملياتية وسياسية، في حال انتقال واشنطن سريعاً إلى المسار الدبلوماسي، وذلك لمنع نشوء فراغ استراتيجي يسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها تحت مظلة المفاوضات.
كما حثّ على الحفاظ على الشرعية الدولية، عبر تقديم الحملة كجزء من بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً، مع إشراك دول الخليج في هذا الإطار.
