بدأت شبكة القواعد الصاروخية الإيرانية تحت الأرض، المعروفة باسم "مدن الصواريخ"، تتحول من أحد أهم عناصر الردع العسكري لطهران إلى نقطة ضعف استراتيجية، في ظل الضربات الجوية المكثفة التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد منصات إطلاق الصواريخ ومداخل الأنفاق التي تخزن فيها هذه الترسانة.
ووفق تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن هذه القواعد التي أنفقت إيران عقوداً في بنائها لحماية صواريخها من الهجمات الجوية أصبحت هدفاً واضحاً للطائرات الحربية والطائرات المسيّرة التي تراقبها بشكل دائم، وتهاجم منصات الإطلاق فور خروجها إلى السطح لإطلاق الصواريخ.
استراتيجية تحولت إلى عبء
واعتمدت إيران منذ سنوات على إنشاء شبكة واسعة من الأنفاق والقواعد المحصنة داخل الجبال لحماية آلاف الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، في إطار عقيدة عسكرية تعتمد على الصواريخ كبديل عن التفوق الجوي.
لكن التقرير يشير إلى أن هذه الاستراتيجية بدأت تنقلب ضد طهران خلال الأيام الأولى من الحرب الجارية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ تحلق طائرات استطلاع ومسيّرات مسلحة فوق مواقع القواعد المعروفة، وتستهدف منصات الإطلاق فور ظهورها أو تقصف مداخل الأنفاق بقنابل ثقيلة.
كما تُظهر صور الأقمار الصناعية التي التُقطت خلال الأيام الأخيرة بقايا منصات إطلاق وصواريخ إيرانية دُمّرت قرب مداخل الأنفاق، ما يدل على استهدافها أثناء خروجها لإطلاق الصواريخ.
أكثر من 500 صاروخ
ورغم هذه الضربات، تمكنت إيران منذ بداية المواجهة من إطلاق أكثر من 500 صاروخ باتجاه إسرائيل وقواعد أميركية وأهداف أخرى في منطقة الخليج، بحسب تقديرات حكومات في المنطقة.
لكن وتيرة الهجمات تراجعت بشكل ملحوظ بعد الأيام الأولى، ما يشير إلى أن الضربات الأميركية والإسرائيلية بدأت تؤثر على قدرة طهران على الرد.
وقال قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط الأميرال براد كوبر، إن القوات الأميركية والإسرائيلية تعمل على تعقب ما تبقى من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية. وأضاف "نحن نطارد آخر منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية". وأشار إلى أن قدرة إيران على ضرب الولايات المتحدة وحلفائها آخذة في التراجع.
كما أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن عمليات إطلاق الصواريخ الإيرانية انخفضت بنسبة 86% خلال أربعة أيام نتيجة الضربات الجوية.
مخزون ضخم داخل الأنفاق
يعتقد محللون أن جزءاً كبيراً من مخزون إيران الذي يضم آلاف الصواريخ ما يزال مخزناً في هذه القواعد تحت الأرض، التي تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من تحديد مواقعها عبر سنوات من العمل الاستخباراتي وصور الأقمار الصناعية.
ويرى خبراء أن المشكلة الأساسية في مفهوم "مدن الصواريخ" هي أنها حوّلت منظومة الصواريخ الإيرانية من قدرة متنقلة يصعب تحديد موقعها إلى بنية ثابتة يسهل تعقبها.
وقال الباحث سام لير من مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار، إن "ما كان في السابق متنقلاً وصعب العثور عليه أصبح الآن أسهل استهدافاً".
مراقبة جوية مستمرة
وبعد تحييد جزء كبير من الدفاعات الجوية الإيرانية، أصبحت طائرات الاستطلاع الأميركية والإسرائيلية تحلق فوق القواعد المعروفة، وتراقب النشاط فيها قبل توجيه الضربات.
ويقول محللون إن هذه الطائرات لا تضرب المواقع مباشرة، بل تنتظر ظهور منصات الإطلاق أو مؤشرات النشاط ثم تستهدفها بواسطة الطائرات المقاتلة أو الطائرات المسيّرة المسلحة.
وتشير تحليلات صور الأقمار الصناعية إلى أن عدة قواعد تعرضت لضربات متكررة، أبرزها قواعد قرب مدينة شيراز جنوب إيران، حيث دُمرت منصات إطلاق خرجت من أحد الأنفاق إلى وادٍ قريب قبل إطلاق صواريخها، وصورة التُقطت في 2 أذار/مارس أظهرت سحابة حمراء قرب إحدى المنصات المدمرة، ما يشير إلى تسرب حمض النتريك المستخدم وقوداً للصواريخ.
وأظهرت صورة منصة إطلاق تتحرك قرب القاعدة مع حفرة في الطريق تشير إلى محاولة ضربها جوياً قرب أصفهان، ولاحقاً تعرضت مداخل الأنفاق في الموقع نفسه لقصف باستخدام قنابل خارقة للتحصينات. كما أظهرت صور أقمار صناعية ضربات قوية استهدفت قاعدة صاروخية قرب كرمانشاه ومداخل الأنفاق فيها.
ضربات شمالاً وجنوباً
بحسب التحليلات العسكرية ركزت الضربات الأميركية على القواعد في جنوب إيران، بينما استهدف الطيران الإسرائيلي مواقع في شمال البلاد، وتشير صور الأقمار الصناعية أيضاً إلى انهيار مدخل نفق في قاعدة قرب تبريز بعد تعرضها لغارات جوية. كما استهدفت الضربات قواعد أخرى قرب بلدات خورجو، حاجي آباد، وجام في جنوب إيران.
ويرى محللون أن تركيز الضربات على الطرق والمخارج ومنصات الإطلاق يعود إلى عاملين رئيسيين العدد الكبير للقواعد الإيرانية، ومحدودية القنابل الخارقة للتحصينات القادرة على اختراق المنشآت العميقة تحت الأرض.
وقال الباحث العسكري كولين ديفيد إن الضربات تُنفذ على شكل موجات متتالية تستهدف عدداً محدوداً من المواقع في كل مرة، مضيفاً أن القواعد تفقد فعاليتها تدريجياً مع تدمير منشآتها السطحية ومنصات الإطلاق.
ترسانة يصعب تقديرها
ورغم الضربات، لا يزال الحجم الحقيقي للترسانة الصاروخية الإيرانية غير معروف بدقة. وقال الباحث ديكر إيفليث من مركز "CNA"، إن الغموض حول حجم المخزون يمنح إيران هامشاً من الردع، مضيفاً "لا أحد يستطيع عدّ ترسانتهم بدقة". كما يُعتقد أن طهران قد تحتفظ ببعض الصواريخ الأبعد مدى والأكثر قوة لاستخدامها في حال تعرض النظام لخطر وجودي.
وقد عرضت إيران في آذار/مارس 2025، مقاطع فيديو لقاعدة صاروخية تحت الأرض تضم ممرات طويلة وشاحنات تحمل صواريخ باليستية، أثناء جولة قام بها قادة عسكريون داخل المنشأة، دون الكشف عن موقعها؟
وفي بعض المواقع بنت إيران صوامع إطلاق بدائية داخل الجبال تسمح بإطلاق الصواريخ دون إخراجها إلى السطح. ومن بين هذه المواقع قاعدة قرب بلدة خورموج في جنوب إيران، يعتقد أنها تضم تسع صوامع إطلاق تحت الأرض موجهة نحو الخليج.
وتستخدم هذه القاعدة نظام تحميل ميكانيكياً ينقل الصواريخ عبر سكك داخل الأنفاق إلى الصوامع بدلاً من استخدام منصات إطلاق متحركة.
لكن محللين يرون أن إيران تخلت إلى حد كبير عن إطلاق الصواريخ من الصوامع تحت الأرض بسبب الصعوبات التقنية المرتبطة بإعادة استخدامها بعد الإطلاق، وفق "وول ستريت جورنال".
