لنتنياهو وترامب مآرب أخرى في الحرب على إيران

حلمي موسىالخميس 2026/03/05
Image-1772650142
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الحكومة الإسرائيلية المطلوب للجنائية الدولية، بنيامين نتنياهو، الحرب على إيران على أرضيّة توافق واختلاف بشأن أهدافها ومصلحة كل منهما فيها. وواضح أن هناك توافقاً في العداء للنظام الإيراني بسبب صراع تاريخي مع أميركا بدأ على الأقل مع الإطاحة بحكم مصدق وتعاظم مع الإطاحة بالشاه ومع إسرائيل منذ الإطاحة بالشاه. لكن أميركا على خلاف إسرائيل، لم ترَ أبداً في إيران تهديداً وجودياً لها في حين أنَّ إسرائيل عظّمت هذا التهديد في نظرها مع مرور السنين. ومن الجائز أن هذا الاختلاف خلق افتراقاً هائلاً في الدعم الشعبي لهذه الحرب لدي الجمهورين الأميركي والإسرائيلي.

 

وفيما يبدو واضحاً أن الحلبة السياسية والجمهور الإسرائيلي بأغلبيته الساحقة يدعمان هذه الحرب بشدة، ومستعد لتحمل تكاليفها ولا يناقش أعباءها، تكاد الحلبة السياسية والجمهور الأميركي بأغلبيته يعارضان هذه الحرب، ويشككان في مصلحة أميركا بشنها. وفيما يلتف حول نتنياهو وحربه قادة المعارضة الإسرائيليون عدا الكتل العربية والشيوعيين، ذهب كثيرون في أميركا، بمن فيهم بعض أنصار ترامب الأقربون من جماعة "ماغا"، إلى إشهار معارضتهم للحرب. بل إن الأخيرين وسواهم اتهموا ترامب بالانجرار وراء ضغط وألاعيب نتنياهو، وأنه بذلك عمل بمنطق "إسرائيل أولا" وليس "أميركا أولا". وهذا ما اضطر رجال ترامب إلى الإعراب عن غضبهم من التلميحات الإسرائيلية بنجاح نتنياهو في إقناعه بالحرب، وتكثيف الادعاء بأنه أنطلق في موقفه من إدراك للمصلحة الأميركية العليا.

وقد كتب كبير معلقي صحيفة "يديعوت أحرونوت" ناحوم بارنيع: "استعد العسكريون، لكن القرار النهائي يعود لشخصين: نتنياهو وترامب. أحدهما أقنع، والآخر امتثل. من المرجح أننا سنعرف المزيد عن ترددات الرئيس الأميركي، والنصائح التي تلقاها من معاونيه، والتحذيرات التي سمعها، عندما يحين ذلك اليوم، سواء اتخذ القرار قبل أسبوعين، أو يوم الخميس الماضي حين تحدث مع نتنياهو، أو صباح الجمعة في واشنطن حين أصدر الأمر".

 

ومن المؤكد أن نتنياهو شعر أنه امتلك العالم بين يديه عندما بدأت هذه الحرب، وأنه حقق أعظم أمانيه وأنه سيكرس قيادته لإسرائيل ومكانته التاريخية إذا ما أنجز هدف إسقاط النظام الإيراني. وفي نظره فإنه بعد أن حطّم وقطع أذرع محور المقاومة، صار ضرورياً تحطيم رأس هذا المحور في طهران. ونصّب نتنياهو نفسه وصياً على الشعب الإيراني، فصار يصدر له توجيهاته بشأن ما ينبغي فعله في هذه الحرب، واعداً إياه بمستقبل مزهر مع رضا بهلوي الذي أطاح الإيرانيون بوالده في ثورتهم نهاية السبعينيات. وفي ذهن نتنياهو فإن النصر في إيران سيكون بحجم هائل يزيل من على جبينه أمام الإسرائيليين عار السابع من أكتوبر. 

وفي غمرة تباهيه يعمل رجاله، وعلى مدار الساعة، من أجل تقديم موعد الانتخابات العامة والاستفادة من الالتفاف الحالي حول قيادته. وقد لعبت في هذا الموقف عوامل مختلفة تقف على رأسها الاستحقاقات القانونية بشأن إقرار الميزانية العامة التي لم تقرّ حتى الآن. ويفرض القانون حل الكنيست إذا لم تقر حتى نهاية آذار/ مارس الجاري. وعلى العكس من نتنياهو، يدرك ترامب مخاطر الانتخابات النصفية المقررة في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، التي تشير الاستطلاعات إلى إمكانية خسارة الجمهوريين للأغلبية الضئيلة التي يمتلكونها. وثمة تقارير تحذر من نية ترامب تحطيم النظام الأميركي وتأجيل موعد هذه الانتخابات لتجنب الخسارة.

 

ولا بد من الإشارة إلى أن الحرج الذي أصاب ترامب من الاتهامات بالانجرار خلف نتنياهو، دفعه للخروج علناً في مؤتمر صحفي لقول: "أنا من أجبر نتنياهو على خوض الحرب في إيران، وليس العكس". وبرر اندفاعه للحرب بالقول: "انظروا، لقد تفاوضنا مع هؤلاء المجانين، وكان تقديري أنهم سيبدأون الهجوم. لو لم نتحرك، لكانوا سيبدأون الهجوم. شعرتُ بذلك بقوة". وجاء ذلك بعد تزايد التقارير عن غضب المحيطين بترامب من تصريحات رجال نتنياهو، التي أوحت أن الأخير جرّ الرئيس دونالد ترامب إلى الحرب مع إيران. ونقلت "يديعوت" عن مصادر أميركية، أن ترامب يقود الحرب بنجاح، وأنه لم يكن بحاجة إلى أي دافع: "لقد اعتقد أنه الصواب". وأضافت "هذه الإيحاءات بمثابة طعنة في الظهر. إنها ترسل رسالة خاطئة للرأي العام الإسرائيلي". وشددت بغضب على أن ترامب يدفع ثمناً باهظاً لخوضه الحرب، ولا ينبغي تصوير الأمر كأن نتنياهو هو من جره إليها، خصوصاً في ظل استطلاعات تُظهر معارضة أغلبية ساحقة من الشعب الأميركي لشن الحرب على إيران.

 

توافق واختلاف

في كل حال فإن ما يظهر من توافق إسرائيلي-أميركي لا يستطيع إخفاء عناصر الاختلاف بينهما. فإسرائيل ترى أن إسقاط النظام الإيراني وإنشاء نظام عميل يحقق لها مرادها ولا يهمها عواقب ذلك إقليمياً وعالمياً. في حين أنَّ أميركا تقبل بتعديلات في النظام تُكسبها نقاطاً في المعادلة الدولية. وربما لهذا السبب يُعتبر عنصر الوقت أحد أبرز نقاط الاختلاف: أميركا تريد حرباً أقصر ما يكون، وإسرائيل تريدها أطول ما تكون. والمهم في نظر إسرائيل أن لا تخوض الحرب وحيدة بل إلى جانب أميركا. ولهذا تدرك إسرائيل أنها في سباق مع الزمن لأن مدة الحرب تعتمد إلى أبعد حد على مدى صبر وقدرة تحمل ترامب. وبالرغم من حديث ترامب عن فترة أربعة أسابيع قابلة للتمديد، إلا أن أحداً لا يضمن رغبته في استمرارها كل هذه الفترة، خصوصاً مع تصاعد التذمر العالمي من آثارها في مجال الطاقة، خصوصاً في أوروبا، واحتمالات توسع الحرب. ويخشى الإسرائيليون جداً تكرار ترامب لاتفاقه مع الحوثيين في ذروة الصراع حول الممرات البحرية في بحر العرب والبحر الأحمر.

وواضح من كلام ترامب عن استعداده للقبول بحكومة إيرانية جديدة تكون أكثر استعداداً للتعامل مع مطالبه، خصوصاً أنه ركز مؤخراً على منع امتلاك السلاح النووي، وليس التجريد التام لإيران من قدراتها التسليحية، أنه يفتح الباب أمام نوع من تكرار السيناريو الفنزويلي، وهو ما لا يعجب إسرائيل التي تطمح إلى إسقاط النظام كما سلف، عبر تحريض الجمهور الإيراني عليه ووعده بمساعدة خارجية. وبالرغم من أن أميركا تردد هذا التحريض، إلا أن الفرق بينها وبين إسرائيل واضح. تحاول تل أبيب تجنيد الأكراد وأي قوة أخرى للعمل ضد الحكم المركزي، وهذا ما يستثير ردود فعل تركية غاضبة، وما لا تريد واشنطن فعله على الأقل علناً.

 

عموماً تدرك إسرائيل، وفق صحيفة "معاريف"، أنه "لا يُمكن تغيير نظامٍ ما بمجرد القضاء على قادته"، إنما يتطلب "تقويض قدرته على العمل والتنظيم والاستجابة". ولذلك توجه الهجمات إلى قواعد وبنية الحرس الثوري والباسيج التحتية وإضعاف آليات السلطة، وبالتالي إضعاف قبضة النظام من الداخل أيضاً على أمل إحداث التغيير المنشود بتحرك المعارضة لقلب النظام.

وبعد أيام قليلة من بدء الحرب، حذّر "نبي الغضب" الإسرائيلي الجنرال اسحق بريك، من أن " الأمور باتت واضحة. إن لم نستيقظ الآن ونتوقف عن الانجراف وراء نشوة اللحظة، فسيكون الثمن الذي سندفعه في المستقبل باهظاً لا يُمكن إصلاحه". وفي مقالته في "معاريف"، كتب أنه "حتى في حال تحقيق نصر عسكري على إيران، فإن دولة إسرائيل تواجه عمليات انهيار داخلي تهدد قوتها الوطنية: عجز هائل في الميزانية لا يسمح بإعادة بناء المنظومة الأساسية، وسيتفاقم إلى مستويات هائلة بعد الحرب". وأشار إلى أن "النجاح العسكري ليس ضماناً للأمن على المدى البعيد: النجاح التكتيكي في ساحة المعركة، مهما كان باهراً، لا يضمن أمن إسرائيل في السنوات المقبلة. فالتهديدات تتغير أشكالها فقط".

 

وأكد بريك أن "أحد التحديات الحاسمة في السنوات المقبلة هو تحول تركيا إلى قوة إقليمية متسلطة"، حيث يعزز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "قبضته على الشرق الأوسط بدعم أميركي. حتى لو تم استبعاد إيران من خريطة التهديدات، فإن التحدي التركي سيجعل الواقع الأمني أكثر تعقيداً وخطورة". وخلص إلى أن القنبلة الموقوتة الحقيقية حالياً، "هي النقص المتزايد في الأسلحة لدى كل من إسرائيل والولايات المتحدة". وهذا ما يحاول البنتاغون تجنبه بالضغط على كبريات شركات إنتاج السلاح والذخائر الأميركية لتكثيف الإنتاج والضغط على الكونغرس لإقرار زيادة عاجلة في الميزانية العسكرية بنحو 50 مليار دولار لتجديد إمدادات الأسلحة.

ولذلك ثمة معنىً لاستخلاص برنياع في "يديعوت": "من السابق لأوانه تلخيص الحرب، فنحن والأميركيون لدينا تجربة مريرة مع خطابات النصر المبكرة. من المفهوم أن نتنياهو يحاول تحويل النجاح الأولي إلى مكسب انتخابي. وتحت غطاء الحرب وإنجازاتها، يدفع الائتلاف بكل قوته نحو الانقلاب، وهذا أمر يجب عدم قبوله".

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث