كشفت مصادر أميركية وغربية أن مسؤولين مرتبطين بوزارة الاستخبارات الإيرانية، تواصلوا على نحوٍ غير مباشر مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بعد يوم واحد فقط من بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، عارضين مناقشة شروط إنهاء الصراع، في خطوة تعكس حجم الارتباك داخل القيادة الإيرانية مع استمرار الضربات العسكرية.
ووفق تقرير أعدّه مايكل كراولي وجوليان بارنز من واشنطن، ورونين بيرغمان من تل أبيب، ونشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن الاتصال جرى عبر جهاز استخبارات تابع لدولة ثالثة، في محاولة لفتح قناة غير مباشرة مع واشنطن لبحث إمكانية وقف إطلاق النار.
تواصل سري وسط الفوضى
ووفق مسؤولين من الشرق الأوسط ودولة غربية اطلعوا على تفاصيل التواصل، فإن العرض الإيراني طرح إمكانية مناقشة ترتيبات لوقف القتال، في الوقت الذي تواجه فيه القيادة الإيرانية حالة من الفوضى بعد سلسلة ضربات إسرائيلية استهدفت كبار المسؤولين.
لكن مسؤولين أميركيين أعربوا عن تشكيكهم في أن تكون طهران أو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مستعدتين فعلاً لبحث تسوية في الوقت الراهن، معتبرين أن الظروف السياسية والعسكرية لا تشير إلى استعداد حقيقي للخروج من مسار التصعيد.
كما أثار العرض تساؤلات أساسية حول قدرة أي مسؤولين إيرانيين على التفاوض باسم حكومة تعيش حالة اضطراب شديد، خصوصاً مع استمرار استهداف قادتها في الضربات الإسرائيلية.
ضغط إسرائيلي لمواصلة الحرب
في المقابل، يدفع مسؤولون إسرائيليون باتجاه تجاهل هذه الاتصالات، إذ تسعى تل أبيب إلى مواصلة حملة عسكرية قد تستمر أسابيع بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالقدرات العسكرية الإيرانية، وربما التسبب في انهيار النظام. وحتى الآن، لا يُنظر في واشنطن إلى العرض الإيراني بجدية كبيرة.
وكان ترامب قد ألمح خلال الأيام الماضية إلى استعداده لمناقشة اتفاق مع إيران، لكنه كتب صباح الثلاثاء على منصته للتواصل الاجتماعي، إن الوقت "فات لإجراء محادثات".
وقال لاحقاً للصحافيين، إن معظم الشخصيات الإيرانية التي كانت الولايات المتحدة تعتبرها قادرة على قيادة البلاد "قد قُتلت". وأضاف "معظم الأشخاص الذين كنا نفكر بهم قد ماتوا، وقريباً لن نعرف أحداً".
معضلة القيادة الإيرانية
وتعكس هذه التطورات معضلة مركزية تواجه إدارة ترامب: أي نوع من القيادة قد يظهر في إيران بعد الضربات العسكرية، وهل يمكن التعامل معه سياسياً.
وكان ترامب قد طرح في بداية الحملة العسكرية احتمال اندلاع انتفاضة شعبية تُسقط النظام، لكنه بدأ يتراجع عن هذا السيناريو، ويبدو أنه يفضّل بروز شخصيات أكثر براغماتية داخل البنية السياسية القائمة.
ووفق مسؤولين في الإدارة الأميركية، فإن أي اتفاق لوقف الهجمات سيشترط تخلي إيران عن برامجها النووية والصاروخية أو تقليصها على نحوٍ جذري، إضافة إلى إنهاء دعمها للجماعات الحليفة في المنطقة مثل "حزب الله".
في المقابل، لمح ترامب إلى أنه قد يسمح للقادة الإيرانيين الباقين بالحفاظ على نفوذ اقتصادي وسياسي داخل البلاد.
نموذج فنزويلا
وأشار ترامب الثلاثاء، إلى أن النموذج الذي يفكر فيه يشبه ما حدث في فنزويلا بعد اعتقال الولايات المتحدة للرئيس نيكولاس مادورو في يناير، عندما وافق خليفته على منح واشنطن السيطرة على صادرات النفط الفنزويلية مقابل تخفيف الضغوط.
وقال ترامب في مقابلة مع "نيويورك تايمز" الأحد: "أعتقد أن ما فعلناه في فنزويلا هو السيناريو الأمثل… يمكن اختيار القادة". لكن محللين يرون أن هذا السيناريو قد يكون غير واقعي في الحالة الإيرانية.
ويرى ستيفن كوك، خبير الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، أن تصريحات ترامب المتناقضة بشأن مستقبل القيادة الإيرانية قد تعكس توتراً مع إسرائيل حول أهداف الحرب.
وقال كوك إن إسرائيل لا ترغب في أن يسعى ترامب إلى "حل على الطريقة الفنزويلية" عبر التفاهم مع شخصية داخل النظام الإيراني، ربما من الحرس الثوري.
ويعتقد بعض المسؤولين الأميركيين أن صفوف الحرس الثوري قد تضم شخصيات براغماتية مهتمة بالحفاظ على سلطتها الاقتصادية والسياسية أكثر من التمسك بالأيديولوجيا الثورية للنظام.
اغتيالات تضرب قلب النظام
وفي تطور لافت، قصفت إسرائيل الثلاثاء، مجمعاً كان يجتمع فيه كبار رجال الدين الإيرانيين لاختيار خليفة للمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي قُتل في غارة جوية السبت.
وقبل بدء الهجمات، أعدّت وكالة الاستخبارات المركزية تقييماً استخباراتياً تناول سيناريوهات مختلفة لشكل القيادة الإيرانية المحتملة بعد الحرب. لكن مصادر مطلعة قالت إن أياً من هذه السيناريوهات لم يحظ بدرجة عالية من الثقة بسبب كثرة المتغيرات وعدم القدرة على التنبؤ بمسار الأحداث.
وركز بعض صانعي القرار الأميركيين على احتمال بروز مجموعة من قادة الحرس الثوري كأكثر الأطراف نفوذاً داخل النظام.
خطر الفوضى أو الحرب الأهلية
ويحذر محللون من أن استمرار الضربات قد يؤدي إلى فقدان الحكومة الإيرانية السيطرة على مناطق الأطراف التي تقطنها أقليات عرقية مثل الأكراد، أو حتى انهيار الدولة بالكامل. وقد يفتح ذلك الباب أمام فوضى تشبه الحروب الأهلية التي شهدتها سوريا أو ليبيا.
وفي المقابل، يرى خبراء أن الإيرانيين قد يسعون إلى إسقاط النظام بأنفسهم، خصوصاً أن شعبيته تراجعت على نحوٍ كبير في السنوات الأخيرة ولم يتمكن من البقاء إلا عبر القمع الأمني.
وكان ترامب قد دعا الإيرانيين في خطاب أعلن فيه بدء الهجوم إلى الانتفاض قائلاً إن "ساعة حريتكم قد حانت". لكن لهجته تغيرت لاحقاً، إذ قال لصحيفة "نيويورك تايمز": "ستتاح لهم تلك الفرصة، لكن بصراحة الأمر متروك لهم".
خيار بهلوي
وعند سؤاله عن احتمال عودة رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، إلى السلطة، بدا ترامب غير متحمس. وقال إن بهلوي "يبدو شخصاً لطيفاً للغاية"، لكنه يفضل "شخصاً يتمتع بشعبية حالية".
ويعيش بهلوي في المنفى منذ سبعينيات القرن الماضي، بالرغم من أن بعض المتظاهرين في إيران هتفوا باسمه خلال الاحتجاجات الأخيرة. وإذا استمر النظام الإيراني، فقد يكون التحدي أمام واشنطن هو العثور على شخصية داخل النظام يمكن التعامل معها سياسياً.
وسبق لرؤساء أميركيين أن تفاوضوا مع شخصيات اعتُبرت أكثر اعتدالاً داخل النظام الإيراني، أبرزها الاتفاق النووي الذي وقّعه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عام 2015 مع حكومة إصلاحية في طهران. لكن منتقدين، بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اعتبروا أن فكرة وجود "معتدلين" داخل النظام الإيراني مجرد وهم.
وقد عبّر وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس عن ذلك بسخرية في العام 2008 قائلاً: "لقد شاركت في البحث عن المعتدل الإيراني المراوغ لمدة ثلاثين عاماً".




