قالت صحيفة "هآرتس" العبرية، إن الظهور العلني الأول للرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، كشف قدراً كبيراً من الارتباك في إدارة المواجهة، معتبرة أن خطابه المتقلب خلال أيام معدودة يعكس غياب استراتيجية واضحة، سواء للدخول في الحرب أو للخروج منها.
وأفادت الصحيفة بأن ترامب، الذي نشر السبت خطاباً مصوراً دعا فيه الإيرانيين صراحة إلى "أخذ حكومتهم بأيديهم" ونيل الحرية، في ما فُهم على أنه دعوة مباشرة لإسقاط النظام، بدا مختلفاً تماماً بعد يومين فقط، حين تحدث أمام جنود وعائلاتهم في البيت الأبيض من دون أن يلمّح إلى تغيير النظام، مكتفياً بعرض أربعة أهداف عسكرية للحرب.
دقائق معدودة
ولفتت "هآرتس" إلى أن ترامب خصص في تلك المناسبة دقائق محدودة للحديث عن الحرب، قبل أن ينصرف للحديث بإسهاب عن تجديدات البيت الأبيض والستائر الذهبية التي اختارها بنفسه، في مشهد رأت فيه الصحيفة دليلاً على نظرته "الاستعراضية" للرئاسة، واهتمامه بالصورة أكثر من التخطيط بعيد المدى.
ورأت الصحيفة أن ترامب يتعامل مع الرئاسة كما لو كانت برنامجاً تلفزيونياً، يعيش من نشرة أخبار إلى أخرى، من دون اكتراث جدي بما سيحدث بعد أيام أو أسابيع، معتمداً على مبدأ "سأعبر الجسر عندما أصل إليه". وأضافت أن هذا الأسلوب قد ينجح في أزمات محدودة، لكنه يصبح أكثر خطورة في حرب مباشرة ومعقدة.
وفي سياق انتقادها، ذكّرت "هآرتس" بتحذير أطلقته منافسة ترامب في الانتخابات الأخيرة، واصفة إياه بأنه "رجل غير جاد، لكن تبعات أفعاله شديدة الجدية"، مشيرةً إلى أن الحرب الحالية تجسد هذا التوصيف.
ووفق "هآرتس" فإن خطاب ترامب المصوّر تضمّن لغة واضحة حول "التحرير"، إذ خاطب الإيرانيين قائلاً إن الفرصة سانحة الآن لنيل الحرية، في دعوة فُسرت على نطاق واسع بأنها تشجيع على انتفاضة داخلية. غير أن ترامب عاد لاحقاً ليحصر أهداف الحرب في تدمير برنامج الصواريخ الإيراني، والقضاء على القدرات البحرية، ومنع امتلاك سلاح نووي، ووقف تمويل الحلفاء الإقليميين.
وأفادت "هآرتس" بأن وزارة الحرب الأميركية حاولت ضبط الرسائل المتناقضة خلال مؤتمر صحافي، حيث نفى وزير الحرب أن تكون الحرب موجهة رسمياً لتغيير النظام، لكنه أقرّ بأن "النظام قد يتغير". وأضافت أن الوزير هاجم وسائل الإعلام أكثر مما قدم من توضيحات حول الحرب، ورفض الخوض في أسئلة تتعلق بإمكانية توسعها أو مدتها.
وأشارت الصحيفة إلى أن رئيس هيئة الأركان المشتركة بدا أكثر حذراً، مذكّراً بأن إسقاط نظام سياسي بالقوة ليس مسألة عسكرية بحتة، مستشهداً بتجارب العراق وأفغانستان وفيتنام، ومقراً بأن العمليات "بدأت للتو وستستمر".
وفي ما اعتبرته دليلاً إضافياً على غياب تصور متماسك، نقلت "هآرتس" عن تقارير إعلامية أن ترامب أمضى الساعات الأولى بعد إعلان الحرب في إجراء اتصالات هاتفية مع صحافيين مقربين، مستطلعاً معهم سيناريوهات محتملة لإنهائها. وذكرت أنه تحدث فجراً إلى مراسلة "واشنطن بوست"، معلناً أن هدفه هو "حرية الشعب الإيراني"، قبل أن يقول في مقابلة أخرى إنه قادر على إنهاء الحرب خلال يومين أو ثلاثة، أو إطالتها إذا اقتضى الأمر.
ووفق الصحيفة، فإن ترامب عاد لاحقاً ليقدّر مدة الحرب بأربعة أو خمسة أسابيع، كاشفاً أنه يفكر في أسماء لقيادة إيران بعد انتهاء المواجهة، وأن لديه "ثلاثة خيارات جيدة".
القضاء على البدلاء
وفي مفارقة لافتة، نقلت "هآرتس" عن أحد المراسلين أن ترامب أقرّ لاحقاً بأن الضربات الأميركية كانت "ناجحة إلى حد" أنها قضت أيضاً على الشخصيات التي كان يجري التفكير فيها كبدائل محتملة داخل النظام، قائلاً إن المرشحين الذين طُرحت أسماؤهم "قُتلوا جميعاً".
كما قارنت الصحيفة بين رهان ترامب الحالي على سيناريو تغيير داخلي، ومحاولته السابقة في فنزويلا دعم شخصية من داخل النظام للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، مشيرة إلى أن تلك التجربة لم تؤدِّ إلى النتيجة المرجوة، وهذا ما يطرح تساؤلات حول تكرار المقاربة نفسها في إيران.
وختمت "هآرتس" بالقول إن التناقض بين خطاب "إسقاط النظام" الإيراني وخطاب "الأهداف المحدودة"، وبين وعود بإنهاء سريع للحرب وتقديرات بامتدادها لأسابيع، يعكس حالة ضبابية في تحديد الغاية السياسية النهائية، في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف من انزلاق واشنطن إلى مواجهة مفتوحة من دون خطة خروج واضحة.




