حوّلت الضربة الأميركية-الإسرائيلية المنسّقة، التي انطلقت السبت الماضي، مسار المواجهة مع إيران من ضغطٍ غير مباشر وإشاراتٍ متقطعة إلى حربٍ صريحة مفتوحة، بعدما استهدفت موجتها الأولى العامود الفقري الاستراتيجي للقوة الإيرانية، وفتحت الباب أمام معادلة تصعيد جديدة. استهدفت العمليات منذ لحظاتها الأولى مراكز قيادة وسيطرة الحرس الثوري، وضربت منظومات الدفاع الجوي، وأصول إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، والمطارات العسكرية، وركّزت على مفاصل تمكّن الدولة من إدارة الحرب لا على أطرافها، فتعاملت مع إيران بوصفها بنية دولة كاملة يُراد إعادة تشكيلها بالقوة لا مجرد خصمٍ يُراد ردعه تكتيكياً. عكست طبيعة الأهداف رؤية استراتيجية تسعى إلى إعادة هندسة ميزان الردع عبر شلّ أدوات القرار والقدرة معاً، وربطت بين الضربات العسكرية ورسالة سياسية مباشرة مفادها أن سقف الاستهداف بات يشمل قمة الهرم.
قدّم البيان الصادر عن القيادة المركزية إطاراً واضحاً لهذا التوجّه حين حدّد الهدف بتفكيك جهاز الأمن الإيراني، وإعطاء الأولوية للمواقع التي تُعتبر تهديداً وشيكاً، وربطت التصريحات الصادرة من واشنطن وتل أبيب العملية بإزالة خطرٍ وجودي ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، فجمعت بين خطاب أمني استباقي وخطاب استراتيجي طويل المدى. كرّست هذه الصياغة تصوراً للحرب بوصفها أداة لإعادة رسم الخطوط الحمراء أكثر من كونها مجرد ردٍّ على حدثٍ آني، ورفعت مستوى الاشتباك من إدارة التهديد إلى إعادة تعريف طبيعة النظام المستهدف ومجال حركته.
رسّخ اغتيال المرشد علي خامنئي تحوّلاً نوعياً في طبيعة الحملة، فانتقلت العمليات من منطق إضعاف القدرات إلى منطق الإكراه على مستوى النظام ذاته، وأدرجت القيادة السياسية العليا ضمن بنك الأهداف بصورة مباشرة؛ وألغى هذا التطور مفهوم الحصانة الضمنية في قمة السلطة، ووسّع سلّم التصعيد ليشمل جوهر الدولة السياسي وليس فقط برامجها التسليحية، وفرض على طهران وحلفائها معادلة جديدة تُدار فيها الحرب تحت ضغط فقدان الرمز الأعلى للنظام، بما يحمله ذلك من دلالات على إعادة تعريف قواعد الاشتباك ومستقبل التوازن الإقليمي.
بين زئير الأسد والغضب الملحمي
يوسّع منطق الحرب الحالية نطاق الاشتباك من ضربة مركّزة إلى حملة ممتدة متعددة المستويات، ويحوّل العملية من استهداف نقاط محددة إلى إدارة صراع مفتوح يعيد تشكيل الجغرافيا الأمنية في الإقليم بأكمله؛ ليربط هذا المنطق بين الضربات الجوية العميقة داخل إيران وبين تحريك مسارح موازية في الخليج وبلاد الشام والبحر الأحمر، ويُدخل قواعد الاشتباك في مرحلة تتداخل فيها الجبهات وتتزامن فيها الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية في وقت واحد. كما ينقل مركز الثقل من موقعٍ بعينه إلى شبكة مترابطة وموسّعة من البنى العسكرية واللوجستية، ويجعل من كل عقدة في هذه الشبكة هدفاً مشروعاً ضمن معادلة الاستنزاف الشامل والتقويض.
يعتمد هذا المنطق على تفكيك منظومة القوة الإيرانية عبر ضرب حلقاتها المركزية ثم توسيع الطوق حولها، فيستهدف منظومات الدفاع والرادار، ويضغط على شبكات القيادة، ويلاحق منصات إطلاق الصواريخ في أي جزء من الجمهورية -بغض النظر عن الضحايا الذين وصل عددهم إلى حوالي 600، بحسب هذا المنطق-، ثم يمدّ تأثير الضربة إلى المجال البحري والموانئ وممرات الطاقة، فيخلق بيئة قتال تتجاوز حدود الدولة المستهدفة. يوسّع منطق الحرب هذه المرة -على خلاف حرب الإثني عشر يوماً في تموز/يوليو 2025- ساحة الحرب لتشمل قواعد أميركية في الخليج ومراكز دعم لوجستي ومجالاً جوياً إقليمياً، ويحوّل أي رد إيراني إلى عامل تسريع في تعميم الصراع بدل احتوائه، يدمج البعد العسكري بالبعد الاقتصادي، ويجعل من أسعار الطاقة وحركة الملاحة عناصر فاعلة في معادلة الردع لا مجرد تداعيات جانبية.
يدفع هذا الاتساع الأطراف إلى تبنّي مقاربة إدارة حرب طويلة النفس، فيُعيد تعريف مفهوم "الضربة الاستباقية" التي أعلنها نتنياهو بوصفها بداية مسار تصعيدي متدرّج لا نهاية له عند حدود الضربة الأولى. يخلق المنطق العسكري ذاته تراكماً في الضغط عبر تكرار الموجات وتوسيع بنك الأهداف، ويحوّل الحرب إلى عملية إنهاك ممنهج تهدف إلى استنزاف القدرة المؤسسية على الحكم والقيادة والسيطرة؛ إذ يفرض على البيئة الإقليمية الاصطفاف والهجوم أو التحصّن والدفاع ، ويجعل من كل دولةٍ مضيفة لقواعد عسكرية جزءاً من مسرح العمليات، الأمر الذي يضاعف عدد اللاعبين ويعقّد حسابات الخروج.
يعكس اتساع الحرب انتقالاً من معادلة "الرد على تهديد" إلى معادلة "إعادة هندسة ميزان القوى"، ويحوّل الصراع من مواجهة حول برنامج أو ملف محدد إلى صراع حول شكل النظام الإقليمي ذاته؛ ويفتح المجال أمام تداخل الأدوار بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، ويحوّل الجبهات الثانوية إلى مسارح ضغط استراتيجية، ويجعل إدارة التصعيد أكثر حساسية من لحظة إطلاقه. يضع جميع الأطراف أمام اختبار القدرة على ضبط مسارات المعركة ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في وقت تتسع فيه رقعة النار وتتداخل فيه حدود الجغرافيا والسيادة والاقتصاد ضمن مشهد حرب واسعة النطاق.
قضت الضربات المكثفة على عدد كبير من كبار القادة العسكريين والأمنيين في النظام الإيراني، وأحدثت هزّة بنيوية عميقة في سلّم القيادة وقدرة الدولة على إدارة الحرب من مركزها؛ حيث استهلكت الدقائق الأولى من العمليات ما بين أربعين وثمانيةٍ وأربعين مسؤولاً من الصف الأول في القيادة العسكرية ومراكز صنع القرار الأمني، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي بوصفه الركيزة السياسية والعسكرية العليا للنظام، إلى جانب رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصرزاده، ورئيس مجلس الأمن القومي علي شمخاني، في استهدافٍ مباشر يعكس تركيز الحملة على قمة الهرم القيادي لا على مستوياته الثانوية.
امتد الاستهداف ليطال الجهاز الاستخباراتي الإيراني، وأسفر عن مقتل عدد من كبار ضباط وزارة الاستخبارات والأمن، من بينهم المسؤول عن مكافحة الاستخبارات جلال بور حسين، والمسؤول عن مكافحة الإرهاب على خيرانديش، ورئيس أركان الاستخبارات الأمنية سعيد يحيى حميدي، ما أحدث خللاً واسعاً في البنية الداخلية لأجهزة الأمن والشرطة، وأربك آليات التنسيق بين المؤسسات المعنية بإدارة الأمن الداخلي والخارجي.
طاول القصف أيضاً شخصيات محورية في المؤسسات البحثية والهندسية العسكرية، شملت رئيس منظمة الابتكار الدفاعي والبحوث حسين جبل عامليان، والمدير السابق للمنظمة نفسها رضا مظفّري نيا، والمسؤول عن مكتب القيادة العسكرية العليا داخل المؤسسة الأمنية محمد شيرازي، إضافة إلى قائد جهاز استخبارات الشرطة الإيرانية غلام رضا رضائيان، في إشارة واضحة إلى أن الضربة استهدفت العقول المخطِّطة ومراكز التطوير بقدر ما استهدفت القيادات الميدانية.
تكشف كثافة هذه الاغتيالات وتركيزها على مستويات القيادة العليا ومراكز التخطيط والاتخاذ عن طبيعة العملية بوصفها محاولة منظمة لتحطيم شبكة القيادة والسيطرة والأجهزة الاستراتيجية للنظام الإيراني؛ وتضغط هذه الخسارة البشرية النوعية على قدرة الدولة في توجيه الحرب وإدارة الردّ المتماسك، وتعمّق حالة الشلل الاستراتيجي التي تسعى الحملة إلى ترسيخها منذ لحظاتها الأولى عبر إفراغ البنية القيادية من أكثر عناصرها نفوذاً وخبرة.
الوعد الصادق 4.. والكلفة إقليمية
يُظهر ردّ إيران جانبًا من عقيدتها القتالية الملاحظة دائماً في الهجمات ، والقائم على توزيع القوة على عدة جبهات ومستويات، ويحوّل الحرب من مواجهة في مكان واحد إلى صراع واسع يمتد عبر أكثر من ساحة في الوقت نفسه؛ إذ يعتمد هذا المنطق على توزيع المخاطر على عدة محاور في توقيت متزامن، ويحوّل الجغرافيا الإقليمية إلى فضاء عمليات مترابط، ويجعل إدارة الحرب أكثر تعقيداً من حسمها عسكرياً في سماء أو ساحة محددة.
يُستبدل منطق التفوق الجوي التقليدي، القائم على السيطرة على المجال الجوي عبر الطائرات المقاتلة الحديثة، بمنطق إنهاك البنية العسكرية والسياسية للخصم ككل، من خلال استنزاف شبكات الدفاع والإنذار المبكر والقواعد وسلاسل الإمداد. يُعاد تعريف النجاح العسكري بوصفه توسيع نطاق الاشتباك ورفع الكلفة بقدر تحقيق إصابات مباشرة.
يدخل التصعيد مرحلة تطرح سؤال قدرة إيران على خوض حرب جوية تقليدية واسعة، في وقت يعتمد ردّها أساساً على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات الدفاع الجوي. تمتلك إيران مقاتلات قديمة مثل F-4 فانتوم وF-5 وF-14، إضافة إلى ميغ-29 وسوخوي-24 وبعض الطائرات المطوّرة محلياً، غير أن تقادم الأسطول ومحدودية التحديث يقلّصان قدرتها على فرض سيطرة جوية أو تنفيذ عمليات بعيدة مقارنة بالقوات الأميركية والإسرائيلية.
يمدّ الجانب الإيراني نطاق الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى ما وراء مجرد استهداف إسرائيل باتجاه دول الخليج العربي والمناطق المرتبطة مباشرة بالانتشار العسكري الأميركي، فيحوّل الضربة على أراضيه إلى أزمة تتجاوز حدوده الوطنية وتمسّ البنية الأمنية التي تستند إليها العمليات الأميركية وتستفيد منها إسرائيل في عمقها الاستراتيجي. تضع إيران القواعد الجوية والموانئ وممرات الإمداد ومنظومات الرادار ضمن دائرة الضغط، ويُدخل كذلك الحسابات السياسية للدول المضيفة في معادلة الردع، فيصبح كل موقع عسكري أو لوجستي عقدة حساسة داخل شبكة انتشار مترابطة. يوسّع بذلك مفهوم ساحة المعركة من جبهة محددة إلى منظومة إقليمية تشمل القرار السياسي، وحركة القوات، وأمن الطاقة والملاحة.
يفرض هذا النمط على الأطراف المقابلة حالة استنفار متكرر ويزيد العبء على طبقات الدفاع والحماية، ويرفع الكلفة التشغيلية للحفاظ على مستوى جاهزية مرتفع في أكثر من مسرح في وقت واحد. يحوّل حتى عمليات الاعتراض الناجحة إلى جزء من عملية استنزاف مستمرة، لأن الحفاظ على التفوق الدفاعي يتطلب موارد وتنسيقاً دائماً. يكرّس هذا الأسلوب معادلة تقوم على إدارة المخاطر وتوزيعها بدلاً من حسمها، ويستخدم تكثير الجبهات كأداة لإعادة تشكيل ميزان الردع عبر تعقيد البيئة العملياتية ورفع ثمن الاستمرار في الحملة العسكرية.
الخليج العربي وعبء القواعد
تعكس الضربات الإيرانية على قطر والبحرين والكويت والإمارات توجهاً واضحاً لتدويل الأزمة وتحويل القواعد العسكرية إلى أداة ضغط مباشر، لأن الوجود الأميركي في الخطوط الأمامية يشكّل الركيزة العملياتية لحملة عسكرية طويلة، كما يمثّل في الوقت نفسه الحلقة الأكثر حساسية سياسياً لدى الدول المضيفة. ينقل تصدير الصراع إلى منطقة الخليج، سواء عبر سقوط صواريخ فعلي أو أضرار ناتجة عن الحطام أو تصاعد المخاوف من الاضطراب، الحكومات الإقليمية إلى مساحة تجمع بين تعزيز التنسيق الدفاعي مع واشنطن والحفاظ على الاستقرار الداخلي والاقتصادي، ويختبر هذا الواقع قدرة التحالف الإقليمي على الصمود، ويمنح طهران أداة ضغط تقوم على التعطيل المتكرر واستنزاف البيئة الحاضنة للانتشار العسكري.
وسّعت إيران هذه المرة بنك أهدافها في الخليج رداً على الضربات الأميركية-الإسرائيلية، فأطلقت هجوماً واسعاً بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدف أصولاً عسكرية أميركية ومنشآت استراتيجية في عدة دول عربية؛ إذ وجّه الحرس الثوري ضرباته نحو قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، ومقر قيادة الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، ومقرات في أربيل في العراق، وهي مواقع تمثل أعمدة الانتشار العسكري واللوجستي الغربي في غرب آسيا.
مرّت الصواريخ والطائرات المسيّرة فوق مدن رئيسية مثل الدوحة والمنامة وأبو ظبي ودبي ومدينة الكويت، أو جرى اعتراضها قربها، وأدّت في بعض الحالات إلى أضرار في مطارات وموانئ وبنية تحتية مدنية وتجارية، من بينها صالات مطاري دبي والكويت الدوليين ومناطق سكنية. أكدت دول الخليج عمليات اعتراض واسعة، وسجّلت بعض الإصابات والأضرار الناتجة عن الحطام، ما يعكس اتساع رقعة الحرب وتحول الخليج إلى ساحة اشتباك مباشرة ضمن الصراع الإقليمي المتصاعد.
دعم حزب الله ضمن هامش ضيّق
على الرغم من التصريحات السابقة التي حدّد فيها حزب الله سقف تدخّله وربطه بطبيعة الضربات الأميركية على إيران، وأكّد فيها أن تحرّكه العسكري يرتبط بحجم الاستهداف وأهدافه السياسية، فإن تطوّر الأحداث وتجاوزها مرحلة الضربات المحدودة أعاد صياغة معادلة الحسابات. كان الحزب قد أوضح عبر مسؤولين فيه أن التدخل يبقى مستبعداً في حال اقتصرت العمليات على نطاق محدود، لكنه اعتبر أن استهداف خامنئي أو السعي إلى إسقاط النظام الإيراني يشكّل خطاً أحمر يستدعي تحركاً مباشراً. ربط هذا الموقف بين بقاء القيادة الإيرانية واستمرار تماسك محور التحالف الإقليمي، ورأى في أي حرب تهدف إلى إسقاط النظام في طهران خطوة تؤدي تلقائياً إلى فتح جبهة لبنان وتحويلها إلى ساحة مواجهة واسعة.
أضفى هذا التصور على تدخل الحزب طابعاً يتجاوز الدعم التكتيكي ليقترب من منطق الصراع الوجودي المرتبط بمستقبل التوازن الإقليمي. جاء دخوله إلى المواجهة في هذا السياق، كخطوة تهدف إلى ربط الجبهة اللبنانية بالتصعيد الدائر مع إيران وإظهار التضامن بعد اغتيال المرشد. غير أنّ هذا التحرك يتم ضمن هامش قدرة عسكرية وسياسية محسوب، في ظل بيئة لبنانية ضاغطة. أطلق الحزب صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه شمال إسرائيل، وأعلن استهداف موقع مرتبط بالدفاع الصاروخي قرب حيفا، في رسالة ترمي إلى تثبيت موقعه داخل معادلة الردع الإقليمي وإبراز حضوره ضمن شبكة المواجهة الأوسع، من دون الانزلاق الفوري إلى مواجهة شاملة.
وبالنتيجة، تردّ إسرائيل بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت ومواقع في جنوب لبنان، وتصدر إنذارات لإخلاء قرى حدودية، في تصعيد يعكس استعدادها لرفع الكلفة سريعاً ومنع ترسيخ جبهة شمالية مفتوحة. يضع هذا الرد الحزب أمام معادلة دقيقة بين إظهار القدرة على الفعل وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة، خصوصاً في ظل بيئة داخلية لبنانية أكثر حساسية من السابق.
تتقلّص القاعدة الجماهيرية للحزب مقارنة بمراحل سابقة، وتتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل لبنان، وتتعامل الحكومة اللبنانية مع نشاطاته المسلحة بوصفها أنشطة خارجة عن القانون، ما يقيّد هامش حركته السياسية ويضعه تحت مجهر داخلي رسمي؛ إذ تحدّ هذه المعطيات من قدرته على خوض حرب طويلة أو فتح جبهة مستدامة، وتدفعه نحو تصعيد محسوب يهدف إلى تسجيل موقف سياسي وردعي دون تحمّل أعباء مواجهة شاملة قد تتجاوز قدرته التنظيمية والبيئية على الاحتمال.
الشرعية والوضع الجديد للحرب الوقائية
مع تبرير العملية علناً بمنع إيران من امتلاك برنامج نووي، ووصفها بعبارات مُسهبة حول تفكيك البنية الأمنية، يكتسب النزاع القانوني الدولي أهمية هيكلية لأنه يُحدد كيفية تفسير الأطراف الثالثة لما إذا كان هذا دفاعاً عن النفس في ظل تهديد وشيك، أم حرباً وقائية في ظل تفسير أوسع للتهديد. والنتيجة العملية ليست مجردة، لا سيما وان النزاعات القانونية تُؤثر على استدامة التحالف، وسياسات التمركز، وراحة تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمساحة الدبلوماسية للانسحاب بمجرد ارتفاع الخسائر وتكاليف البنية التحتية. مع تصلب الروايات (حيث تصف طهران الحرب بأنها غير شرعية، بينما تقدمها واشنطن على أنها ضرورية)، يُنذر الصراع بأن يصبح سابقةً تُرسّخ استخدام القوة الاستباقية و تقويض السيادة بشكل عادي، مما يُقلل من عتبة شنّ ضربات مماثلة في أماكن أخرى.
مضيق هرمز وحرب الطاقة
يدفع اتساع الحرب مضيق هرمز إلى صدارة المشهد بوصفه عقدة الطاقة الأهم في العالم، ويحوّل الجغرافيا البحرية إلى متغيّر استراتيجي يتجاوز حدود الإقليم. يعبر عبر المضيق يومياً ما بين 20 و21 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات، أي ما يقارب 20% إلى 30% من الاستهلاك العالمي، ونحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً. يمر عبره سنوياً ما بين 75 و85 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، بما يمثل قرابة 20% إلى 25% من تجارة الغاز المسال العالمية، خصوصاً صادرات قطر المتجهة إلى آسيا وأوروبا. يربط هذا الممر صادرات السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر وإيران بالأسواق العالمية، ويجعل أي اضطراب فيه حدثاً اقتصادياً فورياً على مستوى الكوكب.
ترفع التوترات العسكرية مستوى المخاطر في المضيق، وتدفع أسعار النفط إلى ارتفاعات حادة، وتزيد كلفة التأمين والشحن البحري، وتعيد رسم مسارات الملاحة الدولية. يحوّل التهديد بالتعطيل أو استهداف الناقلات إلى عامل ضغط عالمي يدفع الأسواق إلى الاستجابة قبل وقوع الإغلاق الفعلي. يربط استقرار المضيق باستقرار سلاسل الإمداد والطاقة والصناعة في آسيا وأوروبا، ويجعل أي تصعيد بحري مؤثراً مباشرة في معدلات التضخم والنمو العالمي.
يوظّف المضيق كقيد وسلاح في آنٍ واحد، ويمنح إيران أداة تأثير قادرة على تحريك الأسواق ورفع الكلفة على خصومها، ويضعها في الوقت نفسه ضمن معادلة ترتبط بصادراتها النفطية وعلاقاتها مع كبار المستوردين مثل الصين والهند. يخلق هذا الواقع معادلة تصعيد مُعايرة، حيث تكفي مصداقية التهديد لتحريك الأسعار، وإعادة حسابات الدول المستهلكة، ودفع القوى الدولية إلى تعزيز حضورها البحري لحماية الملاحة وضمان تدفق الطاقة. يرسّخ هذا المشهد مفهوم حرب الطاقة بوصفها جبهة موازية للحرب العسكرية، تتحرك فيها السفن والأسواق بقدر ما تتحرك فيها الصواريخ والطائرات.
يدفع اتساع العمليات منذ 28 شباط/فبراير 2026، الحرب إلى مرحلة عالية الكثافة تتداخل فيها الجبهات الجوية والبحرية والصاروخية، ويتحوّل فيها تعدد الساحات إلى أداة ضغط مقصودة لا مجرد نتيجة جانبية. يسعى كل طرف إلى تثبيت قدرته على الاستمرار وفرض الإرادة، ويستخدم القوة ضمن حدود محسوبة تحافظ على مساحة للمناورة وتؤجل الانفجار الشامل، فتتشكل معادلة تصعيد مُدار تقوم على تراكم الضربات ورفع الكلفة تدريجياً بدل الحسم السريع.
يوسّع استهداف قطاع الطاقة في دول الخليج عمق التأثير الاستراتيجي للحرب، ويربط المعركة العسكرية بأمن الإمدادات العالمية، ويمتد التوتر إلى الخليج وشرق المتوسط وقبرص، فيكرّس تدويل الصراع ويُدخل قوى إقليمية ودولية مباشرة في معادلة الردع. يعمّق هذا الاتساع التداخل بين الحسابات العسكرية والاقتصادية، ويزيد حساسية أي ضربة إضافية.
يكثّف التصعيد داخل إيران عبر توسيع بنك الأهداف ليشمل قيادات عسكرية وأمنية وبنى مرتبطة بالطاقة والدفاع، فيضغط على مركز القرار ويُسرّع وتيرة الاستجابة. يرفع تنشيط الجبهات المتزامنة، من لبنان إلى الخليج مروراً بهرمز، احتمال تحوّل إحدى الساحات إلى نقطة انعطاف تدفع بقية الجبهات إلى تصعيد أوسع. يصوغ أخطر مسار عبر تراكم تدريجي للضربات والاضطرابات البحرية واستهداف منشآت الطاقة، إلى أن تُحدث حادثة كبيرة بخسائر واسعة تحول التصعيد المُدار إلى حصار إقليمي متعدد الاتجاهات يعيد رسم توازنات المنطقة بأكملها.




