يتجاوز قرار الحكومة السورية تعيين العميد زياد العايش مبعوثاً رئاسياً إلى الحسكة، البعد الوظيفي، ويغوص في طبقات المجتمع المحلي، حيث تتقاطع العشيرة مع الأمن، والقرابة مع السلطة، والذاكرة مع الوقائع المتحركة.
الحسكة كعقدة توازنات بين العرب والكرد، وبين السلطة المركزية وبنية الإدارة الذاتية، وبين إرث الصراع ومحاولات تثبيت الاستقرار، تجعل اختيار شخصية عربية من بيئة القامشلي العشائرية، مؤشر على نمط إدارة مختلف للمرحلة.
خلفية الرجل… بين العشيرة والأمن
ينحدر زياد العايش من عشيرة الجوالة، إحدى أفخاذ قبيلة طي العربية العريقة، وهو من أبناء القامشلي. ارتبط اسمه سابقاً بمسارات أمنية متشابكة، إذ كان من أوائل المنتسبين إلى جبهة النصرة قبل تحولات المشهد السوري اللاحقة، ثم انتقل إلى موقع معاون وزير الداخلية في دمشق، وصولاً إلى تكليفه مبعوثاً رئاسياً إلى الحسكة.
هذا المسار يعكس تحوّلات أوسع في بنية الدولة السورية بعد سنوات الحرب، حيث أُعيد تدوير كثير من الأدوار ضمن مقاربة براغماتية تُقدّم الوظيفة الأمنية والاستقرار على الاعتبارات الأيديولوجية السابقة. فالرجل الذي كان في خندقٍ ما، بات اليوم ممثلاً مباشراً للسلطة المركزية، في محافظة تُعدّ من أكثر المناطق حساسية.
لكن القراءة لا تكتمل عند حدود السيرة الذاتية. فالمبعوث الجديد ليس غريباً عن البيئة المحلية؛ جذوره الاجتماعية تمنحه مفاتيح دخول إلى بيوت العشائر، ومخزونه العلائقي يوفر له شبكة أمان غير مكتوبة، وهي عناصر تُعدّ حاسمة في مناطق تقوم توازناتها على الوساطة أكثر من الأوامر.
المحافظ والعلاقة الأقدم من الحرب
في الضفة الأخرى من المشهد، يقف محافظ الحسكة الحالي المهندس نور الدين عيسى خانيكا، المعروف بلقب "أبو عمر خانيكا". الرجل الكردي القادم من القامشلي أيضاً، شغل سابقاً رئاسة الاستخبارات العسكرية في صفوف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قبل انتقاله إلى موقع المحافظ.
اللافت أن العلاقة بين بيت العايش وبيت خانيكا ليست وليدة الضرورة السياسية الراهنة، بل تعود إلى ما قبل الثورة، حين عمل الطرفان معاً في تجارة الدخان والسلاح بين العراق وسوريا. وعلى الرغم من ما حملته السنوات اللاحقة من صراعات وانقسامات، بقيت العلاقة الودية قائمة، بما يعكس طبيعة المجتمع المحلي الذي يحتفظ بخيوط تواصل حتى في أقسى الظروف.
هذه العلاقة اكتسبت دلالات إضافية خلال سنوات سيطرة "قسد" على مناطق واسعة في الحسكة. فرغم الخلفيات المتناقضة – أحدهما في مسار جهادي سابق، والآخر في جهاز استخبارات عسكري ضمن إدارة كردية – لم تتعرض عائلة العايش لأي أذى. بل إن عبد العزيز العايش، عمّ زياد، احتفظ بمكانة معتبرة لدى أبو عمر خانيكا، في إشارة إلى أن خطوط الاحترام الشخصي كانت تتقدم أحياناً على الاصطفافات العسكرية.
السياسة على إيقاع المجتمع
ما تكشفه هذه المعادلة ليس مجرد قصة علاقات شخصية، بل نمط إدارة يتكئ على البنية الاجتماعية لتخفيف حدّة التناقضات السياسية. في الحسكة، حيث تتجاور القرى العربية والكردية، وحيث تتداخل السلطات بين المركز والإدارة الذاتية، يصبح "الوسيط الاجتماعي" أحياناً أهم من القرار الإداري.
تعيين العايش يندرج ضمن محاولة دمشق إعادة وصل الخيوط المباشرة مع محافظة ظلّت خارج السيطرة الكاملة لسنوات. ولا يمكن تجاهل الخلفيات الأمنية للرجلين. فالمحافظة التي شهدت صراعات بين فصائل متباينة، من "النصرة" إلى "قسد"، لا تزال تعيش على إرث تلك المرحلة. غير أن التحولات اللاحقة أعادت ترتيب الأدوار؛ فالأمس القتالي أصبح اليوم جزءاً من ذاكرة يُعاد توظيفها بدل محوها.
في هذا السياق، تبدو الحسكة كأنها مختبر للتسويات غير المعلنة. فبدلاً من إقصاء شخصيات ذات ماضٍ مثير للجدل، يجري دمجها ضمن إطار رسمي، بشرط أن تلتزم بقواعد اللعبة الجديدة. وهذا ما يفسر انتقال العايش من مسار جهادي سابق إلى موقع رسمي في وزارة الداخلية، ثم إلى مهمة سياسية – أمنية في محافظة حساسة.
الأمر ذاته ينطبق على خانيكا، الذي انتقل من رئاسة جهاز استخبارات عسكري ضمن إدارة ذاتية إلى موقع محافظ ضمن هيكل الدولة السورية. هذه التحولات لا تعني طيّ الصفحة بالكامل، لكنها تشير إلى أن البراغماتية تغلبت على الاصطفاف الصلب.
العائلات كضمانة غير مكتوبة
في المجتمعات المحلية، تلعب العائلة الممتدة دوراً يتجاوز السياسة. العلاقة بين آل العايش وآل خانيكا تمثل نموذجاً لكيف يمكن للروابط الاجتماعية أن تُشكّل صمام أمان في لحظات التوتر. فالثقة المتبادلة، والاحترام المتراكم، يمنحان الأطراف قدرة على احتواء الأزمات قبل انفجارها.
هذا لا يعني أن التحديات الأمنية انتهت، ولا أن التناقضات السياسية ذابت. لكنه يعني أن ثمة قنوات خلفية قادرة على التهدئة. وفي بيئة تتعدد فيها مراكز القوة، تصبح هذه القنوات ذات قيمة استراتيجية.
من زاوية أوسع، يعكس تعيين العايش رغبة دمشق في تعزيز حضورها المباشر في الحسكة، لكن عبر مقاربة أقل صدامية. فبدلاً من فرض حضور أمني صرف، يجري اختيار شخصية لها امتداد اجتماعي محلي، ما يخفف من حساسية الخطوة.
الرسالة هنا مزدوجة: إلى الداخل المحلي بأن الدولة لا تأتي بوجه غريب، وإلى الخارج بأن ثمة قدرة على إدارة التوازنات دون انفجار. إنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، ليس عبر الإلغاء، بل عبر الاحتواء.
ما الذي يعنيه ذلك للحسكة؟
المرحلة المقبلة ستختبر مدى قدرة هذه الشبكات على الصمود أمام الضغوط. فالمحافظة ما زالت ساحة تداخل إقليمي ودولي، وأي خلل في التوازن قد يعيد فتح ملفات قديمة. غير أن وجود قناة شخصية بين المبعوث الرئاسي والمحافظ يوفر هامش مناورة أوسع.
لا يمكن قراءة التعيين بمعزل عن السياق الاجتماعي. الحسكة تُدار اليوم بمزيج من القرار الرسمي والوساطة العائلية، ومن الذاكرة الأمنية والبراغماتية السياسية. وبين هذه العناصر، يتشكل نموذج إدارة قد لا يكون مثالياً، لكنه يعكس واقعية المرحلة.
السياسة هنا لا تسير فقط عبر المراسيم، بل عبر المصافحات القديمة أيضاً. وفي محافظة اعتادت العيش على خط تماسّ، قد تكون هذه المصافحات هي الفارق بين الاستقرار الهشّ والانفجار المؤجل.




