الإيكونوميست: ضعف إيران شجع ترامب على الحرب بلا استراتجية

المدن - عرب وعالمالثلاثاء 2026/03/03
Image-1770748475
على أميركا أن تغزو إيران وتجعل نفسها "غنية بالنفط" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

نشرت مجلت "الإيكونوميست" تقريراً حول سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران،، وقالت في التقرير امتعاضاً من تناقض أقوال ترامب مع أفعاله بالقول: تفضّل، أيها الناقد الصابر على دونالد ترامب، وسمِّ النفاق الذي يثير حنقك أكثر من سواه. نعم، لقد حذّر السيد ترامب يوماً من أن باراك أوباما سيهاجم إيران بسبب "عجزه عن التفاوض" على نحو سليم. ونعم، حتى أيار/مايو الماضي، كان يهاجم "التدخليين" لأنهم يتدخلون في مجتمعات معقدة لا يفهمونها أصلاً. وبالطبع، لا ننسى كل ذلك الهراء الأخير عن كونه "رئيس السلام".

وبينما تفرغ ما في صدرك، تابعت "الإيكونوميست"، قد تسهب أيضاً في وصف الكيفية التي عقد بها الرجل نفسه في تناقضات وهو ينسج المبررات تلو المبررات لشن حرب، إلى جانب إسرائيل، على إيران. كيف يخشى برنامجاً نووياً قال إنه "أفناه" قبل أشهر قليلة؟ وكيف يحذّر من أن إيران قد تمطر الولايات المتحدة قريباً بصواريخ باليستية عابرة للقارات، فيما تؤكد وكالة استخبارات الدفاع أن مثل هذه الأسلحة تبعد عشر سنوات، هذا إن قررت إيران أصلاً تطويرها؟ وهل هذا هو دونالد ترامب نفسه الذي كان يسخر من أوهام "المحافظين الجدد" في تغيير الأنظمة وبناء الديمقراطيات، ثم يقول اليوم لصحيفة واشنطن بوست: "كل ما أريده هو الحرية للشعب؟".

 

لا مبدأ لترامب

وبحسب التقرير، فإن هذا هو السيد ترامب نفسه، فتهيّأ. وبينما يمكنك انتظار تقلبات من أنصار "أميركا أولاً" الأقل وزناً، مثل جي. دي. فانس المسكين، فلا تتوقع من ترامب أن يكلّف نفسه عناء التوفيق بين ممارساته الراهنة ومواقفه السابقة. لقد كان دوماً أكثر الرجال انتهازية. لم يصبح مليارديراً في عالم العملات المشفرة ملتزماً ازدراءه العلني لها بوصفها عمليات احتيال "مبنية على الهواء"، كما لم يحقق عودته السياسية المذهلة—بعد محاولته عرقلة انتقال السلطة في 2021—باتباع أي كتاب قواعد أو التزام أي مبدأ؛ لا مبدأ لديه، سوى الفوز كما يعرّفه هو.

وتضيف الصحيفة: تأمل، أيها الناقد، احتمال أن تنجح هذه الحرب على إيران. لعل السيد ترامب ينهي تهديدها النووي إلى الأبد، ويقضي على ألد أعداء أميركا، بل وربما يحرر الإيرانيين أخيراً. ماذا ستقول عندئذ؟ على الأرجح ستقول إنك لا تعترض على ما فعله، بل على الطريقة التي فعله بها. وذلك عادة هو الملاذ الأخير لأولئك المهووسين بالإجراءات والمترددين—المعروفين أيضاً بالديمقراطيين. لا تخشَ: فالأرجح أن الحرب ستخلّف فوضى. لكن ذلك لا يزيد إلا إلحاح السؤال: لماذا يخاطر السيد ترامب بإعادة القوات الأميركية إلى القتال في الشرق الأوسط؟

 

الخصم ضعيف

أولاً، بحسب الصحيفة، يتصرف السيد ترامب—كما في فنزويلا—لا لأن الخصم قوي، مسلح بالصواريخ الباليستية ومشحون باليورانيوم المخصب، بل لأنه ضعيف. (كوبا: خذي علماً). فمنذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أضعفت الحملة الإسرائيلية الضارية ضد وكلاء إيران قدرتهم على نشر الفوضى في المنطقة. كما أن الضربات الإسرائيلية والأميركية العام الماضي قلّصت دفاعات إيران نفسها. في هذا السياق، رأى ترامب فرصة لتوجيه ضربة قاضية سريعة.

وهو يتحرك أيضاً لأنه تعلّم من ولايته الأولى. يومها تردّد. أصرّ على أنه قادر على إبرام صفقة "في يوم واحد"، فأرسل مبعوثاً تلو آخر للتفاوض، بلا جدوى. وأمر بضربة انتقامية ثم ألغاها في اللحظة الأخيرة خشية سقوط ضحايا إيرانيين. كان مستشاروه منقسمين. أما سنوات الانقطاع الأربع فقد منحته وقتاً للتأمل والتخطيط وتكديس الأتباع. هذه المرة، للأفضل أو—على الأرجح—للأسوأ، هو واثق من حكمه، ولا يجادله مساعدوه. وبدلاً من الاستمرار في التفاوض، يبدو أنه خلص إلى أنه لن ينال اتفاقاً أفضل من ذاك الذي أبرمه أوباما—والذي تخلى عنه ترامب بتهور في ولايته الأولى.

ويتصرّف ترامب أيضاً بدافع أمور لم تتغير فيه. فقد تشكّلت رؤيته للعالم في سبعينيات القرن الماضي، زمن صدمات النفط والتضخم والإذلال حين اقتحم ثوار إيرانيون السفارة في طهران واحتجزوا 52 أميركياً رهائن. استحضر ترامب تلك الحادثة لدى إعلانه حربه الجوية في 28 شباط/فبراير. وفي مقابلة عام 1980، وصف احتجاز الرهائن بأنه "رعب"، وقال إن على أميركا أن تغزو إيران وتجعل نفسها "غنية بالنفط". وبعد سنوات قال إن على أميركا أن تحتفظ بنفط العراق وسوريا بعد إرسال قوات إليها؛ وهو اليوم قد ضمن نصيباً من نفط فنزويلا. وعلى النقيض، يلفت صمته حيال نفط إيران—رغم تعدد مبرراته الأخرى لهذه الحرب—الانتباه. يكاد المرء يظن أن أحداً أقنعه بالصمت في هذا الشأن. وسيكون ذلك خروجاً عن نمط قديم إن لم يكن يأمل في نهاية المطاف بانخفاض أسعار النفط، بل وبزيادة النفوذ الأميركي على الإمدادات العالمية.

 

البرتقالي والرمادي

وتختم "الإيكونوميست" بالقول إن السيد ترامب رجل مسنّ على عجل. لقد أعرب علناً عن قلقه ليس فقط من أن تقيد موجة ديمقراطية في الانتخابات النصفية المقبلة إدارته، بل أيضاً من مسألة بلوغه الجنة. إنه يعيد تشكيل البيت الأبيض، ويخطط لقوس عملاق في واشنطن، ويطلق اسمه على مؤسسات. وكما فرض رسوماً جمركية اعتباطية على الخصوم والحلفاء معاً، مستخلصاً مكاسب قصيرة الأجل غير آبه بالأضرار طويلة الأمد لتحالفات أميركا ومكانتها العالمية، فإنه يستخف بالقانون الدولي والأعراف ليترك بصمته، مؤكداً قوة أميركا بما يراه من مصالحها. إنه يحيي فكرة أميركا بوصفها شرطي العالم، فيما ينصّب نفسه أيضاً قاضياً وجلاداً وحيداً.

وترى الصحيفة أنه يمكن للمرء أن يقدّر جرأة السيد ترامب في تشخيص مشكلات متكلسة—سواء عدم كفاءة الحكومة، أو فرط التنظيم، أو النظام الإيراني—مع الأسف لافتقاره إلى استراتيجية ومثابرة. فبعد مهاجمة إيران، أخذ الرئيس يتساءل علناً عن ماهية هدفه النهائي. ربما "يسيطر على الأمر برمته"، قال لموقع "أكسيوس"، أو ربما يوقف القتال ويعود للهجوم إذا اقتضى الأمر. إنه بلا شك رئيس شديد الأثر، لكن، ما وراء نصره المجيد التالي في معركة الغد، يبدو غريباً قليل الاكتراث بما قد تؤول إليه العواقب في نهاية المطاف. لقد جعل ترامب من نفسه شخصية تاريخية عالمية، من دون أن يُبدي تقديراً لدروس التاريخ المأساوية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث